Menu

تداعيات الحرب الأمريكية – الإيرانية على القضية الفلسطينية: نظرة إستشرافية

د. إبراهيم يوسف عبيد

نشر في مجلة الهدف العدد (81) (1555)

تمثل منطقة الشرق الأوسط ساحةً رحبةً تتداخل فيها المصالح الإقليمية والدولية، وتتشابك فيها الصراعات والتحالفات على نحوٍ يجعل أيّ توترٍ أو مواجهةٍ بين دولتين (إقليمية- دولية) حدثًا يتجاوز حدودهما الثنائية، ليمتدّ إلى محيطٍ أوسع من الفاعلين (دولاً وجماعات).

تبرز العلاقة المتأزّمة بين الولايات المتحدة و إيران منذ عام 1979م بوصفها نموذجًا دالًا على هذا التشابك؛ وبالتالي، فإن أي مواجهة لن تكون بمعزلٍ عن اعتبارات الأهمية الاستراتيجية للمنطقة، ولا عن خريطة التحالفات المتداخلة فيها، بل هي أحد أبرز مصادر عدم الاستقرار، بما تنطوي عليه من تداعياتٍ سياسية وأمنية واقتصادية تعيد تشكيل توازنات الإقليم بصورة مستمرة.

وبما أن القضية الفلسطينية كانت- وما زالت- في قلب الصراعات الإقليمية، فإن أي حرب بين واشنطن وطهران لن تكون بعيدةً عنها، بل ستكون لها انعكاساتٍ عميقة ومتعددة الأبعاد على الفلسطينيين، وعلى مسار قضيتهم السياسية والإنسانية.

إن القدرة على استشراف هذه التداعيات المترتبة على الحرب الأمريكية-الإيرانية تتطلب قراءةً متعددة على مختلف الزوايا والأصعدة بتفرعاتها السياسية، والأمنية، والاقتصادية، وحتى الإعلامية، متجاوزة التحليلات النظرية إلى فهم أعمق لآثارها على الواقع الفلسطيني.

تأسيساً على ما ذكر، نستعرض في هذه المقالة أبرز هذه التداعيات التي من المتوقع أن تترتب على هذه الحرب، وهي على النحو التالي:

أولًا: التداعيات السياسية

نلاحظ في التحليل السياسي للصراعات الكبرى أن الدولة التي تشغل الساحة الدولية بملف الأزمة الأساسية غالبًا ما تجذب انتباه المجتمع الدولي وتبدّل أولوياته. وهذا ما يحدث الآن بالفعل، فالقضية الفلسطينية في حالة غياب، وإن كان هذا الغياب مؤقتاً، فهي حاضرة على الدوام.

فعلى المستوى الدولي، تشكل الحرب التي تخوضها الولايات المتحدة وإسرائيل ضد إيران تحدياً حقيقياً للمجتمع الدولي، فالمواجهة بينهما تحولت بالفعل إلى أزمة كبرى، والتركيز عليها من قبل الأمم المتحدة والمؤسسات الدولية سيكون على حساب القضايا الإقليمية الأخرى، بما فيها القضية الفلسطينية.

وهذا ما حدث، على سبيل المثال، في أعقاب الحرب على العراق، وما ترتب عليها من احتلال أمريكي - بريطاني في آذار/مارس 2003م، حيث انشغل العالم وقتئذ بهذه الحرب، وبدأت الأمم المتحدة والدول الفاعلة تخطط لصياغة ترتيبات ما بعد الحرب، مع تراجع واضح في مسار القضية الفلسطينية في أولويات المنظمات الدولية بفعل هذه الحرب. ناهيك أن الحرب ساهمت في تعاظم التحالف القائم والمتجذر بين الولايات المتحدة الأمريكية وإسرائيل، فلا أحد ينكر أن العلاقة بين واشنطن وتل أبيب تمثل حالة استراتيجية فريدة من نوعها، فهي علاقة "كفيل" تتجاوز حالة "التحالف التقليدي" لحالة الاعتماد المتبادل والالتزام العميق.

وبالتالي، فهي تمثل حالة ضغط قوية على مستوى النظام الدولي. واستمرار الحرب سيساهم في تزايد الضغوط على الفلسطينيين، وسينعكس على مستقبل القضية الفلسطينية، فهي المتضررة على الدوام والمتأثرة بتداعيات أي حدث إقليمي. من هنا، قد تفرض الحرب وما يترتب عليها من تداعيات حلولاً أو تنازلات سياسية، بينما تتعزز الحماية الأمريكية لإسرائيل لتحظى بدعم أوسع في المحافل الدولية.

بمعنى آخر، عندما تندلع حرب كبيرة أو توتر قوي في المنطقة، تنشغل الدول الكبرى وخاصةً الأوروبية بإدارة هذه الأزمة، وتتجنب الضغط على إسرائيل في قضايا مثل الاستيطان حتى لا تنقسم مواقفها أو تزيد التعقيدات. ونتيجة لذلك، تحظى إسرائيل بدعم أو حماية سياسية أكبر في تلك الفترة، بينما يتم تأجيل أو تهميش القضية الفلسطينية.

أما على المستوى القُطري، فقد لاحظنا تراجع الدعم العربي الرسمي، خاصةً في مرحلة "الربيع العربي"، للقضية الفلسطينية بفعل انشغال الدول بتحدياتها السياسية والأمنية الداخلية، هذا الانشغال في الأولويات يتكرر اليوم بشكل واضح بفعل الحرب الأمريكية - الإسرائيلية ضد إيران، فالاهتمام الإقليمي والدولي منصب عليها، مما يجعل القضية الفلسطينية ثانوية في أجندات معظم الدول.

وبالتالي، سيجد الفلسطينيون أنفسهم في عزلة دبلوماسية نتيجة تأزم الوضع الأمني في الإقليم، وتصبح مطالبهم السياسية أقل حضورًا على الساحة الدولية.

 

ثانيًا: التداعيات المتعلقة بأدوات وحلفاء إيران (الفصائل الفلسطينية)

إن المتتبع لطبيعة العلاقة بين إيران وحركتي حماس والجهاد الإسلامي يدرك أنهما كانتا تحظيان بدعم إيراني كبير على المستويين المادي والعسكري، وبالتالي من المفترض أن تصبحا جزءًا من تفاعلات هذه الحرب.

ولسوء حظ إيران أن حربها القائمة حالياً جاءت في وقتٍ تعرضت فيه الحركتان لضربة كبيرة في قياداتها وكادراتها وأعضائها ومقدراتها، بفعل حرب الإبادة التي تقودها إسرائيل ضد قطاع غزة منذ تشرين الأول/أكتوبر 2023م، وهو ما حد من قدرتهما على إسناد إيران فيما يُعرف بـ"وحدة الساحات".

هذه الجولة من الحرب ساهمت أيضًا في تراجع الدعم الإيراني لهاتين الحركتين، وهو ما قد يدفع إيران إلى إعادة توجيه مواردها وتركيزها على جبهات أخرى أكثر نشاطاً في الصراع، مما سيساهم في تراجع أو توقف الدعم المقدم إلى الحركتين اللتين كانتا تعتمدان بشكلٍ كبير عليه في تجهيزاتهما العسكرية.

وبالتالي، سيؤثر ذلك على قدرة الفصائل ويقلّل فرصها في أي مواجهة مسلحة لاحقة، حتى لو حاولت الفصائل الفلسطينية استغلال الحرب وتوسيع نشاطها لزيادة الضغط على إسرائيل، فإن ذلك سيزيد من وتيرة المواجهات معها على أرض القطاع المدمر. ناهيك عن التداعيات الإنسانية التي قد تترتب على أي مواجهة مع هذه الفصائل. فعلى سبيل المثال: أظهر العدوان الإسرائيلي على قطاع غزة عام 2014م أن أي تصعيد عسكري محدود يمكن أن يتحوّل إلى أزمة إنسانية، وسيؤدي إلى ارتفاع أعداد الشهداء والجرحى، وتدمير واسع في البنية التحتية.

ثالثًا: التداعيات الاقتصادية

يُصنف الاقتصاد الفلسطيني بأنه اقتصاد هش يعتمد على المساعدات الخارجية والعوائد الضريبية وأموال المقاصة التي تقتطعها إسرائيل، فهو اقتصاد محدود في موارده.

وبالتالي، فإن أي حرب في المنطقة ستؤدي إلى اضطراب في أسواق النفط والسلع الأساسية وارتفاع الأسعار بشكل جنوني، ولأن الاقتصاد الفلسطيني ضعيف أصلاً، فمن المتوقع أن يتأثر الفلسطينيون بشكلٍ مباشرٍ بارتفاع الأسعار ونقص المواد الأساسية، خاصةً في ظل الخصم الذي يطال فاتورة رواتب الموظفين، التي تصرف منذ أكثر من عامين بنسبة تتراوح بين 50-60٪.

فضلاً عن احتمال تراجع المساعدات الدولية كنتيجة للحرب، فعندما تتجه الدول الكبرى إلى إدارة الأزمات الإقليمية الحساسة، فمن الطبيعي أن تقل أولوية المساعدات الإنسانية، مما يؤدي إلى تجميد أو تقليص برامج الدعم الغذائي والصحي في المناطق الفلسطينية.

كما ستؤدي أيضًا إلى زيادة الضغط على المؤسسات المحلية بفعل تراجع أو غياب الدعم الدولي، وبالتالي سيقع العبء على المؤسسات المحلية والحكومة الفلسطينية في تلبية الاحتياجات الأساسية، مما يفاقم ضعف الخدمات ويزيد من معدلات الفقر والبطالة في بيئة اقتصادية غير مستقرة أساساً.

هذه التداعيات تؤثر على المواطن الفلسطيني في الضفة الفلسطينية وقطاع غزة- المدمر- بشكل مباشر، مما يضيف عبئاً آخر تفاقم فيه أعباء الحياة اليومية، وتضع الاقتصاد الفلسطيني في حلقة من الضعف والهشاشة المتزايدة مع كل أزمة إقليمية جديدة، هذه التداعيات ستعطي دولة الاحتلال مبرراً لإغلاق المعابر بحجة الأمن، ولعل ما تقوم به إسرائيل من تقليص للمساعدات الإنسانية في غزة خير دليل على ذلك.

 

رابعًا: التداعيات الإعلامية وتراجع الحضور الدولي

يركز الإعلام الدولي بشكلٍ أساسي وطبيعي على الحروب والأحداث الكبرى. فعندما يصبح الشرق الأوسط ساحة مواجهة بين واشنطن وطهران، سيتجه الإعلام العالمي لتغطية تلك الأحداث كقضية مركزية، بينما تتراجع تغطية القضية الفلسطينية.

هذا التراجع يعني أيضًا تراجعًا في التعاطف الدولي والضغط الشعبي على صناع القرار في السياق الغربي، ما يجعل القضية الفلسطينية أقل حضورًا في النقاش العام العالمي. كما أنه يمنح إسرائيل مجالًا أكبر في إعادة تشكيل روايتها الإعلامية الخاصة بالصراع، بينما يفقد الفلسطينيون قدرةً فعّالة في إيصال معاناتهم وحقوقهم إلى الجمهور العالمي، وما تقوم به إسرائيل وقطعان مستوطنيها من قتل وترويع وعنف في الضفة الفلسطينية واستمرار عمليات القتل في قطاع غزة.

ختامًا، إن المواجهة القائمة بين الولايات المتحدة وإيران لن تكون مجرد صراع ثنائي، بل ستؤدي إلى إعادة ترتيب أولويات النظام الدولي، وإعادة تشكيل التحالفات الإقليمية، وتهميش القضايا الإنسانية والسياسية الأخرى، بما فيها القضية الفلسطينية.

انطلاقاً من هذه المعطيات والتفاعلات، فإن الفلسطينيين هم الأكثر تأثرًا بتداعيات الحرب، رغم أن القضية الفلسطينية ينبغي أن تبقى قضية مركزية عادلة وتحظى باهتمام دولي مهما كانت الظروف.