Menu

قهرٌ بلا حدود داخل الزنازين..

تقريرالأسرى الفلسطينيون.. جحيم خلف القضبان ومنظومة تعذيب بلا توقف

أحمد زقوت

خاص بوابة الهدف الإخبارية - قطاع غزة

لا يعيش الأسرى الفلسطينيون داخل زنازين الاحتلال "الإسرائيلي" مجرد تجربة اعتقال عابرة، بل واقعًا يتجاوز حدود السجن إلى منظومة قمعٍ ممنهجة، داخل غرف ضيقة ومعتمة معزولة عن أعين العالم. هناك، تتداخل أساليب التنكيل الجسدي والنفسي، وتتحول غرف التحقيق إلى فضاءات ضغط قاسية، يُحرم فيها الأسير من النوم لساعات طويلة، ويُستنزف جسديًا ونفسيًا، ويُجبر على أوضاع مهينة ومؤلمة، في محاولة مستمرة لكسر إرادتهم وانتزاع الاعترافات بأي ثمن.

ولا تبدو قضية الأسرى الفلسطينيين ملفًا سياسيًا عابرًا أو بندًا تفاوضيًا قابلًا للتأجيل، بل هي جرحٌ مفتوح في الوجدان الفلسطيني، وندبةٌ لا تندمل في الذاكرة الجمعية، حيث إنّها شهادة يومية على معاناة تتجاوز قيود الجسد لتطال الروح والكرامة، وتمتد إلى تفاصيل العائلة التي تعيش الغياب القسري، وإلى ذاكرة وطنٍ يُعاد تشكيله خلف القضبان.

9600 أسير

وفي يوم الأسير الفلسطيني، الموافق 17 نيسان/أبريل من كل عام، تتجدد هذه المأساة بكل ثقلها، مدعومة بأرقام تعكس اتساعها وعمقها؛ إذ يقبع في سجون الاحتلال حتى مطلع الشهر الجاري أكثر من 9600 أسير فلسطيني، من بينهم 86 أسيرة و350 طفلًا، إضافة إلى آلاف المعتقلين إداريًا ومئات المصنّفين "مقاتلين غير شرعيين".

ويمتد هذا الواقع ليخلّف خسائر بشرية فادحة؛ إذ بلغ عدد الأسرى الشهداء منذ عام 1967 نحو 326 أسيرًا، بينهم 89 استشهدوا عقب ما وُصف بجرائم إبادة جماعية، وفق ما أُعلن من هوياتهم، كما لا يزال عدد من معتقلي غزة في حالة إخفاء قسري، وسط غياب الشفافية والمساءلة.

وتتعدد الروايات وتتشابه القسوة، لكن تفاصيلها ترسم صورة واحدة لمنظومة احتجاز قاسية تتجاوز مفهوم السجن التقليدي. وفي هذا السياق، تتوالى الشهادات التي يرويها أسرى محررون في إفادات خاصة لـ "بوابة الهدف"، كاشفين عن أنماط ممنهجة من التعذيب والانتهاكات تمتد من لحظة الاعتقال الأولى وحتى مختلف مراحل الاحتجاز.

الإذلال منذ اللحظة الأولى

يروي الأسير المحرر حسين الزويدي تفاصيل اعتقاله في 11 ديسمبر/كانون الأول 2023، مشيرًا إلى أنّ قوات الاحتلال تعاملت مع المعتقلين منذ اللحظة الأولى بأسلوب قائم على التقييد المشدد والإهانة الجسدية، حيث مُنعوا من الحركة لساعات طويلة، وحُرموا من الفرش والأغطية، وأُخضعوا لإجراءات مهينة حتى في أبسط الاحتياجات اليومية، بما في ذلك قضاء الحاجة بإذن مسبق، في انتهاك صارخ للكرامة الإنسانية.

ويؤكد الزويدي في شهادته أنّه تعرض لضربٍ عنيف أدى إلى نزف من أذنيه وتدهور حالته الصحية لعدة أيام، إضافة إلى كسور متكررة في يده لم تتلقَّ أي رعاية طبية في ظل سياسة إهمال طبي متعمد، فضلًا عن إهانات لفظية متواصلة استهدفت كسر معنوياته والنيل من كرامته.

رحلة التنكيل في معسكرات الاحتجاز

من جهته، يروي الأسير المحرر إسلام أحمد أنه اعتُقل من داخل مستشفى كمال عدوان شمال غزة برفقة الطبيب حسام أبو صفية، قبل أن يُنقلوا على متن شاحنات إلى منطقة زيكيم، حيث احتُجزوا ثلاثة أيام في ظروف قاسية شملت التجريد من الملابس والاحتجاز في حالة انكشاف تام وحرمان، قبل نقلهم لاحقًا إلى معسكر "عناتوت" في القدس .

ويشير أحمد في حديثه إلى أنّه نُقل بعد 42 يومًا إلى معتقل "سدي تيمان"، الذي يصفه بأنّه "نقطة انهيار إنساني" و"جحيم مفتوح"، حيث خضع المعتقلون لمنظومة قمع شاملة تمنع أبسط الحركات، وتُقابل أي مخالفة بعقاب فوري.

ويضيف أنّه أُجبر على الوقوف ملتصقًا بالجدار لساعات، وتعرض للضرب خارج أسوار المعتقل، بينما كان المرضى يتجنبون العيادة خوفًا من الاعتداء عليهم أثناء النقل، في ظل تحويل العلاج إلى مصدر تهديد إضافي، مؤكدًا أنّه أمضى نحو ثمانية أشهر داخل هذه المنظومة التي يصفها بـ "استنزاف كامل للإنسان"، وصلت ببعض المعتقلين إلى تمني الموت.

حروق جسدية وانتزاع اعترافات بالقوة

أما الأسير المحرر كمال نصر (42 عامًا)، فيروي أنّه تعرّض منذ لحظة اعتقاله للضرب المبرح الذي تسبب بإصابات وكسور، في إطار محاولة لانتزاع اعترافات تحت التعذيب.

ويبين نصر في شهادته أنّه قضى 58 يومًا داخل معسكر في "غلاف غزة"، حيث عاش حالة متواصلة من الإذلال والتكبيل والاعتداءات، قبل نقله إلى سجن "النقب"، حيث تعرّض لحروق جسدية نتيجة رشّه بالماء الساخن باستخدام إبريق كهربائي، وما تزال آثارها واضحة حتى اليوم.

ويؤكد أنّ معاناته لم تنتهِ بالإفراج عنه، إذ يعيش اليوم في ظروف إنسانية قاسية داخل خيام مهترئة تفتقر لمقومات الحياة، في مواجهة مباشرة مع البرد والجوع، ما يجعل الواقع الحالي امتدادًا لمعاناة السجن.

عزلة تامة

يُعدّ العزل الانفرادي إحدى أشد أدوات العقاب داخل السجون، حيث يُحتجز الأسير في عزلة تامة عن العالم الخارجي داخل ظروف قاسية ولا إنسانية، تُفاقم من تدهور حالته النفسية والجسدية، وتحوّل العزلة إلى شكل ممتد من الإيذاء النفسي والجسدي.

بدوره، يصف المعتقل خليل جاد الله في إفادته عن ظروف اعتقاله الأيام الأولى داخل السجون بأنّها "أشبه بالجحيم"، حيث عاش الأسرى حالة من الغموض والقلق الدائم دون معرفة مصيرهم أو وضعهم القانوني، في ظل ما رافق ذلك من تنكيل وحرمان واسع.

ويؤكد جاد الله في حديثه أنّ المعاناة لم تتوقف مع مرور الوقت، بل استمرت عبر سياسات أبرزها العزل الانفرادي، الذي يصفه بأنه أحد أشد أشكال العقاب، حيث يُحتجز الأسير في عزلة تامة وظروف قاسية تُفاقم من تدهور حالته النفسية والجسدية.

ويشير إلى أن الواقع داخل المعتقلات اتسم بسوء تغذية حاد، مع كميات طعام شحيحة وغير صالحة أحيانًا، ما دفع الأسرى لجمع بقايا الطعام لتأمين وجبة واحدة، إلى جانب حرمانهم من أبسط الاحتياجات مثل السكر والملح، ضمن ظروف قاسية تُسبب استنزافًا جسديًا ونفسيًا يوميًا.

مصير مجهول وقلق دائم

وفي مشهدٍ تتداخل فيه المأساة مع الغياب، تعيش عائلتا الطبيبين الفلسطينيين حسام أبو صفية ومروان الهمص واقعًا إنسانيًا بالغ القسوة، بعد اعتقالهما خلال حرب الإبادة على غزة منذ 7 أكتوبر/تشرين الأول 2023، رغم حضورهما البارز في العمل الطبي داخل القطاع.

تقول عائلة الطبيب حسام أبو صفية في تصريحات صحفية إنّ اعتقاله في 27 ديسمبر/كانون الأول 2024 خلّف فراغًا كبيرًا في حياتها اليومية، وحوّل غيابه إلى مصدر قلق دائم وغموض يحيط بمصيره، في ظل انقطاع المعلومات عن وضعه الصحي وظروف احتجازه.

ويؤكد نجله أنه "فقد روح البيت وأمانه"، مشيرًا إلى أن والده واصل عمله الطبي في مستشفى كمال عدوان حتى اللحظة الأخيرة، واعتُقل بعد حصار المستشفى ونُقل إلى مراكز تحقيق.

وفي السياق ذاته، تعيش عائلة الطبيب مروان الهمص مأساة مشابهة بعد اختطافه في يوليو/تموز 2025 أثناء مهمة إنسانية قرب مقر اللجنة الدولية للصليب الأحمر جنوب قطاع غزة.

وتقول زوجته في مقابلة لها، إنّ صدمة الاعتقال كانت قاسية، خاصة أنه كان جريحًا وقتها، فيما تعيش الأسرة اليوم في خيمة نزوح وسط ظروف معيشية صعبة وقلق متزايد على مصيره.

ولا تتوقف المعاناة عند هذا الحد، إذ يُحرم العديد من الأسرى من العلاج والرعاية الطبية، في ظل إهمال طبي متعمّد يعرّض حياتهم للخطر، ويحوّل المرض داخل السجن إلى معاناة مضاعفة قد تمتد دون أي تدخل علاجي فعّال.

قانون "إعدام الأسرى": شرعنة للقتل خارج القانون

في سياق ذلك، يشدد ممثل تجمع النقابات المهنية والطبية محمد داود، على أنّ قضية الأسرى تمثل "خطًا أحمر"، وأنّ تحريرهم واجب وطني لا يمكن التراجع عنه، محذرًا من أن تشريع قانون "إعدام الأسرى" يشكل تصعيدًا خطيرًا وانتهاكًا صارخًا للقانون الدولي، ويعكس سياسة ممنهجة تستهدف الشعب الفلسطيني.

ويشير داود إلى "الهدف" أنّ معاناة الأسرى، ولا سيما الكوادر الطبية، الذين يتعرضون للاعتقال والتنكيل أثناء أداء واجبهم الإنساني، لافتًا إلى أنّ الاحتلال يواصل اعتقال 14 طبيبًا من بينهم أبو صفية والهمص، إضافة إلى العشرات من الممرضين والمسعفين والعاملين في القطاع الصحي.

ويضيف أنّ سياسات الاحتلال المتصاعدة بحق الأسرى تأتي امتدادًا لسلسلة طويلة من الانتهاكات ضد الشعب الفلسطيني عمومًا، وضد الأسرى بشكل خاص، محذرًا من أنّ "المساس بحياة الأسرى ستكون له تبعات لا تُحمد عقباها".

ويدعو داود إلى تصعيد الحراك الشعبي في كل الساحات، وتكثيف الضغط حتى تحرير الأسرى، إلى جانب تحرك المؤسسات الحقوقية بشكل عاجل لتفعيل المسارات القانونية ومحاسبة المسؤولين عن هذه الانتهاكات.

إخفاء قسري وأوضاع صحية متدهورة

بدوره، يقول مدير مؤسسة الضمير لحقوق الإنسان المحامي علاء السكافي إنّ سجون الاحتلال تشهد منذ أكتوبر/تشرين الأول 2023 تحولًا خطيرًا في سياسات التعامل مع الأسرى الفلسطينيين، حيث باتت -بحسب توثيقات المؤسسة- أماكن تُمارس فيها أنماط ممنهجة من التعذيب وسوء المعاملة، تشمل الضرب المبرح والإهمال الطبي المتعمد وسوء التغذية وانتشار الأمراض.

ويؤكد السكافي في مقابلته مع "الهدف" أنّ الأسرى يعيشون أوضاعًا صحية بالغة الخطورة نتيجة الحرمان من العلاج وتدهور الظروف المعيشية، ما أدى إلى تسجيل حالات تدهور حاد ووفيات داخل السجون بفعل التعذيب أو الإهمال الطبي، في ظل غياب رقابة دولية فاعلة.

كما يشير إلى تصاعد سياسة الإخفاء القسري، سواء عبر احتجاز معتقلين دون الإفصاح عن أماكنهم أو الإفراج عن آخرين دون وصولهم إلى عائلاتهم، إضافة إلى احتجاز عدد كبير من معتقلي غزة تحت تصنيف "المقاتلين غير الشرعيين"، بما يحرمهم من ضمانات المحاكمة العادلة والاطلاع على ملفاتهم القانونية.

ويحذر السكافي من خطورة التوجه نحو "قانون إعدام الأسرى"، معتبرًا أنه محاولة لشرعنة القتل خارج إطار القانون ويؤدي إلى تصعيد غير مسبوق في الانتهاكات بحق الأسرى وذويهم، داعيًا المجتمع الدولي، بما فيه الأمم المتحدة والمحكمة الجنائية الدولية والصليب الأحمر، إلى تحمل مسؤولياتهم القانونية وفتح تحقيقات جدية وضمان حماية الأسرى ووضع حد لما يتعرضون له داخل السجون.

إحياء يوم الأسير في غزة

ويوم أمس الخميس، شارك آلاف الفلسطينيين في مسيرة حاشدة بمدينة غزة إحياءً ليوم الأسير الفلسطيني، تأكيدًا على التمسك بقضيته ورفض الانتهاكات بحقه، وعلى رأسها ما يُعرف بـ "قانون إعدام الأسرى".

وانطلقت المسيرة من مفترق الاتصالات إلى مقر الصليب الأحمر، بدعوة من لجنة الأسرى للقوى الوطنية والإسلامية، وبمشاركة فصائل وعائلات أسرى ومؤسسات حقوقية، حيث رُفعت صور الأسرى والأعلام الفلسطينية، ورددت هتافات تطالب بحمايتهم وإنهاء معاناتهم، فيما شهدت محافظات قطاع غزة فعاليات مماثلة بهذه المناسبة.