Menu

الذاكرة الانتقائية والنظام العالمي: من وارسو إلى غزة ولبنان وإيران

عمر فارس

بوابة الهدف

في كل عام تعود إلى الواجهة في أوروبا مشاهد إحياء ذكرى انتفاضة غيتو وارسو، حيث يتم استحضار واحدة من أكثر صفحات التاريخ مأساوية في القرن العشرين، عندما واجه سكان الغيتو آلة القمع النازية التي قادها أدولف هتلر ونظامه الإبادي.

هذه الذاكرة ليست مجرد طقس رمزي، بل تمثل في الخطاب الأوروبي المعاصر حجر أساس في بناء الهوية الأخلاقية والسياسية الحديثة، وتحديد مفهوم “الشر التاريخي” و”العدالة اللاحقة”.

لكن الإشكالية العميقة لا تكمن في تذكر الماضي، بل في كيفية استخدامه في الحاضر، وفي الانتقائية التي تتحول فيها الذاكرة إلى معيار مزدوج في تقييم المآسي الإنسانية.

اليوم، بينما تُرفع الشعارات عن “عدم تكرار الماضي”، يعيش العالم في لحظة تتكرر فيها صور الألم، ولكن في جغرافيا مختلفة: في غزة، في الضفة الغربية، في لبنان، وفي سياقات الحرب والتوتر الإقليمي مع إيران.

 

غزة: الكارثة المستمرة تحت أنظار العالم

في قطاع غزة، تتواصل واحدة من أكثر الأزمات الإنسانية حدة في العصر الحديث. القصف المتكرر، تدمير البنية التحتية، انهيار النظام الصحي، ونقص الغذاء والماء والدواء، كلها عناصر ترسم مشهداً إنسانياً بالغ القسوة.

تقارير متعددة صادرة عن منظمات دولية، بما فيها الأمم المتحدة، حذرت من تدهور غير مسبوق في الوضع الإنساني، ووصف بعض المسؤولين الوضع بأنه “كارثة إنسانية طويلة الأمد”.

ومع ذلك، يبقى الخطاب الإعلامي الدولي في كثير من الأحيان محكوماً بلغة حذرة، تُخفف من حدة التوصيف، أو تُعيد صياغة الواقع ضمن إطار “الصراع المعقد”، مما يخلق فجوة بين حجم المعاناة الفعلية وطريقة تمثيلها في الإعلام العالمي.

الضفة الغربية: صراع يومي تحت الضغط

في الضفة الغربية، تتواصل حالة من التوتر المستمر، تتجلى في القيود على الحركة، والتوسع الاستيطاني، واشتباكات متكررة تؤثر بشكل مباشر على الحياة اليومية للسكان المدنيين.

هذا الواقع لا يظهر غالباً في العناوين الرئيسية بنفس القوة التي تُمنح لأحداث أخرى، رغم أنه يشكل جزءاً أساسياً من بنية الصراع الممتد منذ عقود.

المشكلة هنا ليست فقط في الحدث نفسه، بل في “هرمية الاهتمام الإعلامي” التي تحدد أي معاناة تستحق أن تُرى، وأيها يمكن أن تبقى على الهامش.

لبنان: جبهة مفتوحة على التوتر

في لبنان، تتكرر المواجهات والتصعيدات العسكرية على الحدود الجنوبية، ما يضع المدنيين في دائرة الخطر المستمر، ويزيد من هشاشة الوضع الداخلي في بلد يعاني أصلاً من أزمات اقتصادية وسياسية خانقة.

التصعيدات العسكرية لا تبقى محصورة في إطارها المحلي، بل تتداخل مع الحسابات الإقليمية والدولية، مما يجعل المدنيين هم الحلقة الأضعف في معادلة معقدة.

إيران: صراع النفوذ والتصعيد غير المباشر

أما في السياق الإيراني، فإن التوترات المستمرة مع إسرائيل والولايات المتحدة تأخذ طابعاً استراتيجياً يتجاوز المواجهة المباشرة، ليشمل حرباً غير معلنة من العقوبات، والضغوط السياسية، والهجمات غير المباشرة في ساحات متعددة.

هذا النوع من الصراع يعكس طبيعة النظام الدولي الحالي، حيث لا تُدار الحروب فقط بالسلاح، بل أيضاً بالاقتصاد، والإعلام، والتحالفات.

المعيار المزدوج في الخطاب العالمي

ما يجمع بين هذه الملفات المختلفة ليس فقط الجغرافيا أو السياسة، بل الطريقة التي يتم بها إنتاج “المعنى” في الإعلام والسياسة الدولية.

هناك أحداث تُقدَّم بوصفها صدمات أخلاقية كبرى تستدعي تعاطفاً عالمياً فورياً، وهناك أحداث أخرى تُقدَّم بوصفها “ملفات سياسية معقدة” تحتاج إلى تحليل متوازن، حتى عندما تكون النتائج الإنسانية متشابهة في قسوتها.

هذا التفاوت يطرح سؤالاً أساسياً:

هل أصبحت المعايير الأخلاقية في النظام الدولي مرتبطة بالقوة السياسية وليس بالقيمة الإنسانية للحياة؟

 

الذاكرة كأداة سياسية

الذاكرة التاريخية، عندما تُستخدم بشكل انتقائي، تتحول من درس أخلاقي إلى أداة سياسية. فاستحضار الماضي يصبح وسيلة لتبرير مواقف الحاضر، بدلاً من أن يكون دعوة لتجنب تكرار المآسي في أي مكان.

 

وهنا تكمن المفارقة:

الشعوب التي عانت من الإبادة والقمع في التاريخ، يفترض أن تكون الأكثر حساسية تجاه أي شكل من أشكال المعاناة الإنسانية. لكن الواقع السياسي كثيراً ما يعيد إنتاج منطق القوة بدلاً من منطق العدالة.

بين الخطاب والواقع

الفجوة بين الخطاب الأخلاقي والواقع السياسي تتسع يوماً بعد يوم. فبينما تُرفع شعارات حقوق الإنسان، تتواصل الحروب والنزاعات، ويستمر المدنيون في دفع الثمن الأكبر.

هذه الفجوة ليست مجرد تناقض نظري، بل هي أزمة في بنية النظام الدولي نفسه، حيث تتداخل المصالح السياسية مع تعريف “الإنسانية” و”الشرعية”.

خاتمة: نحو ذاكرة عادلة

إن التحدي الحقيقي ليس في تذكر الماضي، بل في تطبيق دروسه على الحاضر دون انتقائية.

إذا كان شعار “لن يتكرر ذلك أبداً” يحمل أي معنى حقيقي، فيجب أن يُطبَّق على جميع البشر، في كل مكان، دون استثناءات سياسية أو جغرافية.

فالمعيار الأخلاقي لا يمكن أن يكون جزئياً إما أن يكون عالمياً أو يفقد معناه بالكامل. وفي النهاية، تبقى الحقيقة الأساسية واضحة: لا يمكن بناء عالم أكثر عدلاً إذا كانت الذاكرة نفسها تُستخدم بشكل غير عادل.