Menu

الحوامل السياسية والاجتماعية للمشروع الوطني الفلسطيني.. بين الموات ومتطلبات النهوض من جديد

نعيم إبراهيم

نشر في مجلة الهدف العدد (81) (1555)

بتقديري أن السواد الأعظم من الجمع الفلسطيني يتفقون على أن المشروع الوطني الفلسطيني يمرّ بلحظة تاريخية فارقة؛ وعلى أن التحولات الداخلية والخارجية ومتغيراتها تتطلب بالضرورة التمسك بثوابته (الأطروحات والأهداف، والأدوات) .

فكل ما يجري في الإقليم ، من محاولات حثيثة لإعادة صياغة الرواية السياسية للأزمات الراهنة ، حيث يتم التركيز على طرف واحد لخدمة أجندات محددة ، إنما يراد منه تبرئة العدو الصهيوني من جرائمه المستمرة وتصويره كضحية في هذا الصراع الوجودي وهو تزوير سياسي وأخلاقي يتنافى مع حقائق التاريخ والواقع الذي يثبت أن هذا العدو هو المحرك الأول للإرهاب وللحروب في المنطقة وهو وحلفاؤه يعملون على تحويل الأنظار نحو ما يسمى بالخطر الإيراني، بوصفه العدو الأول في الإقليم .

 

"الطغيان الطبيعي"

معلوم أن حق القوي في الحكم هو مبدأ مستمد من الفلسفات القديمة التي تمنح النخبة حق السيطرة على العوام وقمعهم. وتستند السياسات الأمريكية دائما ، إلى فلسفة (ليو شتراوس) الذي يشرعن "الطغيان الطبيعي" حيث ترى هذه المدرسة أن للنخبة القوية حقاً طبيعياً في حكم الأغلبية والسيطرة على مقدرات الشعوب، وهو ما يفسر لجوء الإدارات الأمريكية المتعاقبة للقوة العسكرية لتأمين مصادر الطاقة والمعادن النادرة.

اليوم تتزايد حدة هذا "الطغيان" مع شعور الولايات المتحدة بتراجع مركزها العالمي وبروز قوى منافسة مثل الصين التي تهدد العرش الاقتصادي الأمريكي. ويشير مراقبون إلى أن الذعر الوجودي من أفول النجم الأمريكي يدفع واشنطن لفرض تعريفات جمركية باهظة ومحاولة "شفط" أموال الدول الأخرى لسد عجز الدين العام الذي تجاوز 38 تريليون دولار.

وفي الإقليم يبرز الكيان الصهيوني كذراع أساسي لهذه السياسة، حيث تسعى الولايات المتحدة الأمريكية لتحويله إلى قوة عظمى إقليمية تهيمن على جيرانها. وتتبنى الحكومات المتعاقبة في الكيان الصهيوني نظرية "رعاية القوة" مؤكدة أن الاتفاقيات الدبلوماسية لا تتحقق إلا من خلال التفوق العسكري والتكنولوجي المدمر.

إن التصعيد في الآونة الأخيرة يمثل لحظة مفصلية بالنسبة للقضية الفلسطينية. والمؤكد أن الهدف الاستراتيجي من كل ما جرى ويجري يتمثل بالقضاء على القضية الفلسطينية وشطب الحقوق العادلة للشعب الفلسطيني في وطنه فلسطين التاريخية. ولذلك يدخل أطراف المؤامرة الإقليم في منعرجات حادّة وخطرة من هذا الواقع، ويهددون في كل مرحلة بتصعيد وتيرة الحرب كمّاً ونوعاً ضمن صراع إقليمي أوسع. لكن ما يجري قد يعيد أيضا تسليط الضوء على جذور عدم الاستقرار في الإقليم.

بناء على ما تقدم وفي خضم التحولات الخطيرة بات الحديث عن مستقبل المشروع الوطني الفلسطيني ملحا جدا مع عدم الاكتفاء بالتوصيف والتشخيص أو بدق جدار الخزان فقط لأن رؤوس الجميع من قوى وفصائل وعامة تحت المقصلة الصهيونية الإمبريالية الرجعية يراد جزها حيث حان قطافها. فالمناخ السياسي الحالي يميل تدريجيا نحو تطبيع الصمت عن الانتهاكات والممارسات الصهيونية، وهو ما يمهد الطريق لقبول الاحتلال كشريك في الإقليم . هذا المسار يمثل محاولة خطيرة لإعادة تشكيل وعي الإنسان هنا ليرى خطراً واحداً ويغض الطرف عن الخطر الآخر الذي يهدد وجوده.

قوة الحق في استحضار الإنسان الفلسطيني

التغني بالماضي التليد أو الوقوف على الأطلال أو استمرار حديث الينبغيات أو طرح التساؤلات القديمة، لم يعد كله مجديا ، ذلك أننا بتنا أمام مرحلة مصيرية غير مسبوقة تتعلق بواقع وصمود الإنسان الفلسطيني، إذ لا يوجد مشروع وطني من دون استحضار الإنسان الفلسطيني بكونه الأولوية الرئيسية.

لذلك بالضرورة لا بد من قراءة معمقة لواقع المكونات الأساسية في الشعب الفلسطيني ودورها في المشروع الوطني الفلسطيني بمكامن قوته وضعفه، إضافة إلى الوسائل والاستراتيجية المطلوبة لإنجاز هذا المشروع. والمطلوب من النخب الفكرية والسياسية الفلسطينية والعربية وعموم الإقليم التصدي لمحاولات تزييف الوعي التي تسعى لتصوير الكيان الصهيوني كحليف محتمل ضد التمدد الإيراني.

الجمع الفلسطيني يقفون اليوم أمام مشهدٍ مطلوبٌ فيه نزع سلاح المقاومة الفلسطينية في قطاع غزّة والضفة الغربية، ويوضع إعمار القطاع والانسحاب الصهيوني المزعوم، وتحسين ظروف الحياة وإدخال المساعدات في مواجه ذلك بمعادلة صفرية، إما أن تقبلوا ذلك وإما العودة إلى حرب الإبادة، ما يعني اختصار المعادلة، من مواجهة الاحتلال والحقّ في تقرير المصير، استنادا إلى شرعية حق المقاومة، إلى لحظة استفراد صهيوني غير مسبوقة بالقضية الفلسطينية، التّي اختُصرت حتّى أصبحت قضيةً إنسانيةً من معبر وغذاء وإيواء، ومن التحرير الناجز والعودة إلى الوصاية الدولية والانتداب الأمريكي.

من واقع الحياة ومشاهدها في فلسطين المحتلة وفي الشتات القريب والبعيد ولمواجهة المقتلة المستمرة وتثبيت الفلسطيني وتقوية صموده لا بد من التأكيد على التمسك بالمشروع الوطني، واجتراح وحدة وطنية فلسطينية، وهذا يتطلب خطة واضحة على الصعد كافة ( العسكرية والسياسية والفكرية والتنظيمية والاقتصادية والاجتماعية و التربوية والتعليمية والثقافية والإبداعية ...) وكل ذلك هو عماد المشروع الوطني الفلسطيني. ولا مشروع وطنيا من دون رافعة وطنية، تحمله وتنهض به.

فإلى الجمع الفلسطيني نوجه نداء (تعالوا إلى كلمة سواء) للخلاص من المأزق البنيوي الشامل وحالة الانهيار المستمرة، قبل أن يحول الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، الشعب الفلسطيني إلى مجرّد سكّان، والأرض الفلسطينية إلى مشروع عقاري، ضمن مؤامرة "الشرق الأوسط الجديد" و "إسرائيل الكبرى" من الفرات إلى النيل وفي عموم الإقليم .