تناولنا مرارًا قضية الأسرى الفلسطينيين، خاصة ما يجري بحقّهم في السجون الصهيونية، على الأقل منذ السابع من أكتوبر، وما يضجّ به عالم السوشيال ميديا حول هذه القضية. وهنا ألتمس منكم العذر على بعض الإشارات التي قد تبدو قاسية، أو تنمّ عن جهل، أو على بعض الاجتهادات التي كانت قد تكررت، ولكن أردت أن يكون مقالي مختلفًا في تناول هذه القضية، حتى لا نكرر أنفسنا في كل مرة، مما يبعث على الخشية من أن يحدث نوعٌ من الملل لدى القارئ والمتابع لهذه القضية.
وحتى أفصح عمّا يجول في داخلي، أوجز القول: إننا ينبغي أن نطوّر من أدائنا ونبحث عن مقاربات جديدة. ومن بين ما أقترحه أن نبحث عن كل ما يستفزّ العدو ويفضح صورته وممارساته؛ فعندما نتفاعل مع بعض المحتويات الصادرة عن الاحتلال، كالفيديوهات التي يُظهرون من خلالها التنكيل بالأسرى وإذلالهم، إنما نساعدهم في إذلال أنفسنا، وهو ما يريدونه بالضبط. فبن غفير، مثلًا، يكون في قمة سعادته عندما نقوم بنقل صوره وفيديوهاته، وهو يريده بالضبط.
الفكرة التي أقترحها هي مزاحمة عدونا على لعب دور الضحية؛ فهو يحتكر هذا الدور، وخاصة في موضوع الهولوكوست. فأشد ما يزعج العدو ليس وصفه بالنازية، وإنما الإثبات أن ممارساته شبيهة تمامًا بالممارسات النازية. فعندما نحاول المقاربة بالصورة والفكرة، وتعميق هذا البحث، فإن ذلك يثيره ويستفزه.
أود استحضار بعض الأمثلة التي قد تُضيء الفكرة لدى البعض منكم؛ فعندما نبحث عن صور قديمة للمعسكرات النازية ونقارنها بما يماثلها في السجون الصهيونية، وننشر هذه الصور خاصة أمام الرأي العام الغربي، فإن ذلك يثير تساؤلات من شأنها أن تُربك العدو. أما عن الممارسات، فلدينا عشرات الأمثلة التي تدل على أن التجربة الصهيونية في السجون قد اقتبست التجربة النازية وتمثّلتها.
في التجربة النازية، كان يجري التشديد على دقة الإجراءات، بما ينطوي على مركزية شديدة وبيروقراطية كفؤة، وهو ما يحوّل الجندي أو السجّان إلى مجرد برغي في آلة، ينفّذ الأوامر بدون اعتراض، بحيث تُستلب إنسانيته ويُحوَّل إلى كائن آلي يُبرمج ويُحرَّك عن بُعد. وهو ما يحدث تمامًا في السجون الإسرائيلية.
شهدنا هذا المشهد في السجون، فقد كان السجّان قبل السابع من أكتوبر وحتى قبل تعيين بن غفير كمسؤول عن السجون يتصرف إلى حدٍ ما وفقًا لتوجيهات منضبطة ومعتدلة من حيث السلوك والتصرف، وبقشرة من الممارسة الليبرالية. بعد السابع من أكتوبر انقلب المشهد تمامًا، وبدا عموم السجّانين أشبه بالزومبي الذي يتصرف بلا عقل، وبلا أية مشاعر إنسانية. كان ينفّذ الأوامر بدقة، ويتصرف على نحو مغاير لما كان عليه قبل الحرب. فما يجري ليس مجرد فورة دم أو انتقام على خلفية قومية أو أيديولوجية أو دينية (وإن ظهرت كذلك في بعض المواضع)، إنما هو سلوك كائنات هلامية تنفّذ مهامها بعمىً وآلية باردة.
في التجربة النازية، أُجريت آلاف التجارب الطبية على الضحايا، من أدوية وتشريح وتجارب على احتمال الجسد للتعذيب، أو إجراء عمليات بدون تخدير، أو انتزاع للأعضاء ونشر الأمراض. وهو ما يُحتمل أنه حدث في السجون والمستشفيات الصهيونية. كما حاولت مصلحة السجون الإسرائيلية أن تروّج باحتفاء مقيت لبرنامج “ريجيم”، مستخلصة التجربة من تجويع الأسرى وانخفاض أوزانهم، بحيث استعرضوا ما يُقدَّم للأسرى من طعام طوال الأسبوع، مقدّمين نصيحة للباحثين عن ريجيم ناجع أن يتبعوا برنامجًا شبيهًا بما يُقدَّم للأسرى.
أما عن الغاز، فرغم أن النازيين استخدموا الغازات السامة القاتلة، فإن الصهاينة باستخدامهم للغازات الخانقة والمسيلة للدموع إنما يتسببون في إيذاء للجسد، وبعاهات دائمة قد تستمر طويلًا. فقد عانيتُ شخصيًا من ضيق في التنفس وسعال شديد استمر فترة طويلة، ورأيتُ بأمّ عيني حالات اختناق شديدة تلامس الموت.
صورة أخرى تنمّ عن سادية مرضية: ففي حالة النازيين كانوا يستخدمون الأفران لحرق جثث الموتى أو الأحياء. وفي حالة الصهاينة، استُخدمت مؤخرًا في فصل الشتاء ما يُعرف بغرفة التبريد، بحيث يُعاقَب الأسير بوضعه لأسبوع أو أكثر في حجرة باردة مزوّدة بأجهزة تبريد، ولا يكون لديه أغطية أو ثياب كافية، بحيث يمتص البرد الحياة من الجسد ويصله إلى حافة الموت قبل إعادته إلى قسمه.
فهذه التجربة، ومعها عشرات التجارب الأخرى من ضرب وتجويع وإهمال طبي وتعذيب نفسي، يمكن تسميتها بسياسة “الإعدام البطيء”. فإن لم يفارق الأسير الحياة في السجن، فإنه بعد تحرره يظل يعاني من أمراض مزمنة تؤدي إلى وفاته في وقت وجيز.
لدينا المئات وربما الآلاف من الأمثلة التي ابتكرها الصهاينة في تعذيب الأسرى، وهي شبيهة تمامًا بما كان يسلكه النازيون.
لذا أقترح البحث العميق وإجراء مثل هذه المقاربات، وعلينا أن نبحث عن مفاهيم جديدة تصلح أن تكون عناوين حصرية لممارسات العدو، أو تدخل في القواميس الأكاديمية في الجامعات والأبحاث. وعلينا أن نعمل لنضعهم في صورة الجلاد، وانتزاع دور الضحية منهم. هذا يحتاج إلى جهود جماعية، وأن نتعاون معًا في دمج النازية بالصهيونية قولًا وفعلًا.

