Menu

الكاوبوي الأنيق

مروان عبد العال

نشر في مجلة الهدف العدد (82) (1556)

في النسخة الدبلوماسية من أفلام الكاوبوي، لم يعد الرجل الذي يشهر المسدس يقف في منتصف شارعٍ مغبرّ، بقبعة عريضة ويدٍ على الزناد. صار يرتدي بدلة أممية، يتحدث بلغة “الاستقرار”، ويحمل ملفًا أزرق بدل المسدس. لا يصرخ: “ألقِ سلاحك”، بل يبتسم بلياقة موظف دولي ويقول: “فلنبدأ بخطوات بناء الثقة وخفض التصعيد”. المعنى نفسه، فقط بتهذيبٍ أكثر ووقاحةٍ مصقولة.

لكن الكاوبوي ليس شخصًا. ليس راعي بقرٍ وحسب، بل أخلاق كاملة ونظام عمل. قد يكون راعي البيت الأبيض نفسه: دونالد ترامب، أو وزير دفاعه، أو وزير خارجيته، أو صهره كوشنير وهو يروّج “السلام” كصفقة عقارية، أو موظفه في سمسرة الخراب ويتكوف، وتوم براك رفيق ليالي جزيرة ابستين ، أو مبعوثًا أمميًا ببدلة أنيقة مثل ميلادينوف.

الوجوه تتبدّل، لكن الأخلاق واحدة: من يملك القوة يملك الحق، ومن يملك السلاح يكتب القانون، ومن يربح الحرب يتكرّم بتوزيع الحياة على الخاسرين بالتقسيط. هؤلاء ليسوا أشخاصًا متفرقين، بل وكلاء مدرسة واحدة: مدرسة الكاوبوي حين يتعلم ارتداء ربطة عنق، ويستبدل المسدس بملف، والتهديد بعبارة “خفض التصعيد”، والركوع بمصطلح “بناء الثقة”.

هنا يدخل نيكولاي ميلادينوف، لا بوصفه وسيطًا، بل وكيل الكاوبوي الرسمي في الشرق الأوسط: رجل المهمات الناعمة، سمسار التهدئة، ومندوب الإخضاع ولكنه الانيق . لا يحمل سلاحًا، بل قاموسًا كاملًا لتجميل الشروط. يوزّع النصائح كما توزَّع الأوامر، يلمّع الإملاءات، ويقدّم نزع السلاح كأنه وصفة تعافٍ وطني لا عملية تجريد سياسي. في حضرته، لا يعود السلاح مسألة صراع مع احتلال، بل “عقبة أمام الاستقرار”. ولا يعود اختلال ميزان القوة جريمةً سياسية، بل مجرد “تفصيل يمكن معالجته بالحوار”؛ أي بالحوار الذي يبدأ بأن تتخلى أنت عن كل ما يجعلك طرفًا فيه.

ميلادينوف لا يفاوض، بل يتلو على المنطقة بيان الشروط والأحكام الصهيونية للسلام! يتحدث باسم “المجتمع الدولي”، ذلك الكائن الأسطوري الذي لا يظهر إلا حين يُطلب من الضحية أن تكون أكثر تهذيبًا في تلقّي الضرب. يشرح لك، بربطة عنق أنيقة ونبرة خبير، أن إعادة الإعمار مشروطة، وأن المساعدات ليست حقًا بل مكافأة حسن سلوك، وأن الدولة لا تُبنى ما لم تُنزَع منها أولًا كل قدرة على الاعتراض. دولة ممتازة فعلًا: سيادة تحت الوصاية، وحدود تحت المراقبة، وسلاح وحيد شرعي هو ذاك المصوّب إلى صدر الداخل.

أما “مجلس السلام”، هذا الاسم الذي يبدو كجمعية شركاء ترامب أو نادٍ لأصدقاء البيت الأبيض، فليس سوى الصالون الرسمي لتشريع موازين القوة. مجلس لا يصنع سلامًا، بل ينظّم جولات الحرب، ويمنحها محضرًا رسميًا وختمًا دوليًا. هناك، تُناقش حياة الشعوب كما تُناقش بنود التأمين: كم تبقّى لها من حق في التنفس؟ كم يلزمها من خضوع لتستحق الكهرباء؟ وكم درجة من الطاعة تؤهلها للحصول على رزمة إعمار غير قابلة للصرف السياسي؟

في هذا المجلس، السلام ليس نقيض الحرب، بل إدارتها بوسائل أكثر أناقة. والسلاح ليس المشكلة، بل احتكاره. من يحمله في يد الهيمنة يُسمّى ضمانة أمن، ومن يحمله دفاعًا عن أرضه يُسمّى تهديدًا للاستقرار. هذه هي العدالة الدولية في أبهى صورها: مسدس الكاوبوي ضمانة نظام، وبندقية الضحية خلل في السلوك السياسي.

منطق السلاح هنا لا يُلغى، بل يُعاد ترتيبه. لا أحد يريد نزع السلاح من المشهد، فقط نقله إلى اليد “الصحيحة”: اليد التي تقصف بلا مساءلة، وتحاصر باسم القانون، وتمنح الحياة بالتقسيط السياسي. المطلوب ليس إنهاء العنف، بل تنظيم حق استخدامه. ليس نزع أدوات القتل، بل حصرها في يد من يملك حق تعريف الضحية، وحق تحديد متى يجوز لها أن تتألم، ومتى يُسمح لها أن تصمت.

وهكذا يصبح ميلادينوف مجرد موظف أنيق في مكتب الكاوبوي الكبير: لا يضغط الزناد، فقط يشرح لك، بأدبٍ دبلوماسي، لماذا ينبغي أن تشكر من يصوّب المسدس إلى رأسك… لأنه، بكل إنسانية، لم يطلق النار بعد.