Menu

معركة العصف المأكول: حزب الله يعود من رحم الانكسار

مهند عبدالهادي

بوابة الهدف

في عالم السياسة والحروب، كثيراً ما تكون الخسارة أو الهزيمة بداية لميلاد جديد. هذه المعادلة التي طالما حكمت مسار الحركات المسلحة عبر التاريخ، تبدو اليوم أكثر حضوراً من أي وقت مضى في المشهد اللبناني، إذ يقف حزب الله اليوم في معركة "العصف المأكول" كياناً مختلفاً جوهرياً عمّا كان عليه في معركة "أولي البأس"، ليطرح على المراقبين والمحللين تساؤلاً جوهرياً: هل أخطأ من ظنّ أن الاحتلال الإسرائيلي قد كسر الحزب إلى غير رجعة؟

الضربة الافتتاحية وانكشاف العمق

قبل أن نفهم المشهد الراهن، لا بد من استيعاب حجم الكارثة التي تعرّض لها حزب الله خلال معركة "أولي البأس". فما جرى لم يكن مجرد خسائر ميدانية معتادة في حسابات الحرب، بل كان زلزالاً استخباراتياً وأمنياً من الدرجة الأولى.

بدأت الضربة الافتتاحية للاحتلال الإسرائيلي بتفجير أجهزة البيجر الذي راح ضحيته نحو خمسة آلاف شخص بين شهيد وجريح دفعةً واحدة، ليكشف ذلك عن عمق الاختراق الذي وصل إليه الموساد داخل أدق تفاصيل المنظومة اللوجستية للحزب. ثم جاءت ضربة أجهزة اللاسلكي لتؤكد أن الاختراق لم يكن نقطياً بل ممنهجاً وشاملاً. تبع ذلك اغتيال قادة وحدة الرضوان الذين شكّلوا العمود الفقري للذراع العسكري، قبل أن تُتوَّج هذه السلسلة باغتيال الأمين العام السابق السيد حسن نصر الله، أحد أكثر الشخصيات السياسية والعسكرية تأثيراً في تاريخ المنطقة.

دخل الحزب معركة "أولي البأس" وهو مكشوف بالكامل، مثخن بجراح في قيادته وبنيته، يخوض مواجهة شبه مفتوحة مع عدوّ يعرف كل تفاصيله.

جذور الخرق: كيف وصلنا إلى هنا؟

لفهم سبب هذا الانكشاف غير المسبوق، لا بد من إجراء قراءة هادئة ومعمّقة في مسار الحزب خلال العقدين الأخيرين. ولعل أبرز عوامل هذا الخرق يمكن إجمالها في ثلاث محطات كبرى.

الأولى هي الانخراط في الحرب السورية التي حوّلت ساحة المعارك إلى بيئة استخباراتية بالغة التعقيد، تتشابك فيها أجهزة إقليمية ودولية بعضها يعمل بالتعاون المباشر مع "الموساد الإسرائيلي"، وهو ما وفّر فرصاً ذهبية لاختراق الحزب.

الثانية هي التحول البنيوي الذي طرأ على الحزب بعد عام 2006، حين انتقل تدريجياً من حركة مقاومة تعتمد على أساليب حرب العصابات، إلى قوة إقليمية تنهج النهج العسكري الكلاسيكي من حيث التسليح والهيكلية القيادية والمقاربة السياسية، وهو النموذج الأكثر عرضةً للاختراق الاستخباراتي بطبيعته.

أما العامل الثالث، وهو ربما الأقل تناولاً في أدبيات التحليل السياسي، فيتمثل في ابتعاد الحزب عن ساحة جنوب لبنان لنحو عشرين عاماً متواصلة، منذ انتصاره في حرب تموز 2006 وحتى اندلاع الأحداث الأخيرة. هذا الغياب الميداني الطويل أنتج أجيالاً من المقاتلين والكوادر لم يخوضوا مواجهة حقيقية على الأرض اللبنانية مع العدو الإسرائيلي، فضلاً عن تراخٍ قد يكون طال الإجراءات الأمنية والبروتوكولات التي كانت تُطبَّق بصرامة في زمن المقاومة المبكرة.

العودة من الرماد: تحول عقيدة القتال

بيد أن المشهد الذي يرصده المراقبون اليوم في معركة "العصف المأكول" يروي قصة مغايرة تماماً. فمنذ الهدنة التي أعقبت "أولي البأس"، وعلى مدار خمسة عشر شهراً، لم يكتفِ الحزب بترميم قوته العسكرية وإعادة ملء الفراغات القيادية، بل أقدم على ما هو أعمق وأكثر جذرية: مراجعة شاملة وجريئة لعقيدته القتالية بالكامل.

المفارقة اللافتة أن الحزب، الذي قضى عشرين عاماً في تراكم الأسلحة الثقيلة والصواريخ الدقيقة بعيدة المدى بوصفها أدوات ردع استراتيجي، قرّر اليوم أن يعود إلى ينابيعه الأولى. عاد إلى عقيدة النشأة، إلى أسلوب حرب العصابات وتكتيكات الحرب اللاتناظرية التي صنعت مجده في المراحل الأولى من تأسيسه.

تجلّى ذلك أولاً في الانغلاق الأمني والاقتضاب الإعلامي الصارم. فمنذ انطلاق هذه المعركة، عجزت "إسرائيل" عن تحقيق صيد ثمين في القيادات، على النقيض التام مما جرى في "أولي البأس" أو معركة إسناد غزة، حين تساقطت قيادات الصف الأول والثاني في أيام معدودة.

وتجلّى ثانياً في الاعتماد على المجموعات الصغيرة المتنقلة التي تكبّد قوات الاحتلال خسائر متواصلة دون أن توفّر أهدافاً ثابتة قابلة للاستهداف، وهو قلب عقيدة حرب العصابات التي أرهقت الجيوش النظامية الكبرى في كل حروب التحرر عبر التاريخ.

وتجلّى ثالثاً في التوظيف الواسع لطائرات مسيّرة تعمل بتقنية الألياف البصرية "FPV"، وهو سلاح اعترف قادة جيش الاحتلال صراحةً بفتكه الهائل وبعجزهم عن إيجاد وسائل فعّالة لصدّه. هذه التقنية تُربك منظومات الدفاع الإلكتروني الإسرائيلية كونها لا تعتمد على موجات الراديو القابلة للتشويش.

وختاماً، أعلن الحزب قرب تفعيل تكتيك العمليات الاستشهادية، وهو الأسلوب الذي افتتح به مسيرته الكفاحية في مطلع ثمانينيات القرن الماضي، مع عملية الشهيد أحمد قصير الشهيرة عام 1982. استعادة هذا التكتيك لا تعني فقط توسيع قاعدة أدوات الضغط العسكري، بل تعني إعلاناً صريحاً بأن الحزب يسير بثبات نحو استراتيجية استنزاف طويلة الأمد، مصمّمة على إغراق جيش الاحتلال في وحل الجنوب وإنزال خسائر متراكمة به دون انتظار حسم ميداني سريع.

خاتمة: من أخطأ في قراءة الحزب؟

في ضوء كل ما سبق، يبدو جلياً أن ثمة خطأً فادحاً في التقدير ارتكبه كثير من المراقبين والمحللين، بل وبعض صانعي القرار "الإسرائيليين" أنفسهم، حين ظنّوا أن ما جرى في "أولي البأس" يمثّل نهاية حزب الله أو على الأقل شلله الاستراتيجي لسنوات طويلة.

الحقيقة التي تكشفها معركة "العصف المأكول" هي أن الحزب لم يُكسَر، بل تعرض لنكسة جعلته يعيد تشكيل نفسه على نموذج أصلب وأكثر تكيّفاً. لقد تخلّى عن نموذج الجيش الكلاسيكي الذي جعله هشّاً أمام الاستخبارات، وعاد إلى ما يُتقنه حقاً: حركة مقاومة محلية متجذّرة في بيئتها، تُجيد فنون حرب الاستنزاف، وتعمل بأقل ما يمكن من الانكشاف وأكثر ما يمكن من الفتك.

الانتصارات التي يسعى إليها الحزب اليوم لن تُقاس بمعركة فاصلة واحدة، بل بمنطق النقاط المتراكمة على امتداد حرب طويلة النفَس. وهذا بالضبط هو النوع من الحروب الذي لم تنجح "إسرائيل" تاريخياً في حسمه.

من ظنّ أن الحزب انتهى، عليه أن يُعيد حساباته من جديد.