Menu

أما آن لهذه الأمة أن تنهض؟

د. سعيد ذياب - رئيس حزب الوحدة الشعبية الديمقراطي الأردني

منذ بداية القرن الماضي وشعوبنا يؤرقها سؤال النهضة والتحرر، والحقيقة أن كل المشاريع النهضوية والتحررية باءت بالفشل، وكان آخرها المشروع الذي حمله جمال عبد الناصر، الذي تكالبت عليه القوى الاستعمارية ونجحت – للأسف – في إجهاض مشروعه من خلال هزيمة الخامس من حزيران عام 1967.

من البديهي أن القوى الاستعمارية تدرك مخاطر نهوض الشعوب العربية، وتعي أن إمساك هذه الشعوب بعناصر مشروعها الخاص سيحدث تغييراً جوهرياً على المستوى الدولي لا يخدم مصالح الاستعمار؛ مما استدعى إنشاء الكيان الصهيوني، الذي لم يكن مجرد استجابة للأطماع الصهيونية فحسب، بل ليشكل أداة لقمع أي قوى عربية تحررية.

من هذا المنطلق، كانت الفلسفة التي حكمت التفكير الغربي في التعامل مع الأمة العربية تستند إلى تقسيم الكيانات العربية وتعطيل فرص التطور العلمي، الأمر الذي ألقى بظلاله على الحالة العربية على امتداد القرن الماضي، عبر صراع محتدم بين قوى النهوض وقوى التبعية والارتهان للأجنبي.

طوفان الأقصى

حتى جاء "طوفان الأقصى" كاستمرار للنضال الفلسطيني من جهة، ورد فعل على المحاولات الأمريكية والصهيونية لإسدال الستار على الحقوق الفلسطينية من جهة أخرى. لقد طرح الطوفان العديد من الأسئلة، وشكك في فرضيات نجح العدو الصهيوني في تسويقها طويلاً، وعلى رأسها مقولة "الجيش الذي لا يقهر"؛ حيث تم قهره وتدمير وتشتيت فرقة عسكرية بأكملها خلال بضع ساعات. 

كما كشف الطوفان عن هشاشة استخبارات هذا الكيان، فكان الرد الإسرائيلي إجرامياً بشعاً وعنيفاً؛ ليعكس حالة القلق الوجودي الذي تسرب إلى مسامات المجتمع الإسرائيلي، مما عرى هذا الكيان وجعله يكشف عن وجهه الحقيقي عبر حرب الإبادة التي يشنها، كاشفاً في الوقت ذاته عن عجز النظام الدولي عن الاضطلاع بمسؤولياته، وفاضحاً تواطؤ النظام العربي الرسمي تجاه الإبادة وكل ما يجري في غزة.

صحيح أن الصمود كان أسطورياً برغم أنها حرب إبادة حقيقية استخدمت فيها كل المحرمات الدولية والأسلحة الفتاكة، واتسمت بانعدام الأخلاق وسلاح التجويع، إلا أن المؤلم هو ذلك الصمت العربي الشبه كامل، الذي يعكس حالة القصور والعجز عن التحرك الشعبي الفاعل؛ مما يعيق أي نهوض حقيقي، ويُعزز من استمرار حالة التخاذل والتراجع. إن حالة الركود الشعبي تمنع النهوض وتُكرّس الاستلاب، في وقت كان يستوجب فيه الأمر هبة جماعية لكسر هذا القيد.

لقد أصبحنا أمام صورتين:

الأولى لقوى المقاومة التي تصدت ببسالة للهجمة الإسرائيلية الأمريكية، وقدمت الآلاف من الشهداء لإفشال مخطط "الشرق الأوسط الجديد" الخالي من المقاومة، ولا يزال هذا المحور مستمراً في الصمود، مستبسلاً ومتحدياً كل وسائل القتل والدمار.

والثانية هي صورة دعاة "السلام الإبراهيمي" الذي يسعى لاستعباد الشعوب والسيطرة التامة على مقدراتها، (استعمار بحلة جديدة وبكلفة أقل، ينزع الكرامة ويضمن العبودية المطلقة).

إن أمريكا التي بدأت مسار إمبراطوريتها بالرق والإبادة الجماعية، تستمر في هيمنتها بلا توقف عبر نشر قواعدها في معظم دول العالم، مشكلة "إمبراطورية القواعد"، ومتخلية عن كل الفضائل التي حاولت تسويقها زوراً وبهتاناً. لقد مثل التوافق الأمريكي الإسرائيلي في التوجه والمشروع طبيعة التشابه بين كيان قام على الإبادة والتهجير، وبين مشروع أمريكي إمبريالي توسعي.

أمام هذه الصور، يُطرح السؤال وبقوة عن النهضة ويقظة شعوبنا؛ تلك النهضة التي طال انتظارها، والتي تمسك بحلقة التحرر ومواجهة التبعية التي ابتلينا بها عبر القواعد الأمريكية وأنظمة أخذت على عاتقها تكريس التبعية وتعميق كل ما يربطنا بالأجنبي. لقد كبلت هذه الأنظمة قدرتنا على الحديث وإبداء الرأي، وعطلت أي إمكانية للتمرد وتحدي الواقع، بل والأخطر أنها أشاعت في مجتمعاتنا ثقافة استهلاكية مظهرية، وأحبطت من خلالها أي محاولة لبناء ثقافة إنتاجية، وأغرقت المجتمعات بعناصر الفساد الذي بات مستشرياً وله نفوذه وقوته.

لقد تم ضرب التعليم، وتعطيل محاولات البحث العلمي، وتحويل الجامعات إلى كيانات تجارية لتخريج مجرد موظفين يبحثون عن لقمة العيش. إننا نريد نهضة تحرر شعوبنا من عقود طويلة نرزح فيها تحت وطأة الاستبداد وتكميم الأفواه. وعندما تعرضت هذه الأنظمة للضغط الداخلي والخارجي للإصلاح، تحايلت على تلك المطالب بما يطلق عليه "الأنظمة السلطوية المستترة"؛ برلمان شكلي، وتعددية مجرد ديكور، وإعلام تحت السيطرة.

هذه الصورة تفرض علينا التمسك بديمقراطية حقيقية تُحترم فيها حرية التعبير، والتداول السلمي للسلطة، والفصل بين السلطات؛ فبدون ديمقراطية لن يكون بإمكاننا تحقيق النهضة في أي منحى من مناحي الحياة. لقد تم تقسيم الوطن العربي وتعطيل أي شكل من أشكال الوحدة والتنسيق المشترك لاحتجاز عملية النهوض والتطور، الأمر الذي يجعل من السعي لإنجاز الوحدة أمراً في غاية الأهمية للوصول إلى أهدافنا المنشودة.

نحن في مواجهة عواصف وأخطار جمة تستهدف آمالنا وأحلامنا وطموحاتنا بالنهوض وحجز المكان الذي يليق بنا بين الأمم، وهذا لن يتحقق إذا لم تَعِ القوى التقدمية والقومية دورها ومسؤوليتها. فالزمن يتسارع، وكل شيء يتغير سريعاً، والعالم يقف على مفترق طرق يبحث عن ملامح لنظام دولي جديد.. ويبقى السؤال الكبير: هل لنا مكان في هذا العالم الجديد؟