Menu

قرصنة البحر وعنف السجون.. حكاية صديقي "سيف" ورفيق الزنزانة "تياغوا" وآلاف الأسرى

عمر فارس

بوابة الهدف

أعرف "سيف" منذ أكثر من عشرين عاماً. هو ليس مجرد صديق، بل هو مناضل صلب من أولئك الذين لا ينحنون، مهما عظم الثمن أو اشتد الخناق. لم يكسره حصار غزة، ولم يُخضعه تهديد أي كان. رافقته في سنوات عديدة، وكنت شاهداً على كيف يمكن للإرادة أن تتحطم على صخر عزيمته.

معاً، خططنا وشاركنا في فعاليات عديدة، وكان أبرزها أسطول الصمود العام الماضي. سيف كان داعماً لنا من الأرض، لم يُختطف لأنه كان يساهم من البر، لكنه كان قلباً وقالباً معنا. أما أنا، فخضت التجربة على متن السفن.

هناك، في قلب المياه الدولية، اختبرنا معنى القرصنة الحديثة. اختُطفت أنا ورفيقي العزيز تياغوا أفيلا، ذلك المناضل الأممي من البرازيل، مع 470 ناشطاً سلمياً. لكن كل ما كان يشغل بالنا في تلك اللحظات لم يكن خوفنا، بل مصير آلاف الأسرى الفلسطينيين الذين تركنا خلفنا: مروان البرغوثي، الدكتور حسام أبو صفية، أحمد سعدات، وآخرين يعانون بصمت خلف القضبان.

تياغو ليس مجرد رفيق درب، بل هو أخ في الزنزانة. هذه هي المرة الثالثة التي يحاول فيها الوصول إلى غزة، رغم كل المخاطر. في العام الماضي، شاركني الزنزانة الضيقة بعد اختطافنا. هناك، حولنا اليأس إلى تحدٍ، وكان صوته عالياً يفضح وحشية الاحتلال وقرصنة البحار. رأيت فيه مثالاً نادراً للتضامن الأممي الحي، جسداً حياً لمن يرفض الصمت على الظلم، حتى لو كلفه ذلك حريته مراراً وتكراراً.

مرة تلو الأخرى، تكشف شهادات الناجين من أسطول الصمود حقيقة مروعة: كيف يواجه "كيان الاحتلال" نشطاء سلام مدنيين غير مسلحين، كان هدفهم الوحيد كسر الحصار الظالم عن مليوني إنسان في غزة.

تعرضنا أنا وتياغوا للاعتداء والتنكيل. أوقفوا سفننا في المياه الدولية، وهو انتهاك صارخ للقانون الدولي. اقتادونا قسراً، وعوملنا بوحشية وإذلال، ليس لأننا شكلنا أي تهديد أمني حقيقي، بل لأننا تجرأنا على تحدي حصار يخنق الأنفاس. إنها قرصنة منظمة، وأساليب بلطجة لا تليق بدولة تزعم احترام القانون.

القصة لا تقف عند البحر فقط

بينما يركز العالم أضواءه الخافتة على اعتقال ناشطي أسطول الصمود لفترة وجيزة، يغيب عن الكثيرين أن آلاف الفلسطينيين يقبعون في سجون الاحتلال منذ عشرات السنين، بلا محاكمات عادلة، وبلا أمل قريب بالحرية.

· أكثر من 6000 أسير فلسطيني حتى اليوم، بينهم أطفال ونساء ومرضى.

· عشرات المعتقلين في زنازين انفرادية، تحت التعذيب والإهمال الطبي المتعمد، في ظروف لا تليق بالإنسان.

· بعضهم أمضى أكثر من 30 عاماً خلف القضبان، وآلاف لا يعرفون متى سينتهي عذابهم.

سجون مثل "الرملة"، "النقب"، "عوفر" و"عسقلان" ليست مجرد أماكن احتجاز، بل معسكرات لإذلال الإنسان الفلسطيني، وابتزاز سياسي بجثث الأحياء والأموات.

الأمر ليس عن "الأمن" كما يدعون، بل عن سيطرة خبيثة وممنهجة تمتد لعقود. اعتقالات إدارية بلا تهمة، ومحاكم عسكرية جائرة، وأطفال يحاكمون بالرصاص الحي وبأحكام طويلة

خيط واحد يربط قصتنا بكل هؤلاء

سيف الذي صمد من الأرض، وتياغوا الذي شاركني الزنزانة بعد القرصنة في البحر، وأنا، وكل الآلاف في سجون الاحتلال… كلنا نواجه نفس الآلة. آلة تمنع الماء والغذاء والدواء عن غزة، وتهدم البيوت على رؤوس أصحابها في الضفة، وتجلد المعتقلين في الزنازين.

لكننا لن نقف مكتوفي الأيدي.

كل يوم يصمد فيه أسير، وكل مرة يبحر فيها ناشط لكسر الحصار، هي رسالة للعالم: هذه الجريمة لن تمر بلا شهود. والشهود اليوم ليسوا فقط الضحايا، بل كل من يرفض الصمت على قرصنة البحار وانتهاكات السجون.