Menu

هرمز: عندما يضيق المضيق

موسى جرادات

بوابة الهدف

بعد أن تمكنت إيران من إحكام السيطرة الكاملة على مضيق هرمز، رغم المحاولات المستميتة من قبل الولايات المتحدة الأمريكية، سواء عبر العمل العسكري أو من خلال التفاوض لفتح المضيق، لم تسفر تلك المحاولات عن أي نتيجة حاسمة، وبقيت الحرب بين الطرفين تراوح مكانها، على الرغم من توقف إطلاق النار بصورة مؤقتة.

لقد تحول المضيق من مسار بحري تعبر منه السفن ذهابًا وإيابًا إلى نقطة ارتكاز أساسية بيد الجمهورية الإسلامية الإيرانية، فهي تدرك، من خلال تجربتها التفاوضية الطويلة مع أمريكا والغرب عمومًا طوال العقود الماضية، أن لا شيء ثابتًا في السياسات الغربية التي تتقلب تبعًا للمصالح، خصوصًا في تعاملها مع دول الجنوب وفق تصوراتها الاستعمارية التقليدية.

من هنا، فإن محافظة إيران على الإمساك بملف هرمز لا تأتي فقط بهدف تحسين شروطها التفاوضية مع الولايات المتحدة الأمريكية، بل أيضًا لتأكيد حضورها كلاعب حقيقي وفاعل على مسرح السياسة الدولية.

إن الناظر إلى الخطاب الأمريكي والغربي عمومًا يجد جملة من التناقضات التي تحكم هذا الخطاب؛ ففي الوقت الذي لا تقيم فيه تلك القوى وزنًا فعليًا للقوانين الدولية، أصبحت تتحدث عن عدم شرعية قيام إيران بهذا الفعل. بل ذهبت الولايات المتحدة إلى فرض حصار بحري على إيران، فيما تتجه الأنظار نحو طهران للمطالبة بحرية الملاحة في المضيق، وسط صمت مطبق تجاه الاعتداءات العسكرية عليها وحصارها دون مسوغ قانوني، ودون أن تكون قد بادرت بالاعتداء على أحد.

 

ترامب وعقدة الفشل والهزيمة

إن المراقب لتصريحات الرئيس الأمريكي دونالد ترامب منذ بداية الحرب وحتى الآن، يدرك بوضوح حجم تخوفه من أي نتيجة يمكن أن تظهر فيها إيران منتصرة، ولو جزئيًا. فالمسألة لا تتعلق به شخصيًا، ولا بالحزب الجمهوري، ولا حتى بالولايات المتحدة وحدها، بل إن تداعيات أي انتصار إيراني وفرض شروطه على طاولة التفاوض سيُعدّ انتكاسة غربية ذات طابع استراتيجي، لم يشهدها الغرب منذ عقود طويلة في تعامله مع بقية العالم.

لهذا ارتفع منسوب التحدي في خطاب ترامب، وأصبحت التفافاته اللغوية تصب كلها في خانة “الانتصار الساحق”، كما يصفه في خطاباته اليومية المتكررة. فلا يكاد يخلو أي تصريح له من التأكيد على هذا “النصر الحاسم”، فيما لا يزال مضيق هرمز في قبضة الإيرانيين، الأمر الذي يناقض روايته، خاصة أن أسواق النفط أصبحت تتأثر بالتصريحات الإيرانية ارتفاعًا وهبوطًا، وهو مؤشر على أن إيران، التي لم تُكسر في هذه الحرب، باتت قوة قادرة على فرض حضورها الدولي بفاعلية واضحة.

فإيران تدرك أهمية سيطرتها على مضيق هرمز، وفرض سلطتها العملية والتقنية عليه، لأن من يسيطر على المضيق يصبح لاعبًا دوليًا يُحسب حسابه في كل وقت، إضافة إلى قدرته على التحكم بالنفط كسلعة استراتيجية، ليس فقط من حيث السعر، بل من حيث الكميات والوجهات ومن يصدر ومن يستورد.

إنها محاولة إيرانية واضحة لرسم ملامح مرحلة دولية جديدة، تتقاطع معها قوى إقليمية ودولية تسعى إلى بناء نظام عالمي متعدد الأقطاب، لا يقوم على الهيمنة والحروب. وقد جاء هذا الإنجاز الإيراني من خلال مواجهة النفوذ الأمريكي في المنطقة، بعدما دفعت إيران أثمانًا بشرية واقتصادية ومعرفية باهظة، الأمر الذي جعل هذا الملف ملفًا مصيريًا بالنسبة لها، ويتناقض جذريًا مع تصورات ترامب وإدارته ومقارباتهما للمشهد الراهن.

 

الحرب المفتوحة وخيارات اللاعبين

من الواضح أن الحرب ما تزال مفتوحة على كثير من الاحتمالات والخيارات، لكن الثابت فيها أن إيران تصنع سياستها اليوم وفق تحدٍ وجودي يتعلق بالدولة والأمة الإيرانية، فيما تجد الولايات المتحدة نفسها أمام خسارة استراتيجية تكشف حدود وضعها الداخلي وطبيعة علاقاتها المهيمنة على العالم.

فأزمة المضيق، وإطالة أمدها، قد تتحول إلى عنوان لخسارة استراتيجية أمريكية تفتح الباب أمام قيام نظام دولي جديد. وبين الفعل الإيراني والفعل الأمريكي تتولد ديناميات الحراك السياسي الدولي، إذ باتت المواقف الصينية والروسية أكثر وضوحًا في دعم الموقف الإيراني، سواء عبر تعطيل مشاريع قرارات في مجلس الأمن الدولي، أو عبر الحديث عن دعم لوجستي وأمني وعسكري قدمته كل من روسيا والصين لإيران خلال الحرب وما بعدها.

 

هل ينجح ترامب في حصار إيران البحري؟

في مجمل تصريحاته طوال فترة الحصار البحري، أثبتت الوقائع أن تهديدات ترامب لم تتجاوز إطار الأمنيات والرغبات. فلا المهل الزمنية التي تحدث عنها أدت إلى استسلام إيران، ولا تضررت منشآتها النفطية بالشكل الذي كان يطمح إليه.

وقد أشار بعض المراقبين منذ بداية الحصار إلى أن أهداف ترامب لن تتحقق، بسبب قدرة إيران التقنية واللوجستية على الالتفاف على العقوبات ومشكلات تصدير النفط، وهي خبرة راكمتها طهران على مدى عقود طويلة.

 

مباحثات إسلام آباد: طريق لا نتيجة

كشفت الوساطة الباكستانية في الحرب أن الطرفين، الإيراني والأمريكي، يحاولان عبر هذه المنصة — سواء سميت مفاوضات أو محادثات أو تبادل رسائل — اختبار بعضهما البعض.

في المقابل، تنظر إيران إلى عامل الزمن بوصفه عنصرًا ضاغطًا على واشنطن، التي تواجه تحديات داخلية وخارجية تدفعها نحو تسريع إنهاء الحرب، بعد أن استنزفها الفعل العسكري دون تحقيق النتائج المرجوة.

ومن خلال بوابة إسلام آباد، تبقى حدود المناورة التفاوضية قائمة، لكنها لا تمتلك رفاهية الوقت في ظل عناد إيراني لافت. فإيران لا تبدو مستعدة لتقديم تنازلات سياسية حقيقية، مهما كرر ترامب حديثه عن “انتصارات” ينقضها الواقع ويفندها المراقبون المحايدون.

فلولا صمود إيران في هذه المواجهة، لما وافقت الولايات المتحدة أصلًا على الوساطة الباكستانية. فما لم تستطع واشنطن انتزاعه بالحرب والقوة العسكرية، لن تتمكن من انتزاعه عبر التفاوض.

أما الحرب، فستجد طريقها في النهاية إلى التوقف، إذ لا توجد حروب بلا نهايات، لكن نهايات هذه الحرب — وفق الرؤية الإيرانية — رُسمت منذ بدايتها، ولن تتراجع عنها. ومن جاء من أعالي البحار سيعود إليها، لكن هذه المرة وهو يحمل هزيمة كاشفة.

سيناريوهات التفاوض ونتائجه

1. سيناريو التسوية المؤقتة

تتجه الأطراف إلى اتفاق مرحلي يضمن حرية جزئية للملاحة مقابل تخفيف محدود للعقوبات، دون معالجة جذور الصراع، ما يعني بقاء التوتر قائمًا وقابلًا للانفجار مجددًا.

2. سيناريو الاستنزاف الطويل

تستمر الحرب الاقتصادية والأمنية دون مواجهة شاملة، مع بقاء هرمز ورقة ضغط إيرانية، مقابل استمرار الحصار والعقوبات الأمريكية، ما يؤدي إلى إنهاك جميع الأطراف تدريجيًا.

3. سيناريو التصعيد الكبير

يقع احتكاك عسكري مباشر في المضيق يؤدي إلى توسع الحرب إقليميًا، مع دخول أطراف دولية بصورة أكبر، وارتفاع غير مسبوق في أسعار الطاقة العالمية.

4. سيناريو التحول الدولي

تنجح إيران، بدعم روسي وصيني، في فرض معادلة جديدة تؤسس لتراجع النفوذ الأمريكي في المنطقة، وتسريع الانتقال نحو نظام دولي متعدد الأقطاب.

5. سيناريو الانفراج التفاوضي

تُستأنف المفاوضات بصورة جدية عبر وساطات إقليمية، ويتم التوصل إلى تفاهمات أمنية وسياسية أوسع تشمل الملف النووي والملاحة البحرية والعقوبات الاقتصادية.