Menu

الدور الخفي لإبستين في الشرق الأوسط وتأثيره على القضية الفلسطينية

علي زيدان

نشر في مجلة الهدف العدد (82) (1556)

ما زالت ملفات جيفري إبستين، الذي توفي في زنزانته بظروف غامضة عام 2019، تكشف عن فضائح جديدة تُضاف إلى جرائمه البشعة المعروفة بالاعتداء على الأطفال والقاصرات، والاتجار بالجنس وتعذيب النساء. تؤكد ملايين الوثائق التي تم الإفراج عنها عام 2026، دوره كعميل لمخابرات الكيان الصهيوني، تم تدريبه بإشراف إيهود باراك رئيس الوزراء الأسبق (1999 - 2001) ووزير الدفاع السابق (2007 - 2013). لقد جرى استخدامه كأداة لتوريط النُخب من مختلف أنحاء العالم، وجمع المعلومات عنهم وتسهيل اختراقهم. لقد كانت شبكة علاقاته تضم أسماء لامعة من المليارديرات، والملوك، والقادة السياسيين، ورجال الدولة، والمشاهير، والأكاديميين، ونخب الإعلام، وكان يستقطب هذه الشخصيات إلى الحفلات الخاصة الماجنة في جزيرته الخاصة، أو في القصور الفاخرة التي كان يمتلكها في نيويورك وفلوريدا ومناطق أخرى حول العالم، أو على متن طائرته الخاصة. جميع هذه العمليات كانت موثقة وتحت السيطرة، وأصبحت الأداة القوية، أو أوراق الضغط، التي استخدمها إبستين وشركاؤه للضغط على السياسيين واستغلالهم، والتحكم بمواقفهم السياسية، وفقاً للمصلحة ومتطلبات الظروف. وهذا ما يُفسر الولاء غير المشروط لبعض السياسيين الأمريكيين، بما في ذلك الرئيس وغيره، ومن الأوروبيين والعرب للكيان الصهيوني، على الأقل فيما يتعلق بالقضية الفلسطينية، وفي الحرب على غزة بشكل خاص، بالرغم من المظاهرات والاحتجاجات الشعبية المؤيدة للفلسطينيين في تلك الدول. لقد كانت المنطقة العربية دائماً في صلب اهتمامات إبستين وشركاؤه، وكان يتردد على بعض الدول العربية، خصوصاً الإمارات العربية المتحدة و قطر والسعودية باستمرار، بينما كانت عينه على القضية الفلسطينية. استطاع إبستين أن يُنشئ شبكة علاقات قوية في المنطقة، وأن يُحقق اختراقا قوياً من خلال القوة الناعمة التي استخدمها، ما أدى إلى حدوث تحولات جيوسياسية كُبرى، هدفها الرئيس هو حماية الكيان الصهيوني وتهميش القضية الفلسطينية. ويُمكن القول: إن أبرز هذه التحولات شملت انقسامات وصراعات داخلية بين الدول العربية، وتغييرات استراتيجية، وتوقيع إتفاقيات سلام، وتطبيع علاقات بين الكيان الصهيوني وبعض الدول العربية، بما في ذلك منظمة التحرير الفلسطينية، ما أدى إلى تراجع القضية الفلسطينية وبرنامجها الوطني. ربما، لم يصنع إبستين اتفاقيات السلام المزعوم أو التطبيع مع الكيان الصهيوني بيده، لكنه من دون شك، ساهم بفعالية في توفير الأرضية الملائمة لها. فقد أدار شبكة قوية من العلاقات العامة والبنى التحتية، البشرية والتقنية، التي جعلت اتفاقيات مثل اتفاق أوسلو عام 1993، والاتفاقيات الإبراهيمية في عام 2020 ممكنة وقابلة للتوقيع. لقد أدى إبستين دوره كمهندس الظل الذي مهد لهذه التحولات. واستطاع مع شركائه، ومن خلال عمل استخباراتي طويل، ربط المصالح الأمنية الصهيونية مع شراكات استثمارية وأمنية تحولت فيما بعد إلى علاقات سياسية، خصوصاً مع بعض دول الخليج. وقام مع شريكه إيهود باراك، بالتسويق لتقنيات المراقبة والذكاء الاصطناعي الصهيونية في دول الخليج عبر شركات كان يُديرها ضباط سابقون في الاستخبارات الصهيونية، وذلك قبل سنوات من التطبيع الرسمي مع تلك الدول. لقد تبين أن هنالك أسماء كثيرة كانت على علاقة وثيقة مع إبستين، واستفادت من خدمات متبادلة معه. بعض هذه الأسماء كان لها الدور البارز في رسم سياسات الشرق الأوسط ومصير القضية الفلسطينية، والتحولات الجيوسياسية في المنطقة. لقد شكلت هذه الأسماء جزءاً أساسياً من شبكة البنى التحتية البشرية التي استخدمها إبستين في تنفيذ سياساته الناعمة، وأدت إلى التطبيع بين بعض الدول العربية والكيان الصهيوني. ضمت هذه الشخصيات أسماء نافذة ساعدت على تنفيذ مخططاته. من بين أبرز الأسماء:

سلطان أحمد بن سليم، الرئيس التنفيذي السابق لـمجموعة موانئ دبي العالمية، وأحد أبرز المقربين من الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم، حاكم دبي ورئيس وزراء دولة الإمارات العربية المتحدة. رتب له إبستين عدة لقاءات سرية مع إيهود باراك في نيويورك منذ عام 2013 لمناقشة استثمارات في شركات صهيونية، وبناء جسور غير رسمية. وقابل باراك في تل أبيب عام 2018 خلال زيارة لعلاج ابنته. وعرّفه أيضاً على شخصيات مؤثرة كان لها دور في الترويج للتطبيع مثل ستيف بانون، المستشار السابق لترامب؛ وبيتر ماندلسون، العضو السابق في مجلس اللوردات البريطاني.

حمد بن جاسم بن جبر آل ثاني، رئيس الوزراء القطري (2007 - 2013) ووزير الخارجية الأسبق (1992 - 2013). قام إبستين بترتيب لقاءات سرية له مع إيهود باراك في عام 2018؛ وكان يُقدم له نصائح سياسية تتعلق بعلاقات قطر مع واشنطن. أدى الشيخ حمد دوراً خطيراً فيما سمي بالربيع العربي، خاصة في ليبيا وسوريا. وكان من أبرز المؤيدين لتطبيع العلاقات مع الكيان الصهيوني، وكان أول من بدأ العلاقات التجارية مع الكيان الصهيوني عام 1996 من خلال مكتب التعاون في الدوحة، وتزويد الكيان الصهيوني بالغاز بأسعار رمزية. وهوـ، أيضاً، أول من روج لفكرة مبادلة الأراضي بين الكيان الصهيوني والفلسطينيين عام 2013 بدلاً من التمسك بحدود عام 1967.

أحمد أبو الغيط، وزير الخارجية المصري الأسبق والأمين العام السابق لجامعة الدول العربية (2016 - 2026). تعود علاقته مع إبستين إلى عام 2010. استغله إبستين للتغلغل في الدوائر الدبلوماسية العربية الرفيعة، وبناء نفوذه السياسي. شارك أبو الغيط بفعالية في أنشطة معهد السلام الدولي، التي كان يمولها إبستين، باعتباره شخصية محورية ورجل دولة عالمي. وتجدر الإشارة إلى أن الجامعة العربية مرت بأسوأ مراحلها خلال فترة رئاسته. ودوره معروف أبان الحروب المتلاحقة على قطاع غزة، وتفكك الدول العربية.

وهنالك شخصيات عربية أخرى كثيرة كانت جزءاً من الشبكة التي استخدمها إبستين في تنفيذ مشاريعه ومخططاته، وردت أسماؤها في سياقات مختلفة، من التوقيع على اتفاقيات التطبيع والاتفاقيات الإبراهيمية (التي اعتبرها الرئيس الأمريكي إنجازاً تاريخياً)، إلى العلاقات التجارية وصفقات الأسلحة. من أهم الأسماء: محمد بن سلمان قبل أن يصبح ولي العهد السعودي في عام 2017؛ وعبدالله بن زايد، وزير خارجية الإمارات العربية المتحدة، الذي وقع على معاهدات الصلح والتعاون الأمني مع الكيان الصهيوني، ووقع على الاتفاقيات الإبراهيمية؛ ورجل الأعمال الإماراتي محمد العبار؛ وتاجر الأسلحة السعودي عدنان خاشقجي، الذي نسق مع إبستين ومسؤولين أمريكيين وصهاينة خلال قضية إيران- كونترا بين عامي 1981 و1986؛ ووزير الاستثمار السعودي خالد الفالح؛ ورجل الأعمال اليمني شاهر عبد الحق. لقد قام المجرم إبستين بالشراكة مع مجرم الحرب إيهود باراك، وبشراكة مباشرة وغير مباشرة من شخصيات عربية وأجنبية بالعمل على عدة مبادرات إستراتيجية هدفها الأول دمج الكيان الصهيوني في المنطقة، وفصل المسارات، والترويج لتفاهمات واتفاقيات سلام قائمة على المصالح المشتركة. وتشير الملفات إلى عدد من الشخصيات العالمية النافذة والتي كان لها الدور السيئ تجاه المنطقة العربية عموماً والقضية الفلسطينية خصوصاً، مثل الديبلوماسي النرويجي تيري رود لارسن (رئيس معهد السلام الدولي) وزوجته منى جوول سفيرة النروج في الأردن؛ والسياسي الأمريكي جورج ميتشل الزعيم السابق للأغلبية في مجلس الشيوخ؛ وتوماس براك سفير الولايات المتحدة في تركيا، ومبعوث الرئيس ترامب في سوريا ولبنان، وكان له دور رئيس في صياغة السياسة الخارجية تجاه الشرق الأوسط، وفي التمهيد للاتفاقيات الإبراهيمية؛ وطوني بلير رئيس الحكومة البريطانية (1997 - 2007)؛ وبيتر ماندلسون، وزير وسفير سابق بريطاني، ورئيس الوزراء النرويجي السابق ثوربيورن ياغلاند، وغيرهم. ويُمكن تلخيص أهم تلك المبادرات التي كان لها الدور المشؤوم في تغيير المنطقة العربية كما يلي:

مبادرة الاستثمار التكنولوجي الأمني. وتعد هذه من أخطر المبادرات التي مهدت لقيام علاقات أمنية وسياسية مع بعض الدول العربية بعيداً عن الأضواء الدبلوماسية. قام إبستين بالتنسيق مع إيهود باراك بالترويج لشركة كارباين للصناعات الأمنية التي أسسها باراك، وأقناع دولة الإمارات للاستثمار فيها واستخدام تقنيات المراقبة والذكاء الاصطناعي كأداة لتعزيز الاستقرار الداخلي، وبناء مصالح أمنية مشتركة، وبناء جسور أمنية وتقنية غير رسمية باستخدام الخبرة الصهيونية، مما خلق مصالح أمنية مشتركة.

منتدى صير بني ياس عام 2010 في دولة الإمارات العربية المتحدة. يُنظم هذا المنتدى بالتعاون مع معهد السلام الدولي الذي كان يديره تيري رود لارسن. استخدم إبستين المنتدى كقناة خلفية لعقد لقاءات بين شخصيات صهيونية ووزراء خارجية عرب وشخصيات أخرى مثل أحمد أبو الغيط وعمرو موسى وحمد بن جاسم وغيرهم. أصبح هذا المنتدى منصة للتطبيع الناعم، وشكل الركن الأساسي الذي انطلقت منه الاتفاقات الإبراهيمية. وينبغي الإشارة إلى أن إبستين كان يمول تكاليف سفر وإقامة بعض الشخصيات المشاركة، وبتسهيل من لارسن. من هذا المنطلق يمكن فهم جذور التحولات الكبرى في سياسة الإمارات، وتحالفها مع الكيان الصهيوني أبان حرب الإبادة في غزة وأماكن أخرى في العالم العربي، وتقديم تسهيلات أمنية وعسكرية للكيان الصهيوني على أرض الصومال الانفصالية.

مبادرة تطبيع الأزمات، خصوصاً خلال الأزمة بين قطر والسعودية والإمارات عام 2017. حاول إبستين العمل مع مسؤولين قطريين، مثل رجل الأعمال جبر بن يوسف بن جاسم آل ثاني، لإنهاء الحصار، مقترحاً أن الطريق السريع يمر عبر التطبيع مع الكيان الصهيوني، الذي يُعتبر خطوة ضرورية لكسب تأييد ترامب والتخلص من الحصار الخليجي. حاول إبستين أيضاً ترتيب لقاءات لقطريين مع قادة المنظمات الصهيونية في أمريكا ومع مسؤولين صهاينة سابقين، مستخدماً معهد السلام الدولي كغطاء أكاديمي لهذه التحركات.

توفير الدعم المالي لبعض المؤسسات التي تسعى لتقريب وجهات النظر بين الكيان الصهيوني والعرب بشكل عام والفلسطينيين بشكل خاص، أو من خلال شخصيات دولية وسيطة في عملية السلام كانت لها علاقات مالية مع إبستين أو مرتبطة بعلاقات عمل معه، مثل مؤسسة بذور السلام التي تنظم مخيمات صيفية تجمع بين شباب فلسطينيين وصهاينة بهدف بناء السلام.

التمويل المباشر لمنظمات صهيونية واستيطانية. كان إبستين مساهماً مالياً في مؤسسات مرتبطة بشكل مباشر بالمنظومة العسكرية والسياسية الصهيونية، مثل جمعية أصدقاء الجيش، التي توفر الدعم اللوجستي والرفاهية لجنود الاحتلال؛ والصندوق القومي اليهودي، الذي يلعب دوراً محورياً في تمويل الأنشطة الاستيطانية في الضفة الغربية و القدس .

العمل على إضعاف المقاومة عبر التطبيع الناعم. ساهم إبستين وشركاؤه في تمويل مراكز الأبحاث التي بدأت بالترويج لمفهوم السلام مقابل المصالح بدلاً من السلام مقابل الأرض. وساهم أيضاً بتوفير بيئة سياسية وإعلامية مؤاتية للتطبيع، ما أدى إلى عزلة المقاومة الفلسطينية. والترويج أيضاً للتحالفات الجديدة في المنطقة بين الكيان الصهيوني وبعض الدول العربية التي كانت هي المحرك الفعلي للاتفاقيات الإبراهيمية التي تجاهلت الحقوق الوطنية للفلسطينيين.

معهد السلام الدولي (IPI) ومقره في نيويورك. إبستين كان من كبار ممولي المعهد، واستخدمه كقناة رئيسة لتمرير الأجندات السياسية ومحاولات التطبيع غير الرسمي، وضرورة التقارب مع الكيان الصهيوني. ارتبط المعهد بعلاقات وثيقة مع جامعة الدول العربية وكبار الدبلوماسيين العرب. كان الديبلوماسي النرويجي تيري رود لارسن، مدير المعهد، وزوجته مونا جوول على علاقة وثيقة جداً مع إبستين. والجدير ذكره أن لارسن وزوجته هما من أبرز مهندسي إتفاق أوسلو المشؤوم (1993). تحقق الشرطة النرويجية حالياً مع لارسن وزوجته حول اتهامات بالفساد والتواطؤ، والحصول على صفقات بضغط من إبستين.

لقد كشفت الملفات أيضاً عن الدور السيئ للنرويج كوسيط محايد في مفاوضات أوسلو. ويُعزى الأمر في ذلك إلى الدور الذي قام به إبستين بالتعاون مع تيري رود لارسن وإيهود باراك. هذا التعاون أدى إلى إخفاء الوثائق الرئيسة لاتفاقيات أوسلو من الأرشيف النرويجي. وتشير أبحاث أكاديمية نرويجية إلى أن الاتفاقيات كانت صفقة تم إبرامها لمصلحة الكيان الصهيوني، بينما الفلسطينيون لم يحصلوا إلا على الفتات. حالياً، يُطالب عدد من الشخصيات السياسية في النروج، بالتحقيق في دور النرويج في صياغة اتفاقيات أوسلو الفاشلة. وينبغي القول: إن تأثير إبستين السيئ على تفاصيل القضية الفلسطينية استمر إلى ما بعد وفاته الغامضة. فالمخططات التي رسمها مع شركائه والوثائق الموجودة بحوزة الأجهزة الأمنية الصهيونية ما زالت تشكل سيفاً مسلطاً على رقاب السياسيين النافذين والذين يؤدون دوراً مهماً في رسم سياسة الشرق الأوسط ودعم الكيان الصهيوني. لقد استخدم إبستين المال والجنس والسياسة للتحكم بالدول والحكومات والزعماء السياسيين على مستوى العالم. وهذا ما قد يفسر حقيقة الدعم الثابت للسياسة الإجرامية للكيان الصهيوني في فلسطين. لقد بينت تلك الملفات أن الشخصيات الفاسدة التي تشاركت مع إبستين واستفادت من خدماته أصبحت أدوات نافذة لخدمة مصالح الكيان الصهيوني. في جميع الأحوال، لقد سلطت الملفات المكشوفة الضوء على الفساد الذي ينخر النظام السياسي العالمي، بسبب الفضائح التي تجبر المتورطين على الامتثال لرغبات من يمتلك الأدلة على تلك الفضائح. ولا بد من القول: إن تلك الطبقة الفاسدة التي تستمتع باستغلال القاصرات وتعذيبهن لن تكترث لقتل الأطفال في غزة أو عمليات الإبادة الجماعية في غزة وجنوب لبنان.