Menu

باتاغونيا في قبضة "جوشوا": هل تُبنى "دولة الظل" الصهيونية فوق رماد الجنوب؟

نبال عمر

نشر في مجلة الهدف العدد (82) (1556)

بينما ينشغل العالم بمتابعة خرائط النزاعات التقليدية في الشرق الأوسط وأوروبا الشرقية، كانت النيران في أقصى جنوب الكرة الأرضية، وتحديداً في باتاغونيا الأرجنتينية، تلتهم أكثر من مجرد أشجار الأليرسيس المعمرة، إنها تلتهم مفهوم السيادة الوطنية لتفسح المجال أمام واحد من أخطر المشاريع الاستيطانية والجيوسياسية في القرن الحادي والعشرين. لم تعد خطة أندينيا مجرد حبر على ورق في أدبيات المؤامرة، بل تحولت في عامي 2025 و2026 إلى واقع ميداني يُكتب بالرماد، ويُسمّى بأسماء توراتية، ويُنفذ بتمويلات عابرة للقارات تقودها نخب استثمارية عالمية مرتبطة بدوائر النفوذ الصهيوني.

تبدأ القصة دائماً بحريق غامض، ففي مطلع عام 2026 شهدت مناطق لوس أليرسيس وإل بوليشون سلسلة حرائق لم تكن عفوية بشهادة خبراء البيئة، لكن الهدف لم يكن تدمير الغطاء النباتي فحسب، بل كان هدفاً قانونياً بامتياز، ففي الأرجنتين تحمي القوانين الغابات الوطنية من البيع أو الاستثمار العقاري، لكن الثغرة القاتلة تكمن في مفهوم الأرض المحروقة، إذ بمجرد تفحم الغابة تفقد صفتها كمحمية طبيعية وتصبح أرضاً ميتة قابلة للاستصلاح والاستثمار، وهذا الاستثمار هو تمهيد لما يُعرف بمشروع جوشوا، حيث كشفت التقارير الاستقصائية الأخيرة عن عمليات شراء واسعة النطاق لأراضٍ شاسعة فور انطفاء النيران، بأسعار لا تمثل عشر قيمتها الحقيقية، لصالح شركات أوف شور غامضة تنتهي خيوطها عند أقطاب الصهيونية العالمية ومليارديرات يحملون جنسيات مزدوجة.

إن اختيار اسم جوشوا أو يشوع في الفكر العبري ليس عبثاً، فهو القائد الذي خلف موسى في رحلة فتح الأرض وتأسيس الكيان، واختيار هذا الاسم لهذه المستوطنات المصغرة في قلب الأرجنتين هو إعلان عن فتح جديد في أرض جديدة تمتلك ما لا يمتلكه الشرق الأوسط وهو الماء، فباتاغونيا تضم أكبر احتياطي للمياه العذبة في العالم بفضل جبال الأنديز والمثالج القطبية، والمخطط هنا يتجاوز فكرة الوطن القومي التقليدي إلى فكرة خصخصة البقاء، حيث يهدف مشروع جوشوا لتأسيس دولة مصغرة مكتفية ذاتياً، تمتلك مدارج طائرات خاصة، وأنظمة اتصالات فضائية مستقلة، وفرق حراسة مسلحة لا تخضع لسلطة الجيش الأرجنتيني الوطني.

أمام هذه الحقائق الميدانية، لم يتأخر الرد الرسمي من جانب الاحتلال، حيث شهد مطلع عام 2026 هجوماً دبلوماسياً حاداً من السفارة الإسرائيلية في بوينس آيرس والمنظمات الصهيونية العالمية، التي وصفت هذه التقارير بأنها فرية دم ومجرد نظريات مؤامرة معادية للسامية، زاعمة أن الوجود الإسرائيلي في الجنوب يقتصر على سياح شباب يقضون إجازتهم بعد الخدمة العسكرية، في حين أصدرت منظمة مكافحة السامية تصريحات تهاجم فيها الصحفيين والقادة العسكريين الذين اتهموا أجانب بافتعال الحرائق، معتبرة أن أي حديث عن شراء أراضٍ هو محض خيال، ومع ذلك، فإن الصمت المريب لهذه الجهات عن تفاصيل مشروع جوشوا وتسميته العقدية يثير تساؤلات كبرى حول التناقض بين النفي الإعلامي والواقع الجغرافي المسور بأسوار إلكترونية.

لا يمكن لهذا المشروع أن يمر دون غطاء سياسي محلي، فمنذ وصول التيار التحرري بقيادة خافيير ميلي إلى السلطة، رفعت الحكومة شعار بيع كل شيء لسداد الديون، وتشير التقارير إلى وجود مفاوضات سرية تحت مسمى مقايضة الديون بالأرض، حيث تضغط صناديق استثمارية دولية مدعومة بنفوذ سياسي صهيوني على بوينس آيرس للتنازل عن حق السيادة على مساحات شاسعة مقابل شطب أجزاء من ديون صندوق النقد الدولي، وقد أدى ذلك إلى انفجار شعبي واسع في شوارع العاصمة ومدن الجنوب، حيث خرجت مظاهرات حاشدة في أبريل 2026 تندد ببيع الأراضي وتطالب بحماية الثروات المائية والمثالج، وضجت منصات التواصل الاجتماعي بوسم باتاغونيا ليست للبيع، وسط اتهامات صريحة للحكومة بتسهيل ما يسمونه الاحتلال الصامت.

ما يحدث في مشروع جوشوا هو نسخة مكبرة وممنهجة مما فعله الملياردير البريطاني جو لويس في بحيرة إسكونديدو، حيث حوّل مساحات شاسعة إلى إقطاعية خاصة تمنع المواطنين من الوصول للبحيرة وتدير مطاراً يستقبل طائرات ضخمة دون رقابة جمركية حقيقية، وهذا الاحتلال الخاص هو النموذج الذي يُراد تعميمه حالياً، مع إضافة طابع تنظيمي أكثر صرامة يشمل شركات أمنية خاصة مكونة من عناصر مسرحة من وحدات النخبة في جيوش أجنبية، يعملون كجيش موازٍ يمتلك تقنيات رصد عسكرية متطورة تحت غطاء حراسة الممتلكات الخاصة.

ولكل عملية احتلال عدو مُفبرك لتبريرها، حيث يتم استخدام الإعلام لتصوير السكان الأصليين من شعب المابوتشي كإرهابيين يحرقون الغابات، بينما تشير الأدلة الميدانية إلى أن المابوتشي هم أكثر من دافع عن الأرض، وقد تم استخدام فزاعة الإرهاب لتبرير المداهمات العسكرية وتفريغ القرى القريبة من أحواض المياه العذبة، إنها عملية تطهير عِرقي بيئي تتم بدم بارد وتحت غطاء قانوني مشوه يهدف لاستبدال أصحاب الأرض الأصليين بنخب عالمية تبحث عن ملاذ آمن في نهاية العالم، وإذا لم يستفق الشعب الأرجنتيني والمجتمع الدولي أمام هذه المخططات فإن الخريطة القادمة لن تحمل اسم الأرجنتين في الجنوب، بل ستحمل أسماء شركات ومستعمرات لا تعترف بسيادة، فباتاغونيا اليوم تصرخ من مرارة الخيانة بينما يتحول حلم السيادة إلى رماد يذروه الريح.

ومع تصاعد وتيرة الاستحواذ في الجنوب، يطل السؤال الأكثر إلحاحاً: هل يسعى الاحتلال من خلال مشروع جوشوا إلى تأمين مجرد استثمار اقتصادي، أم أنه يضع حجر الأساس لوطن بديل وصامت في نهاية العالم، ليكون ملاذاً لنخبته بعيداً عن نيران الشرق الأوسط، ومستودعاً لثروات البقاء التي يسرقها من تحت أقدام الأرجنتينيين؟