Menu

تتوخى الصدق في الكتابة وتدافع عن الإنسان: كوليت خوري البرجوازية الجريئة

باسمة حامد

نشر في مجلة الهدف العدد (82) (1556)

لم تكن الأديبة السورية الراحلة كوليت خوري مجرد كاتبة عادية بل علامة فارقة في المشهد الثقافي العربي، فقد تميزت ببراعتها في المزج بين الخاص والعام، وهي التي جعلت من قلمها سلاحاً يحارب تناقضات المجتمع ويتخطى قيوده ومعاييره المزدوجة بجرأة مدهشة!!

 

الإرث العائلي

لكوليت خوري بصمة خاصة في عالم الإبداع، إلّا أن هذه الخصوصية لا يمكن فهمها بمعزل عن محيطها الذي نشأت فيه، فحفيدة فارس الخوري الذي شغل منصب رئيس الوزراء في عهد الاستقلال نشأت في كنف أسرة عريقة تتعاطى مع الشأن العام، وتشجع على المعرفة والقراءة، وتتنفس الثقافة والسياسة والتاريخ، وحول تلك النشأة تقول الأديبة الراحلة الحائزة على جائزة القدس للعام 2009 في واحد من حواراتها: "نشأت في بيت عريقٍ في السياسة مفعمٍ بالأدب.. يؤمن بالحوار والمناقشة والحجّة والإقناع.. ويعتبر الصراخ ضعفاً وقلّة تهذيب".

 

الثقافة العالية

ومن هذه الخلفية انطلقت إلى عالم الكتابة في سن مبكرة مستقلة برأيها ومتسلحة بوعي سياسي قومي كبير وبفكر حرّ غير مؤدلج، إذ أن كتاباتها تهتم بقضايا الناس اليومية وتنشغل بالهم العام وتسعى نحو مجتمع أفضل، والكتابة بالنسبة لها –كما تقول- هي: "هذا الأنا الآخر... الأنا الحيّ الذي لا أستطيع الانفصال عنه .. هي صديقتي القويّة التي تؤنسني لحظات الوحدة، وتشدّ أزري فترات الشدّة، وتعمّر لي عالماً دافئًا أيّام الغربة.. الكتابة توأمتي النابضة... فإذا ما تخليت عنها يوماً... انتهيت!"

وما يلفت الانتباه في تجربتها الإبداعية أن نشأتها الأرستقراطية لم تمنعها من الاحتكاك المباشر بالمجتمع والخروج من قوقعة النخبة، فهي لم تكن من نوع الأدباء البرجوازيين الذي يخاطبون جمهورهم من برجهم العاجي، حيث أنها صقلت تجربتها بدراسة الحقوق والأدب الفرنسي وكذلك بالتدريس الأكاديمي في كلية الآداب بجامعة دمشق، ونجحت بالتعبير عن أفكارها بلغات ثلاث: العربية والفرنسية والإنكليزية متنقلة ببراعة بين الصحافة والأدب ومنفتحة على الثقافات العالمية، ومن أبرز محطاتها الصحفية مجلة (المضحك المبكي)، بالإضافة إلى الرواية والشعر والمسرح.

 

الوضوح والصدق

من الممكن القول أن كوليت خوري تنتمي إلى مدرسة السهل الممتنع في الكتابة، فلغتها الأدبية تتسم بالوضوح والبساطة والسلاسة والوجدانية الشديدة بالإضافة إلى جمال التعبير والغوص عميقاً في طرح التفاصيل وإثارة الأسئلة، ومن أولى رواياتها (أيام معه) نقرأ مثلاً: "أنا طبيعة بشرية تتأثر، وتغضب وتثور وتحقد ثم تفرغ عصارة حقدها في كلمات جارحة وترتاح من كابوس يرهق أعماقها"، ونقرأ أيضاً: "أتحمل سير الحياة بصورة طواعية دون رأي دون عمل، دون انفعال.. أصبحت أعيش على هامش الحياة".

ومن الملاحظ أن الأديبة الراحلة لم تحظَ بمواكبة نقدية لأعمالها، لكنها بالتأكيد حظيت بتكريم لافت من القارئ العربي على امتداد الساحة العربية حيث أن كتبها مقروءة وبشكل كبير وتُطبع بعدة طبعات، فأسلوبها الإبداعي في طرح المواضيع جعلها قريبة إلى المتلقي، ولذلك وصلت إلى شرائح مختلفة من الجمهور العربي خصوصاً الأجيال الجديدة التي تعرّفت إليها خلال مسيرتها المهنية وعملها لسنوات عديدة في التدريس الأكاديمي في جامعة دمشق.

ولعل أكثر ما ميّزها عن الكاتبات الأخريات - فضلاً عن التنوع الإبداعي- صراحتها وجرأتها في التعبير عن قناعاتها، ولذلك جاء أسلوبها في الكتابة مشاكساً وشفافاً.. صادقاً ومباشراً وصادماً أحياناً! وهو ما أثار الجدل حولها دائماً، فمثلاً في روايتها الشهيرة (ومرّ صيف) انتقدت الزيف الاجتماعي دون اكتراث فكتبت: "ما أقبح المجتمع الذي لا يحب الصراحة! المجتمع الذي يؤثر الدعارة في الخفاء على الابتسامة الطاهرة علناً!".

 

صوت النساء

عُرفت كوليت خوري بانحيازها للإنسان أولاً، غير أن النساء كُنَّ هاجسها الأهم، ولقد تمحورت كتاباتها عن المرأة فلامست قضاياها ودافعت عن حقها في الحب والاختيار والتعبير عن مشاعرها دون وصاية أو خوف أو خجل أو مواربة، وغاصت عميقاً في عوالمها بتفاصيله النفسية وأوجاعه وأحلامه ورغباته المكبوتة متخطية قيود المجتمع العربي المحافظ ومعاييره المزدوجة بجرأة لافتة سبقت عصرها، فهي تعتبر ذاتها إنسانة قبل أن تكون أنثى كما ورد في روايتها الشهيرة (أيام معه): "أنا لست أنثى, أنا إنسانة صديقة تريد المشاركة, المشاركة في كل شيء, وإلّا فلا أريد شيئاً على الإطلاق!".

في هذا الإطار - وفي زمن كان فيه حديث المرأة عن مواضيع التحرر والاستقلالية والخيانة يُعتبر تجاوزاً للخطوط الحمراء- كتبت في روايتها الأولى: "إذا كان الشوق مرضاً فأنا في حالة خطرة، وإذا اعتبرناه عذاباً فأنا في أعماق جهنم، وأمّا إذا كان أملاً فقد عشتُ لهذا الأمل"!.

 

جرأة أثّرت في مسار الكتابة النسوية

لا شك أن جرأة كوليت خوري في كتاباتها أثّر في مسار الكتابة الإبداعية النسوية باعتبارها فتحت الباب على مصراعيه أمام الكاتبات الأخريات للتعبير عن أفكارهن بحرية أكبر.. فالكاتبة الراحلة كسرت أحد أكبر التابوهات الاجتماعية بحديثها العلني عن الحب والقوة ومواجهة التقاليد المجتمعية وتحمّل المسؤولية، الأمر الذي جعلها عرضة لهجوم نقدي واجتماعي شرس آنذاك، خصوصاً وأنها كانت قد استلهمت روايتها الأولى (أيام معه) الصادرة عام 1959 من حكاية حب حقيقية لم تُكلّل بالزواج جمعتها مع الشاعر الراحل نزار قباني، ومما جاء فيها: "يجب أن تعلمي أنك لن تجدي صديقا لك أحسن من نفسك، القوة الكامنة في أعماقك أوجديها، لا تنتظري أن يساعدك أحد في حل مشاكلك، لأن الناس عند الحاجة يتبخرون والأصدقاء يختفون، كل واحد منا أناني يركض وراء غاياته ولن يفيدك أحد .. السعادة والراحة في نفسك وعندما تتفقين ونفسك تصبحين قوية".

 

الرحلة باختصار..

رحلت كوليت خوري عن عالمنا في العاشر من شهر نيسان الماضي عن عمر ناهز 95 عاماً تاركة إرثاً إبداعياً مهماً تجاوز الثلاثين كتاباً تنوعت بين نصوص ذاتية وأخرى تنشغل بالهم العام منها: (أيام معه، رعشة، ليلة واحدة، أنا والمدى، دمشق بيتي الكبير، كيان، المرحلة المرة، دعوة إلى القنيطرة، الأيام المضيئة، أيام مع الأيام، ستلمس أصابعي الشمس، عبق المواعيد، الكلمة الأنثى، ذكريات المستقبل، في الزوايا حكايا، امرأة، أوراق فارس الخوري..)، ومن مؤلفاتها المهمة أيضاً كتاب (سنوات الحب والحرب) الذي ضم مجموعة من المقالات والقصص ما بين عام 1973 وعام 1979 وأرخت بين دفتيه لحرب تشرين التحريرية.

وبرحيلها فقدت الساحة الثقافية والإبداعية واحدة من أجرأ الأصوات النسائية العربية وأكثرها تميزاً باعتبارها حالة إبداعية وإنسانية متفردة.. لكن كتاباتها ستظل مادة خصبة وملهمة للباحثين والنقاد والمؤرخين والمهتمين في دراسة علاقة الأدب بالحياة.