من اليسير، وربما الممتع، ترداد ألف شعار عن المقاومة والصمود والانتماء للوطن والقضية. وفي ميادين الخيال، يسهل صكّ خطبة عن اقتلاع عمود الخيمة وامتشاقه سلاحًا يهوي على ميركافا 4 فيحطمها، في محاولة أخرى لإخفاء عجز وفشل طال كثيرًا، ولم يعد أمامه إلا استهلاك واجترار كل مقولة عن الصمود وردت في قاموس وتاريخ شعبنا، بتكرار لا معنى له.
ولكن الواقع يقول إن عمود الخيمة هذا يحمل شادرًا ممزقًا يظلّل أطفالنا المحشورين بين القوارض، وضعف التغذية، والبرد، والمرض. والحقيقة أننا أمام ركام هائل وحطام خلّفته واحدة من أبشع مراحل الإبادة التي مرّ بها شعبنا. والحقيقة الأكثر قسوة أن هذه الإبادة لم تتوقف بعد، وأن كل دعاوى الاستسلام، أو التوسل، أو الخضوع، لن توقفها، وأن أي مراجعات تقوم على لوم الذات ولوم الضحايا هي محض تغذية لآلة الإبادة الرهيبة بوقود من دمنا.
"صنعة الإبادة" لم يخلقها العدو الصهيوني، وبالتأكيد لم يبدأ بها في هذه المرحلة من تاريخنا، ولكنه ورثها وحملها كمندوب عن المنظومة الاستعمارية التي أبادت بالفعل عشرات الملايين حول العالم. أو لنقل إن المشروع الصهيوني، الذي صُمّم كقاعدة حربية وذراع ضاربة في قلب المنطقة، جاءت مهمته محمولة بهاجس أساسي، وهو وجودنا في قلب قاعدته الحربية ومحيطها وعلى تخومها، فواصل القيام بالتنظيف والتطهير وإزالة "التهديد".
يمكننا أن نستدعي 7 أكتوبر/تشرين الأول 2023 كل يوم إلى منصات الجدل، وأن نواصل الدوران حوله في نقاشات طويلة لا تنتهي ولا تغيّر شيئًا في واقعنا. وهذا الانشغال العقيم أسوأ ألف مرة من الخطابات التي تطالب عمود الخيمة، والأطفال القابعين فيها، بأن يشقّ فولاذ الميركافا 4، ويسقط إف-16، ويردع أساطيل العدوان، فيما يواصل أصحابها رياضة دحرجة "الريلز" على شاشات هواتفهم.
المقاومة والصمود أشياء لا تنتجها الخطب، أو تنبت على جذوع الأشجار بمجرد ذكرها وتردادها، وإنما تأتي من وعي عميق واستعداد صادق للفداء، والتعالي على الذات ونكرانها لمصلحة المجموع. وكذلك فإن المراجعات النقدية الحقيقية للمسارات الاجتماعية والسياسية تتطلب استعدادًا شجاعًا لتحمل الواجبات في مواجهة التحديات القائمة.
وقد يكون هناك متسع لكل هذه الخطابة في ظرف آخر وزمن آخر، ولكن ما يجري في وضعنا الحالي أن الأطفال في الخيمة مهددون بالقصف والتشرّد مجددًا، وأن حمايتهم والحفاظ على وجودهم أهم من كل هذا الجدل. بل إن الأطفال في البيت الجميل المبني بالحجر، في قرية صفا والمغير وغيرها، هم أيضًا، وللأسف، مهددون بالمصير ذاته في كل لحظة، ودون أدنى مقاومة.
المعادلة الحالية في فلسطين هي أن منظومة الإبادة والتهجير تجرف وجودنا فعليًا: بالقاذفات والدبابات في غزة، وبالجرافات وبنادق المستوطنين وغزواتهم الليلية في الضفة، وبمشـانق إيتمار بن غفير التي تنتظر أسرانا.
وفي مثل هذا الموقف، فإن الواجب تجاه ذاتنا، وشعبنا، وقضيتنا، وقبل كل ذلك تجاه ملايين من أطفال فلسطين، أن نقوم بكل ما نستطيع دفاعًا عن وجودهم. وهذا الدفاع بالتأكيد لن يكون بترديد دعاية من يستهدفهم ويستهدفنا بالإبادة منذ ما قبل عام 1948.
ما سمح للفلسطينيين بالبقاء بعد نكبة عام 1948، ومنع العدو من إفناء وجودهم، هو قرارهم بأن يبقوا شعبًا، لا أفرادًا وجماعات هاربة من الموت، هائمة على وجوهها.
وما جعل للمخيم معناه هو قرار أهله بالتضامن والتكاتف، وقرار كل فلسطيني بأن يكون جزءًا من هذا الوجود الجماعي، لا ذاتًا فردية ترتجف أمام هول الإبادة.
وفي كل مرحلة من المواجهة بين شعب فلسطين والعدو الصهيوني، كانت قدرة شعبنا على توزيع أعباء المواجهة، وأيضًا توسيع نطاق الاشتباك وإرباك العدو وتشتيته، أداة رئيسية من أدوات منع استكمال عشرات مشاريع الإبادة والتهجير التي أطلقها الصهاينة.
منظومة الإبادة والتطهير تعلمت الكثير من مواجهتنا، وتطورت. وفي جولتها الحالية لإبادتنا، تستدعي طاقات هائلة ووحشية غير مسبوقة. لكننا أيضًا لم نعد لاجئي عام 1948 الذين طالما وجّهنا لهم اللوم على ترك قراهم والإذعان للتهجير.
وإذ نعيش اليوم ظرفهم ذاته، يجب أن نتذكر أننا نختزن من القدرات والتجارب النضالية والوعي بأدوات الإبادة والتهجير الكثير مما لم يكن أهلنا قد خبروه إبان نكبتنا الكبرى.
إن كل التضامن الجاري حول العالم لن يسعفنا ما لم نلتصق بالهمّ الجمعي المشترك، ونلتزم حقًا بواجب الدفاع عن وجودنا.
إن السؤال الذي يصفع كل سياسي ومشتغل بالشأن العام هو عن دوره في أن نحافظ على كوننا شعبًا، ونسيجًا حيًا يرفض الموت والإبادة والتهجير، ويعمل بشكل موحّد دفاعًا عن وجودنا جميعًا.
إنه سؤال الواجب الذي يداهمنا جميعًا، ويحاصر كل أم حين تنظر في عيون أطفالها، حول ما فعلته حقًا لأجلهم: ليس الطعام أو البيت أو الرصيد البنكي المتآكل بفعل الغلاء، وإنما ما فعلته لأجل منع دخول المستوطن إلى غرف نومهم، ولأجل منع قتل واستباحة كل طفل من شعبهم. هذا هو سبيلنا لإيقاف الإبادة، أو على الأقل لكي لا نسهم في وقوعها.

