الإيباك الذراع الإسرائيلية في أمريكا والتي تنشط هناك منذ عشرات السنين ولها تأثير كبير على صناع القرار بدءاً من مؤسسة الرئاسة إلى الكونغرس ومجلس الشيوخ وصولاً إلى المؤسسات العسكرية والأمنية والاقتصادية والإعلامية، لكن في الفترة الأخيرة ظهر جدل داخل هذه المؤسسات حول دورها وتدخلها.
تشهد الساحة السياسية والشعبية الأمريكية تحولات كبيرة خاصة بعد الحرب على غزة وانكشاف الوجه العنصري لإسرائيل، فالتحركات الشعبية الأمريكية المتصاعدة ضد إسرائيل ترافقت بتحركات من شخصيات سياسية وثقافية وإعلامية وازنة، وكان السؤال المركزي الذي يطرح إلى متى نستمر بدعم إسرائيل من دون حدود وما هي الجدوى من ذلك؟
حيث كشف مؤخراً عن مشروع قرار داخل اللجنة الوطنية الديمقراطية في الولايات المتحدة وأدى إلى تصاعد التوتر داخل الحزب الديموقراطي، بعد طرح مقترح يرفض التمويل الضخم الذي تضخه لجنة الشؤون العامة الأمريكية الإسرائيلية "إيباك" في الانتخابات التمهيدية.
ويقود المبادرة عضو شاب في اللجنة من ولاية فلوريدا، في خطوة رمزية لكنها تحمل أبعاداً سياسية عميقة، إذ تضع قيادات الحزب أمام اختبار مباشر بشأن علاقتها باللوبي المؤيد لإسرائيل وتأثيره على مسار الانتخابات.
وتشير المعطيات إلى أن القرار، المقرر مناقشته خلال اجتماع اللجنة في أبريل، يستهدف الحد من النفوذ المالي المتزايد لـ "إيباك"، والذي بات يُنظر إليه داخل أوساط الحزب الديمقراطي على أنه عامل مؤثر في توجيه نتائج الانتخابات التمهيدية.
تؤكد الوقائع أن "إيباك" كثّفت تدخلها في الانتخابات الداخلية للحزب الديمقراطي من خلال أذرعها السياسية، وعلى رأسها لجنة العمل السياسي “مشروع الديمقراطية المتحدة”، التي ضخت عشرات ملايين الدولارات لدعم مرشحين مؤيدين لإسرائيل.
وأظهرت انتخابات ولاية إلينوي الأخيرة حجم هذا التأثير، حيث أنفقت المجموعة ما لا يقل عن 22 مليون دولار، وأسهمت في فوز مرشحين مدعومين منها في عدد من السباقات الحاسمة.
ويرى منتقدون أن هذا الإنفاق الضخم يهدد مبدأ التمثيل الشعبي، ويمنح جهات خارجية تأثيراً غير متناسب على خيارات الناخبين داخل الحزب.
غضب داخلي متصاعد داخل الحزب الديمقراطي
تعكس المبادرة حالة استياء متزايدة داخل القاعدة الديمقراطية، خاصة في ظل تحولات في الرأي العام باتت أكثر تعاطفاً مع الشعب الفلسطيني وأقل دعماً للسياسات الإسرائيلية.
وتؤكد أليسون مينرلي راعية القرار، (أن الخطوة تهدف إلى إعادة ثقة الناخبين الذين يشعرون أن الحزب لا يعكس مواقفهم، خصوصاً فيما يتعلق بالحرب في غزة والسياسة الخارجية).
وتشير إلى (أن الابتعاد عن تأثير “إيباك” قد يشكل خطوة نحو استعادة هؤلاء الناخبين، في ظل شعور متزايد بالتهميش داخل الحزب).
يأتي هذا القرار بعد محاولة سابقة قادتها مينرلي لفرض حظر على توريد الأسلحة إلى إسرائيل، والتي رُفضت رغم إثارتها جدلاً واسعاً داخل الحزب.
وقد انتهت تلك المحاولة بتشكيل فريق عمل لم يُصدر نتائج حتى الآن، ما دفع منتقدون لاعتباره مجرد وسيلة لتأجيل النقاش بدل حسمه.
وتشير التطورات الحالية إلى عودة الملف بقوة إلى الواجهة، لكن في سياق أكثر حساسية يتعلق مباشرة بالتمويل السياسي.
انقسام داخل الحزب الديمقراطي
يفتح القرار باب مواجهة داخلية بين تيارين: أحدهما يدعو إلى تقليص نفوذ اللوبيات والمال السياسي، والآخر يفضل تجنب الصدام مع “إيباك” نظراً لحساسيات سياسية وانتخابية.
وحذر بعض قادة الحزب الديمقراطي من أن طرح هذا الملف قد يؤدي إلى انقسامات أعمق داخل الحزب، خاصة مع اقتراب الاستحقاقات الانتخابية.
في المقابل، يرى داعمو القرار أن تجاهل القضية لم يعد ممكناً، في ظل تزايد الانتقادات بشأن تأثير المال السياسي على الديمقراطية الداخلية.
أما المؤيدون لـ "إيباك" فقد اعتبروا أن الهجوم عليها يتجاوز النقد السياسي إلى استهداف الدعم لإسرائيل داخل الحزب.
في المقابل، أكد محللون أن الانتقادات تركز على أساليب التمويل والتأثير، وليس على البعد الديني أو الهوياتي كما يُروَّج.
ومع اقتراب موعد مناقشة مشروع القرار، يبدو أن الحزب الديمقراطي يواجه اختباراً حقيقياً بين الاستجابة لضغوط قاعدته الشعبية، أو الاستمرار في تجنب مواجهة نفوذ متجذر داخل منظومته السياسية.
صفعات متتالية لإسرائيل
بعد انتخاب الشاب من الأصول الإسلامية زهران ممداني والذي لم يخفِ انتقاده العلني لإسرائيل وحربها على غزة، حيث شكل فوزه في الانتخابات صفعة لإسرائيل ولمنظمة الإيباك التي ساندت بكل قوة منافسه يقول الكاتب عبد الجواد عمر (إن انتصار ممداني على شخصية بحجم أندرو كومو المدعوم إسرائيلياً يشكل منعطفاً تاريخياً ل فلسطين في السياسة الأمريكية، فهذا الفوز يعكس التململ المتزايد من دور إسرائيل في الحياة الأمريكية).
أما تاكر كارلسون المذيع الأشهر والأكثر نفوذاً في الإعلام الأمريكي والرجل الذي كان يوماً من أكبر الداعمين للكيان الصهيوني فقد انتقد السياسات الإسرائيلية في غزة ولبنان (ووصف بعض الداعمين لها في السياسة الأمريكية بالخونة لمصالح بلادهم).
من جهتها الإعلامية الأمريكية الشهيرة آنا كاسباريان قالت في تصريحات صحفية (إن الحكومة الإسرائيلية تمارس سيطرة كاملة على الإدارة الأمريكية).
من جهة أخرى أظهر استطلاع حديث للرأي العام الأمريكي تحولًا غير مسبوق في مواقفه اتجاه "إسرائيل"، حيث باتت النظرة السلبية هي الغالبة لأول مرة منذ سنوات. حيث قال نحو 60% من الأميركيين المشاركين بالاستطلاع الصادر عن مركز "بيو" للأبحاث: إن لديهم نظرة سلبية تجاه "إسرائيل"، بزيادة قدرها 20% عن استطلاع سابق أجري عام 2022، فيما عبر 37% فقط عن نظرة إيجابية اتجاهها.
وأشارت نتائج الاستطلاع إلى أن الغالبية في كلا الحزبين السياسيين، الجمهوري والديمقراطي، خاصة من هم دون سن الخمسين، باتوا ينظرون بشكل سلبي إلى كل من "إسرائيل" ورئيس وزرائها بنيامين نتنياهو.
إن تعالي الأصوات المؤثرة في أمريكا والمنتقدة لسياسات إسرائيل ولدعمها اللامحدود يؤكد أن هناك انزياحات داخل البنى المجتمعية في الداخل الأمريكي مما يمهد الطريق في المستقبل لتراجع تأثير اللوبي الصهيوني عبر ذراعه المسماة الإيباك.

