Menu

النكبة... لن يُقتلع الفلسطيني من روايته

مروان عبدالعال

جريدة الأخبار اللبنانية العدد رقم 5778

لا يمكن فهم النكبة بوصفها واقعةً تاريخية فحسب، بل عملية متواصلة من الاقتلاع المادي والإنكار الرمزي. فالنكبة لم تكن اقتلاع نحو 750 ألف فلسطيني من ديارهم وتدمير أكثر من 531 قرية ومدينة فقط، بل كانت تأسيساً لمنظومة كاملة من المحو: محو الإنسان من أرضه، ومحو الأرض من اسمها، ومحو الاسم من الذاكرة. لم يكن المقصود احتلال المكان فقط، بل إعادة تعريفه وإنتاجه من جديد بوصفه مكاناً بلا أصحاب، أو بلا تاريخ، أو بلا ذاكرة تستحق الاعتراف، عبر سردية استعمارية بديلة.

 

إنها النكبة بتحولاتها وتداعياتها؛ جريمة تتفاقم كلما تحوّلت من فعلٍ عابر إلى نظامٍ دائم، ومن ممارسةٍ استثنائية إلى بنية تأسيسية في الدولة الصهيونية. دولة لا تكتفي باغتصاب الأرض، بل تواصل حربها على الرواية والجسد معاً؛ تحتجز الجثامين كما احتجزت الأمكنة، وتسرق الموتى كما سرقت حياة الأسرى وأسماء الشهداء والقرى وتاريخها. هكذا يغدو التشوّه الأخلاقي مؤسسة مكتملة، وتتحوّل «المشنقة» اليوم إلى رمز احتفالي لدولة فوق فاشية، بحيث لا يعود الحديث عن قوانين الإعدام تفصيلاً طارئاً، بل تعبيراً عن منطقٍ يرى في الفلسطيني فائضَ وجودٍ يجب محوه.

 

78 عاماً على اقتلاع فلسطين وتشريد شعبها، فيما تتواصل النكبة بأشكال أكثر عنفاً ووحشية، حتى غدت مشروعاً دائماً لإلغاء الإنسان الفلسطيني، ومحو روايته، وكسر إرادته الوطنية والوجودية. «ومن ذا الذي يتذكّر ما فعلناه سنة 1948؟»، لا يبدو سؤال جدعون ليفي مجرّد استفهام أخلاقي عابر، خصوصاً وهو يُطرح عشية ذكرى النكبة. فالسؤال، في جوهره، لا يتعلّق بالماضي وحده، بل بالحاضر أيضاً: بحياة الفلسطيني وقيمة موته، ليس بفعل التذكر بل بواقع يومي مُعاش، لا بحادثة منتهية في كتب التاريخ.

 

ما الذي يحدث منذ عام 1948؟ وكيف تحوّلت النكبة من واقعة تاريخية إلى مستدامة، ومن مأساة إنسانية إلى حرب مفتوحة على السردية والذاكرة والحلم والحق؟

بعد 78 عاماً، لم تعد النكبة تُختزل في لحظة التهجير الأولى، بل أصبحت منظومة متواصلة من الاقتلاع، تطاول الفلسطيني الحي قبل الفلسطيني الميت؛ الإنسان في ذاكرته وهويته وعلاقته بذاته، والجماعة في وعيها الجمعي وإحساسها الدائم بالمنفى.

 

حرب السرديّات

إنها تبدأ من النكبة الأمّ عام 1948، وما أنجبته من نكبات فرعية وتشظيات متواصلة أعادت إنتاج المأساة الفلسطينية في مختلف أماكن الوجود الفلسطيني، داخل فلسطين التاريخية وفي المنافي والمخيمات. فالفلسطيني، أينما كان، يعيش أزمة وجود وهوية تتجاوز حدود الجغرافيا والسياسة، لأن القضية الفلسطينية لم تعد شأناً فلسطينياً فحسب، بل تحوّلت أيضاً إلى سؤال يتعلّق بطبيعة الكيان الصهيوني نفسه، وبمشروعية وجوده حاضراً ومستقبلاً.

 

ولم تبدأ النكبة يوم سقطت فلسطين، بل يوم سبق سقوطها ما يكفي من العطب كي يصبح السقوط ممكناً. فالكوارث الكبرى لا تقع فجأة، بل تصل متأخّرة إلى شكلها المرئي بعد أن تنضج طويلاً في البنية التي ستنتجها. وما جرى عام 1948 لم يكن انفجاراً مفاجئاً في التاريخ، بقدر ما كان لحظة انكشاف كبرى لخلل عربي أقدم من النكبة نفسها؛ خلل لم تصنعه الحرب وحدها، بل ما كشفته وعرّته.

أولاً، تقوم السردية المضادّة على الادّعاء بأن ما جرى كان نتيجة حرب انتهت، لا نتيجة حرب مستمرّة منذ عام 1948 حتى اليوم. وكأن النكبة حادثة مغلقة في الماضي، لا بنية مستمرة في الواقع والسياسة والوعي. بينما الحقيقة أن النكبة لم تبدأ عام 1948 ولم تنتهِ عنده، بل لا تزال مفاعيلها قائمة في التهجير والتطهير الجماعي والحصار والاستيطان وإعادة إنتاج اللجوء.

 

وثانياً، تقوم هذه السردية على تحميل الفلسطيني مسؤولية نكبته، عبر الادعاء بأنه غادر أرضه استجابة لنداءات الأنظمة العربية المهزومة، أو نتيجة ما تسميه إسرائيل بـ«حرب الاستقلال». وضمن هذا المنطق، تُقدَّم عصابات «الهاغاناه» بوصفها قوة دفاع، لا أدوات لمشروع استيطاني قائم على التطهير والاقتلاع.

 

الفلسطيني، أينما كان، يعيش أزمة وجود وهوية تتجاوز حدود الجغرافيا والسياسة، لأن القضية الفلسطينية لم تعد شأناً فلسطينياً فحسب، بل تحوّلت أيضاً إلى سؤال يتعلّق بطبيعة الكيان الصهيوني نفسه، وبمشروعية وجوده حاضراً ومستقبلاً

 

 

أمّا السردية الأكثر قسوة، فهي تلك التي تزعم أن الفلسطيني لم يُسلَب وطنه بل باعه، وأن فلسطين كانت «أرضاً للبيع». وهي رواية لم تُستخدم فقط لتبرير الجريمة، بل لتشويه الضحية أخلاقياً وتجريدها من حقها التاريخي والإنساني. وحتى إذا وُجدت حالات فردية أو معاملات محدودة، فإن ذلك لا يمكن أن يبرّر اقتلاع شعب كامل من أرضه، ولا أن يحوّل الاستعمار الاستيطاني إلى عملية «شراء» مشروعة.

في هذا السياق، قدّم المؤرخ الإسرائيلي إيلان بابيه عملاً توثيقياً بارزاً في «التطهير العرقي في فلسطين»، كشف فيه العلاقة المباشرة بين النكبة والطرد والمجازر التي استُخدمت لتهجير الفلسطينيين من أرضهم. ويخلص الكتاب إلى أن ما جرى لم يكن نتيجة عفوية للحرب، بل كان سياسة مبرمجة ومخططاً لها على أعلى المستويات السياسية والعسكرية.

 

كما تُعدّ «خربة خزعة» للكاتب الإسرائيلي يزهار سميلانسكي من أبرز الأعمال الأدبية العبرية التي تناولت، بصورة رمزية وشبه توثيقية، عمليات الطرد والتطهير التي رافقت النكبة عام 1948. فالرواية، الصادرة عام 1949، تصف اقتحام وحدة عسكرية إسرائيلية لقرية فلسطينية صغيرة وطرد سكانها تحت تهديد السلاح، وسط شعور متصاعد لدى الراوي بالذنب والانهيار الأخلاقي.

واليوم، تكشف كميات كبيرة من الوثائق والدراسات، الفلسطينية والإسرائيلية على السواء، أن القيادة الصهيونية بقيادة دافيد بن غوريون لم تتعامل مع التهجير بوصفه نتيجة جانبية للحرب فحسب، بل كجزء من تصور استراتيجي يهدف إلى خلق أغلبية يهودية عبر تفريغ مناطق واسعة من سكانها الفلسطينيين.

 

اقتلاع الفلسطيني من روايته

فالهزائم الكبرى تبدأ حين تخسر الشعوب وعيها قبل أن تخسر حدودها. عندما تضيّع البوصلة بهدف، في جوهره، تحييد مسؤولية إسرائيل عن النكبة والتهجير والاقتلاع والإبادة. ولذلك يُعاد تعريف الفلسطيني، خصوصاً في المخيمات، بوصفه «لاجئاً» مجرداً من تاريخه السياسي، وتُختزل قضيته في بعدها الإنساني أو الأمني أو الاجتماعي. والسبب في ذلك أن المدخل التاريخي والسياسي للقضية الفلسطينية يصطدم مباشرة بالسردية المضادة، لأنه يكشف أن جذر المأساة الفلسطينية يرتبط بطبيعة المشروع الصهيوني نفسه، لا بنتائج الحرب وحدها.

 

حين يُهزم الوعي، يصبح الاحتلال قادراً على إعادة كتابة الضحية بلغته هو ليعيد تشكيل الحيّز الفلسطيني فكانت اتفاقيات أوسلو ليست مجرد حدث سياسي فاشل فقط، بل مرحلة مفصلية في حرب السرديات نفسها؛ إذ أُعيد تعريف الفلسطيني من صاحب حق تاريخي إلى «طرف تفاوضي»، وبرهنت أن النكبة ليست في خسارة جغرافيا فقط، بل خسارة وعي عربي عجز عن رؤية فلسطين بوصفها قضية تحرر تاريخية، بل ملف قابل للتجزئة والتأجيل. أخطر ما فعلته أوسلو لم يكن فقط ما منحته بالتنازل عن الأرض، بل بالتنازل عن السردية الفلسطينية، أن فلسطين قضية حرّية ووجود وحق تاريخي غير قابل للمساومة.

 

عادت ملحمة غزة لتفتح السردية من جديد وتضعها في مسار التصويب القاسي والدامغ. فوسط الإبادة والنار والركام والتجويع، لم يغادر الفلسطيني أرضه، بل ظل حاضراً فيها، لا بوصفه ضحية رومانسية، بل بوصفه شاهداً تاريخياً على انهيار سردية كاملة وكشف حدودها الأخلاقية والسياسية. وما أثبتته غزة ليس بطولة فحسب، بل حقيقة سياسية وأخلاقية قاطعة: الفلسطيني لا يبيع أرضه، في غزة والضفة والنقب والجليل و القدس ، ولا يغادرها؛ يولد ويحيا ويقاتل ويُقتل ويُدفن فيها.

 

وهنا تنكشف النكبة، بعد 78 عاماً، في معناها الأكثر عرياً: لم تكن فقط ما فعله الاستعمار بفلسطين، بل أيضاً ما فعلته الأنظمة العربية بمعنى فلسطين. لم تخسر فلسطين أرضها وحدها، بل فشل النظام العربي في تحويلها إلى قضية تحرر شاملة. بين شعب يريد أن يتذكّر كي يبقى، ومشروع استعماري يريد أن يُنكر كي يكتمل، يستمر الصراع لا على الأرض وحدها، بل على معنى الحقيقة نفسها.

 

جريمة إنكار النكبة

فالإنكار ليس اختلافاً في السردية، وليس نزاعاً على تأويل التاريخ، بل إنه الوجه الآخر للجريمة نفسها. فإذا كان التهجير عنفَ الجغرافيا، فإن الإنكار عنفُ التاريخ. وإذا كان اقتلاع الفلسطيني من أرضه هو فعل النكبة الأول، فإن اقتلاعه من روايته هو فعلها المستمر.

قبل عامٍ مضى، طرح النائب أيمن عودة داخل «الكنيست» قضية تجريم إنكار النكبة، لم يكن مجرد مبادرة تشريعية رمزية، بل كان فعلاً سياسياً وأخلاقياً لتثبيت السردية الفلسطينية ورفض محو الذاكرة. أن يُطرح الاعتراف بالنكبة داخل مؤسسة قامت أصلاً على نفيها، وأن يُقابل الخطاب بالصراخ والاستهجان ووصف النكبة بـ«الخرافة»، فذلك يكشف أن الصراع لم يعد على الأرض وحدها، بل على حق الضحية في أن تروي ما حدث لها.

 

النكبة حين يقتلع الفلسطيني ليس من أرضه فقط بل من روايته أيضاً، وهذا لن يحدث، ما دامت الأرض تضيق على دم أبنائها، فإنها تقاوم وتظل أوسع من كل محاولات احتلال الذاكرة.

وما بين الدم الذي لا يجف، والحقيقة المعلّقة على عتبات قيامة لم تكتمل بعد، لن ننسى ما حدث في الـ15 من أيار 1948، لكن كيف يمكن لعالم أن يواصل العيش فوق هذه الذاكرة، وأن يتقبّل سردية المستعمر المزيفة وكأن شيئاً لم يكن؟