يمثل مفهوم فخ ثوسيديدس أحد المفاهيم التي انتقلت من حقل التاريخ الكلاسيكي إلى صلب النقاشات المعاصرة في العلاقات الدولية، خاصة مع تصاعد التنافس بين الولايات المتحدة والصين. ويقوم هذا المفهوم على فرضية مفادها أن صعود قوة دولية جديدة بوتيرة متسارعة قد يثير مخاوف القوة المهيمنة، مما يدفع العلاقات بين الطرفين نحو مزيد من التوتر واحتمال الصدام. ومع ذلك، فإن هذا التصور لا يُعد قانونًا حتميًا في العلاقات الدولية، بل إطارًا تحليليًا لفهم ديناميات النظام الدولي.
يعود أصل هذا المفهوم إلى المؤرخ الإغريقي ثوسيديدس (460–400 ق.م)، الذي وثّق أحداث الحرب البيلوبونيسية (431–404 ق.م) في كتابه "تاريخ الحرب البيلوبونيسية" . وقد سعى من خلاله إلى تحليل الأسباب العميقة التي أدت إلى اندلاع الحرب، مشيرًا إلى أن الخوف المتبادل وتغير موازين القوى بين الطرفين، إلى جانب سوء الإدراك السياسي وتراكم الشكوك، كانت عوامل حاسمة في دفع الصراع نحو الانفجار. وبذلك لم تكن الحرب نتيجة حدث منفرد، بل حصيلة مسار طويل من التوترات والتفاعلات غير المستقرة.
في الأدبيات السياسية المعاصرة، أعيد توظيف مفهوم فخ ثوسيديدس للإشارة إلى أنماط تاريخية تتكرر فيها العلاقة بين قوة صاعدة وأخرى مهيمنة. ويمكن ملاحظة ذلك في حالات متعددة، مثل التنافس بين بريطانيا وألمانيا (1898–1914م)، والذي انتهى باندلاع الحرب العالمية الأولى، وكذلك التنافس بين الولايات المتحدة والاتحاد السوفيتي خلال الحرب الباردة (1947–1991م). ومع ذلك، فإن هذه النماذج لا تثبت حتمية الصراع بقدر ما تعكس ارتفاع احتمالاته في ظل تصورات متبادلة يغلب عليها عدم الثقة.
في السياق الراهن، يُعد صعود الصين منذ عام 2008م أحد أبرز التحولات في بنية النظام الدولي، حيث انتقلت خلال فترة قصيرة من دولة نامية إلى قوة اقتصادية وتكنولوجية كبرى، تمتلك تأثيرًا واسعًا في سلاسل الإمداد العالمية، وتنافس في مجالات متقدمة مثل الذكاء الاصطناعي والاتصالات. وقد برزت شركات صينية كبرى، مثل شركة هواوي، كمنافس مباشر للشركات الأمريكية في قطاع التكنولوجيا المتقدمة.
في المقابل، تنظر الولايات المتحدة إلى هذا الصعود باعتباره تحديًا لمكانتها التقليدية في النظام الدولي. وقد تجلى ذلك بوضوح خلال إدارة الرئيس دونالد ترامب (2017–2021م)، حيث أعادت هذه الإدارة صياغة العلاقة مع الصين من منطق الانخراط الاقتصادي إلى منطق المنافسة الاستراتيجية. وشملت هذه السياسات، خصوصًا بين 2017–2018م، فرض رسوم جمركية مرتفعة وقيودًا على الشركات التكنولوجية الصينية، مما أسهم في تعميق التوتر بين الطرفين.
وفي ضوء هذا الواقع، يمكن قراءة خطاب الرئيس الصيني شي جين بينغ خلال زيارة الرئيس دونالد ترامب إلى الصين يوم الأربعاء 13 أيار/مايو 2026م، حين أشار إلى مفهوم فخ ثوسيديدس، باعتباره إطارًا تفسيريًا وهاجسًا سياسيًا في آن واحد. فمن جهة، يقدّم المفهوم تفسيرًا لطبيعة التوتر القائم بين الطرفين، ومن جهة أخرى يحمل رسالة سياسية مفادها أن صعود الصين لا ينبغي أن يُفهم تلقائيًا باعتباره تهديدًا يؤدي إلى صدام محتوم. وبالتالي، يتحول المفهوم من أداة تحليلية إلى وسيلة للتأثير في إدراك الطرف الآخر وتوجيه سلوكه.
وبالتالي، يعكس هذا التوظيف بعدًا يتعلق بإدارة التوازن الدولي، إذ يشير ضمنيًا إلى أن مسار العلاقة المستقبلية لا يتوقف على صعود الصين وحده، بل على كيفية استجابة الولايات المتحدة لهذا الصعود. وهنا يصبح المفهوم جزءًا من الخطاب السياسي وليس مجرد إطار نظري خارجي.
على أية حال، أظن أن سياسات إدارة الرئيس ترامب أسهمت في تسريع وتيرة التنافس بين الطرفين، عبر اعتبار الصين منافسًا استراتيجيًا مباشرًا في المجالين الاقتصادي والتكنولوجي، وهو ما تجسد في الحرب التجارية والإجراءات المتبادلة المتعلقة بالاستثمار والتكنولوجيا، الأمر الذي عمّق التحول نحو علاقة أكثر توترًا.
باعتقادي، أن أهمية فخ ثوسيديدس لا تكمن في كونه نموذجًا حتميًا يفسر العلاقات بين القوى الكبرى، بل في كونه يسلط الضوء على هشاشة النظام الدولي وتعقيداته. فالتاريخ يبين أن الصراعات لا تنشأ فقط من تغير موازين القوى، بل من كيفية إدراك هذا التغير وتفسيره وإدارته، وهو ما يجعل البعد الإدراكي والسياسي عنصرًا حاسمًا إلى جانب البعد المادي في تشكيل مسار العلاقات الدولية.

