Menu

المؤامرة القديمة المتجددة "ريفييرا ترامب".. من غزة الى "إسرائيل الكبرى"

نعيم إبراهيم

نشر في مجلة الهدف العدد (82) (1556)

ما جرى و يجري في قطاع غزة ليس بحاجة الى كبيرعناء لفهم و إدراك ما ترمي إليه مؤامرة "ريفييرا غزة" التي تفتقت عنها ذهنية الرئيس الامريكي دونالد ترامب ، بتخطيط استراتيجي مع صديقه بنيامين نتنياهو رئيس حكومة العدو الصهيوني ، في ظل التطورات الجيوسياسية الراهنة ومستجدات القضايا الإقليمية والدولية حيث يعتمد نتنياهو استراتيجية "التجميد" عبر سياسة "تفريغ الاتفاقيات"و يوظف التصعيد الإقليمي لفرض واقع ميداني جديد في غزة بعيداً عن الأضواء.

لذلك يواصل الاحتلال الصهيوني شن مزيد من الاعتداءات العسكرية والاقتصادية والسياسية على قطاع غزة بهدف استنزاف القدرات الفلسطينية ومنع المقاومة والحاضنة الشعبية من استعادة توازنها أو التقاط أنفاسها وبالتالي حرمان الأطراف الإقليمية من استخدام ملف غزة كأداة ضغط في الصراع الأوسع الدائر في الشرق الأوسط.

يستدل من ذلك أن السيناريو الصهيوني الامبريالي الرجعي القديم في فلسطين والمنطقة لم ينتهي ولم يكن حبيس الأدراج في المراحل المتعاقبة من الصراع الوجودي ، بل ينفذ حسب متطلبات كل مرحلة. و بناء على ما تقدم فإن مؤامرة "رفييراغزة" تسمح لجيش الاحتلال بالسيطرة على أكثر من نصف مساحة القطاع وتحويلها تدريجياً إلى مناطق عازلة تخدم أهدافه الأمنية طويلة الأمد ،عبرإخراج الفلسطينيين من أرضهم تحت غطاء التنمية. وتكمن خطورته في أنه يعكس تصورات راسخة لدى واشنطن وتل أبيب، مفادها أن غزة ليست كيانا سياسيا أوبشريا له حقوق، بل مجرد مساحة يمكن إعادة هندستها وفق مصالح القوى الكبرى.

ما يرصد على الأرض من نشاط عسكري مكثف من خلال الاقمار الاصطناعية والشهادات التي يدلي بها الفلسطينيون ومراكز الابحاث والتحقيقات الصحفية وما يغطيه الاعلام حول عمل الجرافات الصهيونية دون توقف لتوسيع التحصينات وشق طرق استراتيجية جديدة يعكس استراتيجية واضحة تعتمدها سلطات الاحتلال، حيث يتم رهن الإعمار بشروط سياسية وأمنية معقدة، بينما يمضي البناء العسكري بوتيرة متسارعة لا تتأثر باتفاقيات التهدئة.

التساؤلات الآن وفي كل آن مفادها : لمصلحة من الوعود التي أطلقها الرئيس الأمريكي دونالد ترمب وصهره جاريد كوشنر حول تحويل غزة إلى "ريفييرا" الشرق الأوسط ؟ وما هي القواعد القانونية الدولية التي يستند عليها هؤلاء ؟ وهل يقبل الفلسطينيون بنزع سلاح المقاومة بالكامل وبما يروج له من مشاريع ضخمة تشمل ناطحات سحاب ومنتجعات سياحية بتمويل يصل إلى 10 مليارات دولار؟

لعل ما وثقته ونشرته التحليلات الرقمية لصورالأقمار الصناعية بين شباط / فبراير وآذار / مارس 2026 من مسارات متزامنة لترسيخ الاحتلال الصهيوني ، تؤكد ما ذهبنا إليه في سبرغورالمؤامرة القديمة المتجددة :

- المسار الأول يتمثل في التباطؤ المتعمد لمشاريع الإعمار المزعومة، مما يحولها إلى أدوات ضغط سياسي بدلاً من كونها مشاريع إنسانية تهدف لخدمة السكان المدنيين الذين دمرت بيوتهم.

- المسار الثاني يتجلى في الاستمرار العدواني للبناء العسكري، حيث رصدت الصور أعمال توسعة في نقاط استراتيجية مثل تلة المنطار بحي الشجاعية ومنطقة جحر الديك. وهذا يؤكد نية واضحة لتحويل المواقع المؤقتة وعددها بالعشرات إلى قواعد دائمة مجهزة بأبراج مراقبة وشبكات اتصالات متطورة مرتبطة بالعمق الصهيوني.

أيضا يأتي وصف رئيس أركان الجيش الصهيوني إيال زامير "الخط الأصفر" بأنه حدود دفاعية وهجومية جديدة لكيانه ، الأمرالذي ينسف جوهر اتفاقيات التهدئة التي تنص على انسحاب تدريجي، ويؤكد أن السيطرة العملياتية على أجزاء واسعة من القطاع هي هدف استراتيجي بعيد المدى. وما صرح به وزير الحرب الصهيوني يسرائيل كاتس بقوله إن "إسرائيل لن تغادرغزة أبداً"، ملوحاً بإعادة إحياء فكرة "كيبوتسات ناحال" العسكرية في شمال القطاع كأمثلة و ليس على سبيل الحصر يؤكد أن الواقع على الأرض يثبت تبني المؤسسة العسكرية الصهيونية لهذه الرؤية الاستيطانية وأن المنطقة العازلة الصهيونية في غزة ليست أداة أمنية محايدة، بل هي آلية استعمارية لتحويل الأراضي المحتلة إلى مناطق استيطانية دائمة. بمعنى أن ما يجري هو سرقة كاملة للأرض وخيراتها وتشريد وقتل لأصحابها .

شاهد من أهل الكيان الصهيوني هو الباحث "إيال وايزمان" يحذرمن أن ما يجري هو عملية "إبادة لشروط الحياة"عبر تدمير البيئة المبنية واستبدالها بمنظومة أمنية استعمارية. ويرى وايزمان أن المناطق العازلة التي تدعي "إسرائيل" أنها "مؤقتة" هي في الحقيقة آلية لقضم الأراضي وتحويلها إلى مستوطنات، كما حدث سابقاً في الضفة الغربية والجولان السوري المحتلين .

السواد الأعظم من الفلسطينيين لا ينتظرون مساكن وحياة يدس فيها السم الأمريكي الصهيوني الرجعي الذي تتواصل من خلاله هندسة قطاع غزة ديموغرافيا وجغرافيا بما يضمن بقاء الاحتلال الدائم فوق أنقاض المدن المدمرة والتوسع من غزة الى "إسرائيل الكبرى" من النيل الى الفرات وما بعدهما ، بينما يستمرصمت دولي مطبق هو جواز سفر لتمدد الاحتلال الصهيوني ، ليس إلا .