Menu

غزة كما كانت… حين تتحول الذاكرة إلى سردية سياسية

عمر فارس

بوابة الهدف

في قلب الأرشيف البصري للقرن العشرين، تبرز أعمال المصوّر الأرمني كيغام دجغاليان، الذي وُلد عام 1915 في الأناضول، ونجا من الإبادة الجماعية للأرمن كلاجئ رضيع مع عائلته، قبل أن يستقر في قطاع غزة عام 1944 بعد زواجه، ليؤسس أول استوديو تصوير احترافي في المدينة تحت اسم “ستوديو كيغام” في شارع عمر المختار. من هناك بدأ مشروعه الطويل في توثيق الحياة اليومية والسياسية في غزة عبر أكثر من 35 عاماً، ممتدة من فترة الانتداب البريطاني، مروراً بالإدارة المصرية، وصولاً إلى الاحتلال الإسرائيلي، إلى أن توفي عام 1981 بعد أن رفض مغادرة غزة رغم فرصة الانتقال إلى مصر.

صور كيغام لا تقدم خطاباً سياسياً مباشراً، بل تسجل الحياة كما هي: عائلات على الشاطئ، أطفال يلعبون، حفلات زفاف، مباريات رياضية، وأسواق تعج بالحركة. لكنها اليوم، وبعد عقود من التحولات العنيفة التي شهدها القطاع، تُقرأ بطريقة مختلفة تماماً، إذ تتحول من صور يومية بسيطة إلى وثائق تاريخية محمّلة بالمعنى والفقدان.

تتأكد هذه القصة من خلال مصادر صحفية وثقافية موثوقة، تشير إلى أن الأرشيف تم إعادة اكتشافه عام 2018، عندما عثر والد حفيده على ثلاثة صناديق حمراء صغيرة مليئة بالسلبيات والوثائق في خزانة قديمة في القاهرة، بعد أن نُسيت لسنوات طويلة. هذا الاكتشاف كان نقطة الانطلاق لمشروع فني واسع أعاد تقديم أرشيف غزة القديم إلى العالم.

لاحقاً، تحولت هذه الصور إلى معارض دولية بارزة، من بينها بينالي الشارقة، ومعرض “كايرو فوتو ويك”، ومعهد العالم العربي في باريس، ومعرض “ذا فوتوغرافرز غاليري” في لندن. وفي عام 2026، يُعرض مشروع بعنوان “Photo Kegham: an unfinishable archive” في مركز التصوير الفوتوغرافي بمدينة مارسيليا في فرنسا بين 16 مايو و12 سبتمبر 2026، وهو المعرض الذي تناولته صحف أوروبية مثل “لوموند”، ضمن سياق بصري وثقافي يعيد قراءة تاريخ غزة من خلال الصورة.

لكن جوهر هذا المشروع لا يكمن فقط في عرض الصور، بل في الطريقة التي تتحول بها الذاكرة إلى سردية سياسية مع مرور الزمن. فالمصور حفيد كيغام دجغاليان لا يقدم الأرشيف كتوثيق مغلق، بل كـ “تاريخ منقطع”، يجمع بين قصة جده كلاجئ أرمني، وتاريخ غزة الذي مرّ بالنكبة عام 1948، ثم الاحتلال عام 1967، وصولاً إلى الحروب المعاصرة. كما أن الأرشيف نفسه، بحسب المشروع، تعرض للتشظي والضياع، ما يجعل الذاكرة جزءاً من تجربة الانقطاع المستمرة.

ويذهب المشروع أبعد من ذلك في طريقة العرض، إذ تُعرض الصور غالباً بدون تواريخ أو شروحات تفصيلية، بهدف خلق مواجهة مباشرة بين المشاهد والصورة، دون وساطة تفسيرية. هذه المقاربة تجعل من “غزة التي كانت” مساحة تأمل مفتوحة، لكنها في الوقت نفسه تتحول إلى فعل سياسي غير مباشر، لأن استعادة الحياة الطبيعية في مكان دمرته الحرب تصبح بحد ذاتها موقفاً في سياق الصراع.

ويؤكد حفيد المصور أن هدفه لا يقتصر على الأرشفة، بل يشمل أيضاً محاولة “إنساننة الصورة الفلسطينية” وإعادة الاعتبار للحياة اليومية بعيداً عن الاختزال السياسي، رغم المفارقة أن مجرد عرض هذه الحياة في سياقها التاريخي يجعلها جزءاً من خطاب سياسي أوسع حول الذاكرة والهوية.

ومن أكثر اللحظات دلالة في هذه القصة المأساوية أن جزءاً من الأرشيف كان محفوظاً في غزة لدى الحارس مروان الترازي، الذي قُتل مع زوجته وحفيدته في قصف استهدف كنيسة القديس برفيريوس في 19 أكتوبر 2023، ما أدى إلى ضياع جزء مهم من الأرشيف الأصلي. واليوم، أصبحت بعض الصور محفوظة فقط عبر لقطات شاشة التقطت خلال مكالمات فيديو بين الحفيد والحارس، وهو تحول رمزي من فيلم سلبي إلى صورة رقمية، ومن أرشيف مادي إلى ذاكرة مهددة بالزوال.

وهكذا، فإن ما بدأ كعمل تصويري يوثّق الحياة اليومية في غزة، تحول مع الزمن إلى أرشيف مفتوح على التأويل السياسي والتاريخي. فالصورة التي كانت يوماً لحظة عادية، أصبحت اليوم جزءاً من صراع أوسع على الذاكرة والرواية والمعنى، بين ما كان، وما فُقد، وما يُعاد بناؤه عبر النظر إلى الماضي.

وفي هذا السياق، لا يعود أرشيف كيغام دجغاليان مجرد مجموعة صور قديمة، بل يصبح مرآة لمدينة تعيد تشكيل نفسها في الذاكرة، حيث تتحول الحياة اليومية إلى تاريخ، والتاريخ إلى سردية، والسردية إلى سؤال مفتوح لا ينتهي