في ضوء الأخبار والتصريحات المتواترة، سواء من البيت الأبيض، أو طهران، أو إسلام آباد، أو وسائل الإعلام الدولية، والحديث عن قرب إبرام اتفاق مرحلي بين الولايات المتحدة وإيران، يطرح المتابع تساؤلًا مفاده: ما هو دافع الطرفين للوصول إلى هذا الاتفاق (إن تم)؟ في الحقيقة هناك ما يمكن فهمه واستنباطه وراء التصريحات المتفائلة بقرب توقيعه، رغم المصاعب التي تحيط به، وفي مقدمتها محاولات إسرائيل المستمرة لإفشال المفاوضات، باعتبارها الخاسر الأكبر من أي اتفاق مع إيران لا يضمن علانيةً تسليم اليورانيوم الإيراني وتفكيك البرنامج النووي الإيراني. بالتالي أجد أن هناك ما يدفع طهران وواشنطن (مرحليًا) لإنجاح المفاوضات، من هذه الدوافع ما يلي:
أولًا- الدوافع الإيرانية:
ينسجم الاتفاق (حال نجاحه) مع الرؤية الإيرانية، ودوافع القادة الإيرانيين هي:
اعتقاد طهران أن الاتفاق سيمنحها حافزًا استراتيجيًا باعتبارها الرابح الاستراتيجي الأبرز، ليس لأنها حققت انتصارًا كاملًا، بل لأنها منعت الولايات المتحدة وإسرائيل من تحقيق أهدافهما الكبرى. ويظهر ذلك في تصميم القادة الإيرانيين على استحالة تسليم اليورانيوم، وتفكيك البرنامج النووي والصاروخي، وهي أهداف معلنة أمريكيًا، ناهيك عن الهدف الذي حدده ترامب من التفاوض، وهو استسلام تام لإيران وانتصار تام للولايات المتحدة، وهو ما لم يحدث.
رغبة الإيرانيين في الحفاظ على أهم عناصر قوتها، كالبرنامج النووي، وقوة الردع، وبرنامجها الصاروخي والمسيرات، وقوتها الإقليمية، بعدما كان الهدف الأمريكي–الإسرائيلي هو القضاء عليها بالكامل. وبالتالي فإن هذا الاتفاق يتيح الفرصة لإيران لاستعادة قدراتها العسكرية والاستراتيجية.
تتوقع إيران أن تحقق مكاسب مهمة، تتمثل في عدم إجبارها على التخلي عن حلفائها الإقليميين في بيروت وبغداد وصنعاء، و غزة والضفة الفلسطينية، عبر ترميم قدراتهم التي تلقت ضربات موجعة. وهو ما يُعد فشلًا واضحًا للمشروع الأمريكي والإسرائيلي.
قناعة الإيرانيين أن استئناف الحرب سيجرّ الولايات المتحدة إلى حرب تضر بصورتها وهيبتها العالمية، وبالتالي سيشكّل عليها عبئًا استراتيجيًا لجرّها لحرب خدشت هيبتها العالمية، وقد بدا ذلك بوضوح من خلال زيارة الرئيس ترامب الأخيرة للصين، والتي فسرت دوليًا بأنها تمثل استجداءً للتدخل الصيني لدى إيران وإقناعها بتقديم تنازلات.
رغبة طهران في إعادة فتح مضيق هرمز المحاصر وتدفق النفط والطاقة الإيرانية للأسواق العالمية، ورفع جزء من العقوبات على الصادرات النفطية الإيرانية، وهو ما يعزز الاقتصاد الإيراني.
حرص القادة الإيرانيين على مكافأة شعبهم الذي تحمل حصار الحرب عبر ضخ 25 مليار دولار كجزء من مسودة الاتفاق المزمع الإعلان عنه، وبالتالي ضخ العملة الصعبة من الدولار إلى الأسواق الإيرانية، وهو ما يسهم في إنعاش المواطنين، ويعزز شرعية الحكم، ويدفع الجماهير لتأييد وشرعية المعركة التي تخوضها بلادهم ضد الولايات المتحدة وإسرائيل.
ثانيًا- الدوافع الأمريكية:
هناك العديد من الأهداف التي من المتوقع أن تكون قد دفعت البيت الأبيض لإنجاح المفاوضات الجارية، هي:
اعتقاد الرئيس ترامب أنه حقق مجموعة من المكاسب السياسية الداخلية المهمة، خاصة على المستوى الشخصي والانتخابي. وإن نجاح الاتفاق سينقذ مستقبله السياسي ويعزز مكانته في التاريخ الرئاسي الأمريكي، كما أن نجاح الاتفاق سيخدم الحزب الجمهوري ويمنحه فرصة في الانتخابات التي ستتم في تشرين الثاني/نوفمبر 2026م، من خلال الحفاظ على فرص فوز مرشح من الحزب الجمهوري في الانتخابات الرئاسية بعد عامين، وبقاء الجمهوريين في البيت الأبيض.
رغبة الإدارة الأمريكية في تجنب حرب شاملة طويلة ومكلفة ومستنزفة، خاصة بعد الأضرار التي لحقت بصورة الولايات المتحدة عالميًا، وبالتالي فإن الاتفاق المرحلي يوفر مخرجًا سياسيًا أقل تكلفة من استمرار التصعيد العسكري.
رغبة الرئيس ترامب في إعادة أسعار الطاقة لطبيعتها ما قبل الحرب، وبالتالي انعكاس الاقتصاد الأمريكي، وتقليل حدة القلق والخوف لدى الرأي العام الأمريكي، ما يترتب عليه من اضطراب داخلي.
وبالرغم من أهمية هذه الدوافع، لا بد من الاعتراف بدور الوسطاء في بلورة هذا الاتفاق (إن تحقق)، والجهد الدبلوماسي الماراثوني الذي بذلوه في تقريب وجهات النظر وصياغة مبادرات معدلة ومرنة قابلة للتباحث.
وتعد إسرائيل هي الخاسر الاستراتيجي الأكبر في هذه المرحلة، وهو فشل نتنياهو في تحقيق الأهداف التي وعد بها الإسرائيليين خلال الحرب، وهي القضاء الكامل على التهديد الوجودي الإيراني، إلا أن هذا الهدف لم يتحقق. أضف إلى ذلك فشلها في تدمير عناصر القوة الإيرانية (نظامًا وبرنامجًا نوويًا ومشروعًا إقليميًا) عسكريًا وصناعيًا وتكنولوجيًا. كما تخشى إسرائيل من احتمال حدوث أزمة ثقة مع الإدارة الأمريكية، فربما يفقد نتنياهو ثقة ترامب والدولة العميقة الأمريكية.
عموماً، في حال تم الاتفاق، من المتوقع أن يجد عراقيل وصعوبات في طريق التنفيذ، ولا سيما في ظل العامل الإسرائيلي الذي سيسعى دون كلل أو ملل إلى إفشال الاتفاق، لكنني أعتقد أن الوضع الدولي سينجح الاتفاق ولو مرحليًا، مع الإدراك أن عوامل الفشل واردة وبقوة، في ظل وجود رئيس أمريكي متقلب المزاج وصعب فهمه.

