Menu

من شعبٍ أرادوا اقتلاعه… إلى شعبٍ ملأ العالم حضوراً وإبداعاً

عمر فارس

بوابة الهدف

عندما تلتقي مجموعة من الفلسطينيين وتسألهم: من أين جئتم؟ تسمع إجابات من كل أنحاء العالم: من الكويت ، من لبنان، من سوريا، من الأردن، من كندا، من الولايات المتحدة، من تشيلي، من ألمانيا، من السويد، من أستراليا… وكأنك أمام شعبٍ توزع على قارات الأرض كلها.

لكن الحقيقة أن هذا الشتات لم يكن خياراً طوعياً، بل كان نتيجة واحدة من أكبر المآسي السياسية والإنسانية في العصر الحديث. فبعد إنشاء الكيان العنصري «إسرائيل» القائم على الأبرتهايد والتطهير العرقي، ارتكبت العصابات الصهيونية مجازر بحق الشعب الفلسطيني، وهجّرت مئات الآلاف من أبناء فلسطين من مدنهم وقراهم، وصادرت أراضيهم وبيوتهم وممتلكاتهم، وحولت أصحاب الأرض الأصليين إلى لاجئين يعيشون في المخيمات ودول اللجوء والشتات.

كان الهدف واضحاً: اقتلاع الشعب الفلسطيني من أرضه وإنهاء وجوده الوطني والإنساني والثقافي. لكن ما حدث كان عكس ذلك تماماً، الفلسطيني الذي خرج من وطنه مرغماً، حمل معه العلم والخبرة والإرادة والقدرة على البناء. فأينما ذهب، ترك أثراً واضحاً في المجتمعات التي عاش فيها.

في دول الخليج العربي، لعب الفلسطينيون دوراً أساسياً في بناء المؤسسات التعليمية والقطاع الصحي والإداري والهندسي والصناعة النفطية. كان آلاف المعلمين والأطباء والمهندسين الفلسطينيين جزءاً من نهضة تلك الدول الحديثة. وأسهم الفلسطينيون في تطوير الجامعات والمدارس والمستشفيات والإعلام والإدارة العامة، حتى أصبح حضورهم معروفاً في مختلف القطاعات الحيوية.

ولم يتوقف الأمر عند الجيل الأول من اللاجئين. فأبناء الفلسطينيين وأحفادهم الذين ولدوا في دول اللجوء، انتقل كثير منهم لاحقاً إلى الولايات المتحدة وكندا وأوروبا وأستراليا، وهناك أثبتوا أنفسهم في الجامعات ومراكز الأبحاث والشركات الكبرى والمؤسسات الطبية والهندسية والتكنولوجية. برز علماء وأطباء ومهندسون وأساتذة جامعات ورجال أعمال وفنانون وإعلاميون فلسطينيون في مختلف أنحاء العالم، رغم أن كثيرين منهم وُلدوا بعيداً عن أرض فلسطين التي حُرم آباؤهم وأجدادهم من العودة إليها.

ورغم مرور 78 عاماً على النكبة، فإن الشعب الفلسطيني لم يختفِ كما أراد المشروع الصهيوني. بل على العكس، يعيش اليوم في فلسطين التاريخية أكثر من سبعة ملايين فلسطيني، ويعيش مثلهم تقريباً في دول اللجوء والشتات، ما يؤكد فشل كل محاولات الاقتلاع والإلغاء والتذويب. لقد أثبت الفلسطينيون أن الهوية الوطنية ليست مجرد حدود أو وثائق، بل ذاكرة وانتماء وثقافة وحق تاريخي لا يمكن محوه بالقوة.

ورغم بطش الاحتلال الإسرائيلي، والحصار المستمر، والاستيطان، والقتل اليومي، وحرب الإبادة الشاملة التي يتعرض لها الشعب الفلسطيني، خصوصاً في غزة، فإن الفلسطينيين ما زالوا صامدين على أرضهم، متمسكين بحقهم ووطنهم وقضيتهم.

وفي المقابل، بدأت صورة إسرائيل تتهاوى أمام الرأي العام العالمي. فالحكومة التي يقودها المتطرفون والفاشيون مثل نتنياهو وبن غفير وسموتريتش كشفت الوجه الحقيقي للاحتلال القائم على العنصرية والقوة العسكرية والقمع الجماعي. ومع انتشار الصور والشهادات القادمة من غزة والضفة الغربية، اكتشفت جماهير واسعة حول العالم حقيقة ما يجري بعيداً عن الرواية الإسرائيلية التقليدية التي سيطرت لعقود طويلة على الإعلام والسياسة الغربية.

لقد نجح الفلسطيني، رغم المأساة والتهجير، في أن يبقى حاضراً في العالم كله. فهو لم يحمل فقط مفتاح بيته القديم، بل حمل معه أيضاً القدرة على الحياة والإبداع والبناء والصمود. وهكذا تحوّل شعب أرادوا اقتلاعه من التاريخ إلى شعب حاضر في كل مكان، يقاوم من أجل حريته، ويحافظ على هويته، ويؤكد للعالم أن الحق لا يسقط مهما طال الزمن.