Menu

اِسْتِعْمَارٌ وَطَنِيٌّ

مروان عبدالعال

نشر في مجلة الهدف العدد (83) (1557)

 

في لقطة حوارية بين الممثلين السوريين بسام كوسا وفايز قزق، يفتتح بسؤالٍ ساخر: “هل يوجد استعمارٌ وطني؟”.

سؤالٌ لا يكتفي باستفزاز المعنى، بل يفتح الباب على طبقاتٍ من الأسئلة الحرجة حول علاقة الداخل بالهيمنة، وحدود الوطنية حين تتحول إلى أداة لإعادة إنتاج أشكال القهر باسمها. لما كانت الخشية ان تتحول الخيانة إلى “وجهة نظر” لكنها تستعمل الوطنية كـ “وجهة نظر”، وتصبح أيديولوجيا كاملة مهما كانت اليافطة التي تحملها أن كانت تغطي الشمس بغربال وتزيف الحقيقة وتُسوَّق وتُدار باسم الاعتدال والواقعية والموضوعية.

في هذا الزمن، يكثر ادّعاء الوطنية: من يتحدثون باسم الطهارة وهم غارقون في التلوث، ومن يرفعون راية “الثورية” بينما يجيدون صناعة الفتن، وتلفيق الأراجيف، وتشويه الحقائق. وحين تنكشف السياسة، يسقط القناع: الوطنية تستر فسادهم ولا تضبطهم، ولا أخلاق تردعهم، ولا حدّ أدنى من المسؤولية يحكم سلوكهم.

يتدثرون بالوطنية وهي منهم براء، ويتحدثون عن عشقهم للمقاومة بينما يطعنونها من الخلف. لا يحرسون الأوطان، بل يتغذّون على جراحها. لا يصنعون الحقيقة، بل يقتاتون على خرابها. وهكذا تتحول الوطنية من التزام أخلاقي إلى شعار فارغ، يُرفع في المناسبات ويُسقط عند الامتحان الحقيقي.

الأخطر أنّ الاستعمار لم يعد كيانًا منفردًا واضحًا، بل صار منظومةً لها ملحقاتٌ وأذرعٌ وأقنعة. لا يتحرّك وحده، بل يبحث عمّن يعيد إنتاجه من الداخل، عمّن يمنحه الغطاء واللغة والشرعية. لا يفرّق بين الأفكار أو الطوائف أو الجنسيات؛ فالمهم أن يجد من يصفّق له ويبرّر حضوره، فرحًا—بوعيٍ أو بدونه—بشكلٍ من أشكال التبعية.

ولم يعد الاستعمار دائمًا بوجهه القديم: لا جنديًّا غريبًا يهبط من سفينة، ولا حاكمًا يعلن احتلاله صراحة. صار أكثر نعومةً وذكاءً؛ يتسلّل عبر اللغة، والمؤسسات، و” الشرعية”، ويتكلم أحيانًا بلسانك، ويُقدَّم لك بوصفه شريكًا وصديقًا وضامنًا للاستقرار. وهكذا يتشكّل شكلٌ أكثر التباسًا: استعمارٌ يتخفّى داخل الداخل، ويُعاد إنتاجه من أدواته نفسها.

وفي المقابل، تتحول الخيانة إلى “وجهة نظر” لتخفيف الفضيحة: طاعة المحتل تُسمّى تعاوناً، والتنازل يُسمّى حكمة، والتفريط يُسمّى واقعية سياسية. يُطلب منك أن ترى القواعد الأجنبية “ترتيبات دفاعية”، وأن تعتبر السيطرة على قرارك “تنسيقاً سيادياً”، وأن تُقنع نفسك بأنك “تُدار برضاك”.

هنا تبلغ المفارقة ذروتها: لا يُكتفى بخضوعك، بل يُطلب منك أن تحبّ هذا الخضوع. أن تعتبره ضرورة، وأن ترى في التبعية نضجاً، وفي الصمت عقلانية، وفي التنازل شجاعة. وإذا اعترضت، فأنت متهور. وإذا قاومت، فأنت خائن. وإذا سمّيت الأشياء بأسمائها، فأنت خطر على “الاستقرار”.

أيّ سيادة هذه التي تُقاس برضا السفارات لا بكرامة الشعوب؟ وأيّ وطن هذا الذي تُصاغ قراراته خارجه ثم يُطلب من الناس التصفيق لها؟ إن أخطر أشكال الاستعمار ليس الذي يحتل الأرض فقط، بل الذي يحتل الوعي، ويقنعك أن احتلالك هو حريتك.

الاحتلال لا يسرق الأرض وحدها، بل يسرق الإرادة. لا يفرض عليك القيد فقط، بل يطلب منك أن تعتبره زينة. "السجن الاكبر الذي لا ارى جدرانه" كما قال فوكو، وأن ترى الركوع حكمة، والاذعان فضيلة، والتنازل تطوراً، والهزيمة “خياراً عقلانياً”.

وهكذا تتحول الوطنية إلى خطاب يُدار، لا موقف يُمارس؛ إلى شعار يُلمّع، لا التزام يُحاسَب عليه. وتتحول الخيانة إلى توصيف مرن، يُستخدم لتأديب من يرفض هذا الانقلاب على المعنى.

الحقيقة أبسط وأقسى من كل التباس: الوطنية ليست شعارًا يُرفع، بل موقفٌ يُدفع ثمنه. والاحتلال، مهما تبدّلت لغته وأقنعته، يظلّ احتلالًا في جوهره. أما الاستعمار، فلا يكتفي بالأرض، بل يمتدّ إلى العقل والمستقبل والحياة نفسها، ليعيد تشكيلها على مقاس الخضوع، ويطلب من الشعوب أن تتأقلم مع ما ينبغي أن ترفضه أصلًا، وأن تستأنس بما وُجد ليُنكر وجودها.