Menu

اللجوء الثاني للفلسطيني السوري في رواية حجر الزار للروائية مي جليلي

بسام سفر

نشر في مجلة الهدف العدد (83) (1557)

مثلما أجبر فلسطينيي لبنان أثناء الحرب الأهلية اللبنانية على اللجوء والهروب إلى بلدان أخرى منها سوريا, أجبر فلسطينيي سوريا على اللجوء والهروب إلى بلدان عديدة منها أوربا, ومغادرة الأراضي السورية إلى لبنان ودول الجوار السوري.

فاللجوء الفلسطيني الأول بعد نكبة العام1948, حمل الخوف والقهر والمعاناة في الوصول إلى البلدان المحيطة في فلسطين, إذ اندمج فلسطيني سوريا في الحياة الاجتماعية السورية في المناطق التي سكنوا فيها, وأصبحوا جزءاً من النسيج الاجتماعي خصيصاً في الأحياء القديمة مثل "الشاغور, وركن الدين", قبل إنشاء مخيمات سوريا, ومخيمات دمشق منها اليرموك جنوب العاصمة السورية أو مخيم جرمانا أو مخيم خان الشيح أو خان دنون.

شتات اليرموك:

من أولى حقائق الشتات الفلسطيني تبدأ من البلاد الأصلية التي عاش فيها الفلسطيني, وفي رواية حجر الزار للروائية مي جليلي نجد بلدة الأب, والد الشخصية الأساسية "أرأيت يا أبي؟! كنت تقول احذري صفر الوجوه بلا علة, كاد صياد الدم أن يرشنا بالسم لولا قلبك ما خرجنا من كهف الثعابين, بالسلامة يا أبي لا تنسى باقة الآس على قبر جدي لا تنسى العنوان حفظناه في عيوننا, إنه تحت شجرة الكينا في حارتك القديمة, سلم على عمي كان أكثر عناداً منك, لم يترك طبريا اختبأ في مغارة خفيه وراء معصرة الزيت".

فالبلد الفلسطيني الذي غادرته العائلة هو طبريا في فلسطين التي كانت ومازالت حلم الأحلام, وغاية المنتهى والمشتهى لكل فلسطيني عاش الشتات واللجوء بعيداً عنها.

ولا ينقطع التواصل مع البلد الأصلي إذ تقول على لسان بنات عمها" أن طبريا مازالت تحفظ ماءها بين ضلوعها وتنتظر".

وتبدأ الحكايا في سوريا مع الأب الذي "بنى بيته بعرق لجوئه بين بساتين الشاغور المهجورة, التي أصبحت مخيماً للتعساء, ترسل لهم وكالة الغوث قوت أولادهم, أخذوا وطننا وأعطونا شوال طحين".

وتسرد الروائية جليلي حكاية يوم النكبة في 15/5/2011, حيث فتحت أرض الجولان السوري أمام شباب مخيم اليرموك لإيصال رسالة واضحة للكيان الصهيوني, كما قالها وأرسلها رامي مخلوف إلى قادة كيان الاغتصاب أن أمن الكيان من أمن نظام سوريا," قالوا لشباب المخيم:-هذه إسرائيل لمن يريد الحرب, اذهبوا وأدخلوا إلى بلدكم نحن لن نقف في طريقكم, أعطوا لكل شاب بصلة وعلبة سفن آب, مضادات الغازات السامة.

 وجلبوا باصات لنقل الشباب إلى الحدود, هب الشباب بالمئات, وحلم الزحف الكبير إلى فلسطين أنتبج في رؤوسهم. شباب المخيم صدقوا لطافة الأمن ووطنيتهم الباغتة, ولم يخطر في بالهم أنهم رسالة صريحة إلى إسرائيل, إن لم تقفوا معنا في حربنا على الناس لن نحرس حدودكم بعد اليوم.

 في المساء عاد شباب المخيم مخذولين منهكين وعلى أكتافهم ثلاثون قتيلاً برصاص قناصات الجيش الإسرائيلي. دفنت المخابرات الشباب بدمهم في منتصف الليل بلا ضجة.

وباليوم التالي استيقظ المخيم على الخديعة, فهموا سر الدفن ليلاً, خرج المخيم يهتف مقهوراً مخذولاً, وأحرقوا الدنيا. أقبلت طائرات النظام وحصدت أرض المخيم بيتاً بيتاً".

ونختم شتات اليرموك في الصورة التي ترسمها الروائية مي جليلي "مرّ مخيم اليرموك المحاصر في خاطري, تأرجح رغيف الخبز الذي علق على عامود الكهرباء قرب بوابة المخيم, حين يلمح الرغيف جائع أفقده الجوع عقله, يهجم على رغيف الخبز فيصيده القناص اللاطيء فوق بنايات القاعة, صار المحاصرون يختبئون وراء الجامع أول المخيم, كي يمسكوا الراكض الذي جننه الجوع كي لا يقتله القناص برصاصة يسددها إلى بطنه".

أن ما تعرض له الفلسطيني السوري منذ بداية الثورة السورية في مخيم اليرموك لم يكن إلا جزءاً من سياسية النظام الأسدي, وفعل مخابراته في وضع مخيم اليرموك خارج أي فعل معارض للنظام على الرغم من كل ما قدمه المخيم تاريخياً في معارضة النظام السوري, رغم الفصائل التي عملت كواجهة سياسية له في مرحلة من مراحل السياسية الفلسطينية وعلاقته المرتبطة بالصراع مع الكيان الصهيوني والقبض على السياسة الفلسطينية كورقة بيد النظام الأسدي.

اللجوء الثاني:

يظهر اللجوء الثاني في رواية حجر الزار لمي جليلي من خلال الطريق الذي تسلكه الشخصية بين الأرض السورية و تركيا واليونان وهولندا, وعلى حاجز في الطريق إلى عفرين صعد إلى الباص محارب معفر وسأل أم صبحي إلى أين هم ذاهبون, فأكدت إلى عفرين, فصرخ بها وبالنساء:-يا كفرة!!, واستدار نحو الرجال وقال لهم:- أنتم, يا أعداء الله!, أقبل صبحي أبنها من المقعد الأول, وقال له المحارب: أنت أبنها؟! هز رأسه.

قال له:-انزل!, نزل الشاب من الباص, ولحقت به سميرة زوجته, تتوسل الرجل أن يعيد زوجها. دفع المحارب صبحي في ظهره, فركع على الأرض, ضربه بكعب البندقية وجأر:- صلي. بلع صبحي قهره: لست على وضوء!، ضربه مرة ثانية على ظهره, تقوس الشاب متألماً, بدأ يصلي, ارتفع صوته عالياً باكياً صارخاً, وهبط حزن ثقيل من السماء على الصحراء".

وفي قرية "العقربة" على الحدود التركية السورية صرخ المهرب عبود بهم:- يا شباب افتحوا عيونكم! عبور الحدود فيه موت, عبور الحدود ما فيو مزح لا يمين ولا شمال, حتى تصلوا الشارع, تفرقوا في "جيلان", ومنها إلى أزمير بقارب قاده فرحان الذي قفز إلى الماء عندما داهم حرس الحدود القارب وأخذوهم إلى المركب الكبير, وأبحر بهم نحو جزيرة بعيدة, وسألوهم عن جثمان فرحان الذي غرق في البحر بجزيرة "خيوس".

 وبعد تزوير هويتها أعطاها رستم قطعة كرتون صغيرة عليها صورتها, وأسم غير أسمها, وعند المساء "مشيت وراء رستم إلى الميناء وقلبي يخفق من الخوف..مشى رستم يهمس في رأسي:-ابتسمي, كوني طبيعية, امشي بهدوء!,

 لكنني لم أكن طبيعية, لم أقتنع أن تلك البطاقة ستجعلني أصعد على ظهر الباخرة, لكن الشرطي لم يكتشف أمري في الزحمة, لوى عنقه بلطف وفسح لي الطريق, وأنا طار عقلي من النجاة من تلك الجزيرة".

 ويدخل أبو رهف على خط إيصالها لطائرتها في مطار أثينا "وأنا مثل الدجاجة المجنونة, أبحث عن رقم البوابة, كانت الأرقام تقلب وتتغير, تصفق وتقفز, بالكاد التقت رقم البوابة التاسعة, وقفت بصف تفتيش الحقائب, ومدينة جنيف تلعب كالأفعى في رأسي, مرت حقيبتي البائسة قبلي, لكن قدمي المزروعة بصفائح البلاتين أعلنت النفير العام, أمسكت الموظفة اليونانية ساقي, وضغطت بطريقة احترافية على جرمي, وتركتني أمر لأمضي نحو البوابة التاسعة".

وتصف الروائية مي جليلة لحظات هبوط أحساس الشخصية إلى ما دون الصفر "صحوت على لمسة خفيفة خاطفة من أصابعها الرقيقة, وخاتمها الواسع, مرت به على يدي, فتحت كرت الطائرة ودست الهوية المزورة بين أوراقي, أيقنت أنها ستنادي الشرطي, لكنها أشارت لي بغضب كي أسرع وأذهب إلى الطائرة, جلست أخر مقعد بالطائرة السويسرية, غطست بالمقعد الخلفي, واختفيت, وكتبت على الواتس:- ماما هدى انتظريني بعد عشر ساعات في محطة (فرانكفورت), وينك أمي رح تروح التغطية؟!".

 وتصعد من أمام مطار جنيف مع سائق تونسي إلى محطة القطار, وتستعير هاتفه لتخاطب ابنتها لانتظارها في محطة فرانكفورت بعد سبع ساعات, ويشرح لها كيف ستغير القطار في مدينة "بازل", ومدينة أخرى, وتعطيه خمسين يورو, وتكتشف أنه أعادها إليها دون أن تشعر حيث في جيبها قبل أن يذهب.

وتستكمل مسيرة اللجوء الثانية بالقول إنها حين نزلت من القطار, رأيت ابنتي في المحطة تبحث عني, لكنها لم تأتي نحوي, عيناها تدوران في مكان آخر, حين سمعت صوتي التفت نحوي, ولمع غضب في عينيها, ألقيت حقيبتي بعيداً ومشيت إليها, مازالت غاضبة مني تبحث عني وتمشي نحو صوتي ثم رأيت جمال أسنانها وهي تضحك وتبكي, تربعنا معاً على بلاط المحطة, وضعت رأسها في حضني, فعادت صغيرتي إلي برفة عين.

هولندا:

 تغادر (فرانكفورت) إلى (امستردام) بعد استراحة عشرين يوم عند ابنتها, ويستقبلها ابن خالتها الذي يسلمها إلى كامب "تير آبل" الضخم لكل لاجئ آتى إلى هولندا, أقيم على أرض شاسعة خاوية من البيوت والشجر تزوبع به رياح الشمال.

انتقلت الشخصية الرئيسية من كامب "تير آبل" إلى كامب (خيلزة) المعتقل النازي المنسي من أيام حروب أوروبا, منذ سنوات أغلقه الهولنديون وأقاموا عزاءه, إلى أن دخله المهاجرون, فأعادوا ترميمه وأشعلوا مواقده.

وتذكر أنها في هولندا بالعام الأول, سكنت في شقة صغيرة ببلدة لم تسمع بها في حياتها, بلد فارغة من أهلها إلى حد منع التجول, أسمها "هيلفرسوم", وضعت في الشقة بضعة أشياء لضرورة الحياة, وبعد أن انتهت حزنت, وسألت الشارع الخاوي ماذا تفعل هنا؟!

تتعلم اللغة الهولندية وتحتفل مع طلاب صفها في نجاحاتها اللغوية, وتزور سوق العرب في مدينة "أوترخت" بسبب موعد مع طبيب الأسنان, فتح اللاجئون السوريون مطاعم الفول والحمص والشاورما والأكل الشامي الذي فتن الهولنديين وجعلهم يتخلون عن أكلهم الصحي, ورغم كل أوجاعهم الجديدة من أمراض الكبة الدسمة, إلا أنهم يشترون قرص ونص لغداء عائلة.

وتحصل على الجنسية الهولندية وتسافر بجوازها الجديد, لكي ترى ابنها بعد ست سنوات من الغياب في انطاليا الذي ما زال في عين الأم الطفل العائد من المدرسة.

وتحدث ذاتها أنها بعد أن حصلت على الجنسية الهولندية, وأصبحت مواطنة من الدرجة الثانية تستطيع العودة إلى دمشق, إذ قالت لها موظفة البلدية:- نحن لسنا مسؤولين عنك إن ذهبت إلى بلدك, بلد ليست آمنة!,

 وترسم في خيالاتها خطوط وطرق العودة, ومن وكيف سترى الأحبة والأصدقاء والرفاق.

أخيراً، إن شتات اللجوء الثاني للفلسطيني السوري مركب ومعقد في الحياة كثيراً لا يفتح المأساة الفلسطينية منذ النكبة في العام1948, على كل دقائقها في البقاع الفلسطينية, بل يفتح كل وقائعها الجديدة في حياة الفلسطيني السوري ما قبل الخروج من مخيمات سوريا, وفي مقدمتها مخيم اليرموك عاصمة الشتات الفلسطيني إلى بلدان الاغتراب الثانية, وكأن روح وثنايا ذات اللاجئ غير قابلة للاستقرار بعيداً عن البلدان التي أحبها, ولو كان في خريطة كما في فلسطين البلد الحلم, والمخيم الذي أجبر على مغادرته تحت بوابل من الرصاص والحصار اللا إنساني. ويبقى السؤال الأبدي الفلسطيني الشتات, كم بلد لا يعادل ولا يوازي فلسطين المشتهى.