Menu

من نكبة 48 إلى طوفان 23 المسرح السوري والقضية الفلسطينية

جوان جان

نشر في مجلة الهدف العدد (83) (1557)

 

لا نجانب الصواب إذا قلنا إن المسرح السوري تفاعلَ مع القضية الفلسطينية منذ أشهرها الأولى في عام النكبة عام 1948 شأنه كشأن باقي مسارات الإبداع السورية الأخرى من شعر وقصة ورواية، وفيما بعد من دراما تلفزيونية وسينمائية، وكانت الفرقة السورية للتمثيل والموسيقا التي تأسست في العام 1947 رائدةً في تناولِ القضية الفلسطينية منذ نشأتها، تجلى ذلك في مسرحية بعنوان "أم كامل في الجبهة" رصدت وقائع الحرب العربية الصهيونية الأولى وكيف تواجهت الجيوش العربية حينذاك مع الجيش الصهيوني، وكانت المسرحية من تأليف عبد الهادي الدركزللي وإخراج تيسير السعدي وفيها ظهرت الشخصية الشعبية أم كامل للعيان للمرة الأولى بعد أن كانت معروفة بالنسبة للجمهور من خلال صوتها عن طريق مايكروفون الإذاعة فقط، وتذكر المصادر أن الفنان أنور البابا الذي كان يؤدي هذه الشخصية اختار شكل اللباس الذي ستظهر فيه الشخصية في هذه المسرحية وفي كل الأعمال اللاحقة وهو عبارة عن ملاءة سوداء وغطاء أبيض اللون للرأس ونظارة طبية، وباعتبار أن المسرحية تتحدث عن فلسطين والعودة إليها وضع الفنان البابا على خصر الشخصية مفتاحاً كبيراً كان يُعرف باسم الساقط وهو يرمز إلى التعلق بالأرض والإيمان بحتمية العودة، وقد عُرِضت المسرحية على مسرح سينما الأمبير بدمشق والتي كانت تقع في منطقة بوابة الصالحية.

وفي العام 1956 قدم النادي الفني الذي أسسه منذر النفوري في العام 1955 مسرحية بعنوان "هنا إسرائيل" وفيها تصوير دقيق لثماني سنوات كانت قد مضت على احتلال فلسطين.

وفي عقد الستينيات وعقب نكسة حزيران عام 1967 انبرى المسرحيون السوريون لمعالجة أسباب النكسة ورصد نتائجها، فكان أن ظهرت مسرحية "حفلة سمر من أجل خمسة حزيران" لكاتبها سعد الله ونوس ومخرجها علاء الدين كوكش، وقد شكلت هذه المسرحية –كما يشير النقاد- انعطافة حقيقية في المسرح السوري مثلما شكلت انعطافة في أسلوب معالجة المسرحيين السوريين للقضية الفلسطينية، حيث انتقل هذا الأسلوب من مضمون عاطفي وانفعالي ومباشر إلى مضمون نقدي يحاول الكشف عن الأسباب الكامنة وراء الهزيمة.

واستمر المسرحيون السوريون في عقد السبعينيات بمعالجة القضية الفلسطينية في أعمالهم المسرحية، فكتب الياس زحلاوي مسرحية بعنوان "المدينة المصلوبة" قدمتها فرقة هواة المسرح العشرون وأخرجها المخرج سمير سلمون عام 1973 وهي تتحدث عن الصراع العربي الصهيوني، وتدور أحداثها في مدينة القدس ، وقد شاركت المسرحية في مهرجان الهواة المسرحي الذي كانت تقيمه وزارة الثقافة وحصلت حينها على عدة جوائز في المهرجان، كما أخرجها بعد عدة سنوات المخرج محمود خضور، ومن المعلومات النادرة عن هذه المسرحية أن كاتبها الياس زحلاوي شارك كممثل فيها عندما عرضت للمرة الأولى عام 1973.

وفي نفس العام ظهرت مسرحية "ضيعة تشرين" تأليف محمد الماغوط ودريد لحام وإخراج دريد لحام، وتناولت المسرحية بأسلوب ترميزي مراحل القضية الفلسطينية منذ ما قبل عام النكبة 1948 وصولاً إلى حرب تشرين عام 1973.

وشهد عقدا السبعينيات والثمانينيات مشاركة العديد من المخرجين والممثلين السوريين والفلسطينيين المقيمين في سوريا في عروض فرقة المسرح الوطني الفلسطيني التي نشطت على المسارح السورية في ذلك الوقت مثل: فواز الساجر، حسن عويتي، وليد قوتلي، زيناتي قدسية، يوسف حنا، يعقوب أبو غزالة، بسام لطفي.. ومن الأعمال التي قدمتها الفرقة مسرحية "محاكمة الرجل الذي لم يحارب" تأليف ممدوح عدوان إخراج حسن عويتي ومسرحية "الكرسي" للكاتب الفلسطيني معين بسيسو إخراج خليل طافش ومسرحية "حلم فلسطيني" تأليف الكاتب الفلسطيني رشاد أبو شاور إخراج حسين الأسمر ومسرحية "مؤسسة الجنون الوطنية" تأليف الكاتب الفلسطيني سميح القاسم إخراج فواز الساجر.

وبرزت في نهاية عقد الثمانينيات مسرحية الكاتب سعد الله ونوس "الاغتصاب" التي اقتبسها عن الأدب المسرحي الإسباني والتي أسقط مضمونها على القضية الفلسطينية ووقائع الصراع العربي الصهيوني وقد أخرجها للمسرح المخرج العراقي جواد الأسدي الذي قدم رؤيته الخاصة للنص، فنشب خلافٌ بينه وبين الكاتب ونوس، مع قناعة الأسدي الكاملة بأن العرضَ المسرحيّ يخضع لكتابتين: كتابة نصيّة يقوم بها الكاتب، وكتابة ثانية يقوم بها المخرج، وهذا ما فعله –حسب قوله- في مسرحية "الاغتصاب" وشعرَ الأسدي بمرارة عندما اعتبر ونوس تصرفَ الأسدي خيانةً للنصّ، وقد علَّق الفنان غسان مسعود على هذا الخلاف الفكري قائلاً: "أجمل ما في مسرحية "الاغتصاب" هو ذلك الخلاف بين كاتبها سعد الله ونوس ومخرجها جواد الأسدي، وهذا الخلاف كان من داخل النص، والعمل المسرحي في النهاية هو نص الكاتب ولمسة المخرج".

وفي عقد الثمانينيات أيضاً برزت تجربة الفنان زيناتي قدسية في تناولها للقضية الفلسطينية مسرحياً من خلال عدد من الأعمال، أبرزها مونودراما "أبو شنار" التي قدمها كاتباً وممثلاً ومخرجاً، وآخرها حتى الآن مونودراما "أيوب" التي قدمها في العام 2024.

في عقد التسعينيات ومطالع الألفية الجديدة تراجعت وتيرة تناول القضية الفلسطينية في المسرح السوري وخاصة بعد العام 2011 مع بعض الاستثناءات كمونودراما "تغريدة أبو السلام" والتي قدمت في عام 2015 ، نص وإخراج داوود أبو شقرا تمثيل عبد الرحمن أبو القاسم، حيث اتجه اهتمام المسرحيين السوريين بالدرجة الأولى نحو الشأن الداخلي، إلى أن حل العام 2023 عام طوفان الأقصى حيث عاد اهتمام المسرحيين السوريين بالقضية الفلسطينية إلى سابق عهده، إذ ألقت ملحمةُ السابع من تشرين أول 2023 بظلالها على الحركة المسرحية السورية، وتجلى ذلك من خلال مجموعةٍ من العروض المسرحية التي شهدتْها المسارح السورية والتي تطرق فيها المسرحيون السوريون لملحمة طوفان الأقصى بكثير من الإدراك والوعي لأهمية هذا الزلزالِ الوطني والقومي الذي ما زلنا نعيش تفاصيله حتى يومنا هذا.. ففي مدينة طرطوس تنادتْ مجموعةٌ من الفنانين لتقديم قراءات مسرحية بعنوان "قراءة لمونولوجات غزة" كانت عبارة عن تداعيات وشهادات إنسانية واقعية لأطفال عاشوا زمن الحرب وذاقوا ويلاتها ولمسوا كيف تخلى الجميع عنهم وتركوهم تحت وطأة الاحتلال وإجرامه، وقد أتت هذه القراءات كجزء من مشروع دوليّ بدعوة من مسرح عشتار الفلسطيني وشمل عدداً من الدول العربية والأجنبية يتم تحديثه والإضافة عليه باستمرار.

وفي دمشق تكررت التجربة عبر مجموعة من المؤدين من مختلف الأعمار، ورصدت القراءات الأهوال التي واجهها سكان غزة نتيجة العدوان الهمجي الدائم عليهم من قبل قوات الاحتلال الصهيوني، وجسّدت قصص التحدي في مواجهةِ القصف والتشريد والحصار، وركّزت على مشاعر الألم والخوف والأمل لتكون بمثابة سجلّ حيّ للحظاتٍ من الشجاعة والحب والفرح رغم فقدان الأحباب، ودعت القراءات إلى تحرك دوليّ عاجل لوقف الانتهاكات والإبادة الجماعية لأبناء الشعبِ الفلسطيني.

وبعيداً عن مشروع قراءات غزة قدم المخرج المسرحي سامر ابراهيم أبو ليلى في مدينة حمص عرضاً مسرحياً بعنوان "أنا ليلى أهدي سلامي" اعتماداً على أربع قصص للكاتب الفلسطيني غسان كنفاني ، وهو يحكي عن شخصية الخال حمدان المواطن الفلسطيني الذي يبحث عن عروسه، ويقصد بها البندقية، ومعه برتقال يافا تأكيداً على الانتماء للقضية الفلسطينية، وقد استعرض العمل تاريخَ القضية الفلسطينية منذ العام 1948 وصولاً إلى طوفان الأقصى وما حدث في قطاع غزة من مجازر، وجسَّدت الشخصيات نخبةٌ من ممثلي المسرح العمالي في حمص.

وفي حمص أيضاً تمّ تقديم العرض المسرحي "الشراع" نص وإخراج سحاب جحجاح التي استمدت أحداثَ مسرحيتها من طوفان الأقصى واعتمدت فيها على الدمج بين فن خيالِ الظلّ وفن التمثيل، وجسّدت بصرياً بطولات المقاومةِ والتصدي للدبابات الإسرائيلية وغارات الصهاينة التي أدت إلى قتل وتهجير أهالي غزة من بيوتِهم.

وفي درعا قدم المخرج فراس المقبل مسرحية بعنوان "رجال في الشمس" عن رواية بنفس العنوان للكاتب غسان كنفاني، وهي تتحدث عن ثلاثة رجال عانوا من الظلم والاضطهاد بعد احتلال الصهاينةِ لأرضهم وتهجيرهم منها، فيقررون الهجرة للتخلص من الظلمِ والموت، وجسّدت شخصيات العرض مجموعة من فناني المسرح الجامعي في مدينة درعا.

وفي طرطوس قدم المخرج عصام علام عرضاً مسرحياً بعنوان "زائلون" ومن أهمّ مقولاته "الكبار لا يموتون، والصغار لا ينسون" وقد أثرت اللهجة الفلسطينية المستخدَمة في العرض على الجمهور الذي اختلطت عنده مشاعر الحزن والغضب مع مشاعر العز والفخر.

وفي اللاذقية شَهِدَ جمهور المسرح فيها العرضَ المسرحي التوثيقيّ "طوفان الأقصى" نص الياس الحاج إخراج نضال عديرة، وقد عاد العرض تاريخياً إلى سنة النكبة وصوَّر كيف تم تهجير الشعب الفلسطيني من أرضه وكيف تمت مواجهة العدوان في مواجهات عديدة وصولاً إلى العام 2023 وشارك في العرض أكثر من أربعين فناناً من فئات عمرية مختلفة قدموا أداءً مؤثراً ومتنوعاً نال إعجابَ الجمهور، واعتمد العرض على الأغاني والأهازيج التراثية الفلسطينية، وعكَسَ نبض الشارعِ السوريّ المتضامن مع الفلسطينيين الذين يخوضون المعركة في وجه الاحتلال.

وفي الحسكة تنادت مجموعة من الفنانين المسرحيين بقيادة المخرج اسماعيل خلف لتقديم عرض مسرحي بعنوان "أنا من هناك" سعى لأن يحيي مسرحياً القضية الفلسطينية ومقاومة الشعب الفلسطيني بأشكالها المتجددة في وجه العدوانِ الصهيوني انطلاقاً من الدور الذي يمكن أن يقوم به الفن الملتزم بقضايا أمته، ومن هنا أراد مخرج المسرحية أن يقدم للجمهور لوحة فنية بصيغة ملحمية إنسانية من خلال ثلاث شخصيات هي مقاوم وشهيد وفتاة.