على الرغم من مضي 78 سنةً على الجريمة الكبرى التي ارتكبتها العصابات الصهيونية (الهاغاناه والأرغون وشتيرن وغيرها) سنة 1948، يرى الصهاينة أن شيئاً فظيعاً يشتعل تحت أقدامهم، وأن في كل ذكر لما حدث آنذاك يشكل تهديداً وجودياً لهم. فلا يوجد دليل أفضل من الخوف وانعدام الثقة الذي يلاحقهم، على التنصل من المسؤولية التاريخية والأخلاقية، من خلال قرارات الحكومة الإسرائيلية وإجراءاتها لمنع إحياء ذكرى النكبة الفلسطينية في كل عام، في محاولة عديمة الجدوى؛ لمحوها من الذاكرة التاريخية.
تنبع أهمية إحياء ذكرى النكبة من حالة الإنكار التي يمارسها الصهاينة، والتهرب من المسؤولية التاريخية عن المأساة الدائمة للشعب الفلسطيني. ويسعى الصهاينة بشكل حثيث إلى محو النكبة من الذاكرة التاريخية، بوصفها الشاهد الحقيقي على الجرائم وعمليات التطهير العرقي التي هدفت إلى التخلص من الفلسطينيين، وتحويل اليهود من أقلية إلى أغلبية في فلسطين، حيث شردت أهلها البالغ عددهم 900 ألف فلسطيني ولم يبق منهم سوى 156 ألف آنذاك. ويسعى الصهاينة إلى إبقاء النكبة طي النسيان، من خلال قطع صلة الفلسطينيين بها، ومنع كل محاولة لاستدعائها من الذاكرة التاريخية التي تشير إلى حقيقة تقول "إن الكيان الصهيوني قام في سنة 1948 على ظلم هائل للفلسطينيين، وإنه بني على أرض تعمدت بدماء آلاف الشهداء". وفي محاولة لإلغاء ذكرى النكبة، أقر الكنيست الإسرائيلي في العام 2011 ما يعرف بـ(قانون النكبة) الذي يخول وزارة المالية الإسرائيلية قطع التمويل عن المؤسسات الإسرائيلية التي تحيي ذكرى النكبة. بالمقابل، تسمح الحكومة الإسرائيلية بإحياء مناسبات تتعلق بأقليات أخرى؛ تعتبر في القانون الإسرائيلي أعياداً رسمية مثل أعياد الـ"ميمونة" الخاصة بالطائفة اليهودية من المغرب، وأعياد "السهرانة" الخاصة بالطائفة الكردية.
وينكر الإسرائيليون الحقائق التاريخية التي تؤكد دورهم الأساسي في المسؤولية عن أحداث النكبة وآثارها على الفلسطينيين، كما يكذبون كل رواية تؤكد قيام العصابات الصهيونية بارتكاب جرائم تطهير عرقي ضد الفلسطينيين، ويقدمون رواية صهيونية زائفة ومصطنعة تدعي أن الفلسطينيين غادروا بلادهم طوعاً أو استجابة لأوامر قادتهم، على أمل العودة بعد الانتصار. فالنكبة بالنسبة للصهاينة ليست سيرورة مرئية أو حدثاً موجوداً بالمطلق، ويدعون بأنها سردية مصطنعة من الخيال العربي. وفي هذا السياق قامت حركة سياسية إسرائيلية يمينية تدعى ( إم ترتسو) أي (إن أردتم) بنشر كتيباً حمل عنوان (النكبة الهراء)، وفيه يدعي مؤلفوه أن المسؤولية الكاملة عن المصير المرير الذي عاناه الفلسطينيون قبل عام 1948 وفي أثنائه وبعده، إنما تقع على عاتقهم هم أنفسهم وعلى عاتق الدول العربية. إضافة إلى ذلك، تعمل طواقم تابعة لوزارة الأمن الإسرائيلية، على إجراء مسح لأرشيفات في أنحاء البلاد، وتقوم بإخفاء وثائق تاريخية خصوصاً تلك المتعلقة بأحداث وقعت أثناء النكبة عام 1948. ورصد الباحثون في معهد "عكيفوت"، الذي يعنى بكشف الوثائق التاريخية السرية المتعلقة بالقضية الفلسطينية. وفي تقرير أعده باحثو المعهد، تبين أن المسؤول عن حملة إخفاء هذه الوثائق هي "الدائرة المسؤولة عن شؤون الأمن في وزارة الأمن الإسرائيلية"، وهي جهاز سري؛ وجميع نشاطاته وميزانيته سرية أيضاً. وأكد تقرير المعهد على أن أفراد هذا الجهاز أخفوا توثيقاً تاريخياً خلافاً للقانون، ومن دون أي صلاحية قانونية، وفي بعض الحالات، أخفوا وثائق صادقت الرقابة العسكرية على نشرها سابقاً. وقد نقلوا إلى الخزنات وثائق تم الكشف عن فحواها في أبحاث أجراها مؤرخون إسرائيليون.
وحول إخفاء هذه الوثائق بعد أن تم نشرها في الماضي، اعترف يحيئيل حورف رئيس جهاز الأمن السابق الذي أنهى مهامه عام 2007، أن الغاية من إخفاء الوثائق هي تقويض مصداقية أبحاث حول تاريخ قضية اللاجئين الفلسطينيين. وبحسب تقرير لصحيفة هآرتس بتاريخ 5/7/2019 ، كانت بداية إخفاء الوثائق ومحاولات طمس تاريخ النكبة في شهر أيار 2015، عندما عثرت المؤرخة تمار نوفيك في ارشيف "يديعري" في كيبوتس غفعات حبيبا التابع لحزب مبام. وتحدثت الوثيقة عن مجزرة ارتكبها الجيش الإسرائيلي بحق سكان قرية الصفصاف الفلسطينية في الجليل، والتي احتلت في نهاية عام 1948. وثمة وثيقة أخرى كتبها ضابط في خدمة المعلومات أي جهاز المخابرات التابع لمنظمة الهاغاناه الصهيونية، وثقت ظروف خلو فلسطين من سكانها العرب، وتطرقت إلى واقع كل قرية. وقد كتبت الوثيقة في نهاية حزيران 1948، تحت عنوان " حركة هجرة عرب أرض إسرائيل". ووصف كاتب الوثيقة أسباب الهجرة العربية، وأن 70 في المئة من العرب غادروا فلسطين بتأثير من العمليات العسكرية الإسرائيلية، وهذا يتناقض مع مزاعم إسرائيل بأن قضية اللاجئين سببها دعوة جهات سياسية عربية للفلسطينيين بمغادرة فلسطين.
ويؤكد الباحث الإسرائيلي إيلان بابيه من خلال الوثائق أن الفلسطينيين لم يغادروا بيوتهم بمحض إرادتهم، بل تعرضوا للطرد، وإن الخطة "دالت" التي وضعتها عصابة "الهاغاناه" كانت الخطة الرئيسة لطرد الشعب الفلسطيني. ولم يعد هناك مجال للجدل حول حقيقة ارتكاب إسرائيل جرائم التطهير العرقي في سنة 1948. ويقول بابيه في كتابه الشهير "التطهير العرقي في فلسطين" وهو الوصف الدقيق لما جرى في فلسطين: (إن فكرة التطهير العرقي ولدت مع نشوء الصهيونية التي خططت لتطبيق برنامجها في غضون ستة أشهر، لكنها تمكنت في كثير من الأحيان بأقل من ذلك بكثير). ويقول أحد المؤرخين الجدد البروفيسور آفي شلايم: "نحن – بيني موريس وإيلان بابيه وأنا- مؤرخون تلقينا تدريباً غربياً، ونقّبنا في الأرشيف لنكتشف أدلة تجريبية تثبت طرد إسرائيل للفلسطينيين في العام 1948. فاللاجئون الفلسطينيون لم يغادروا طواعية؛ بل دُفعوا للخروج من أرضهم بالقوة".
ومنذ عام 1948عمدت إسرائيل إلى إنكار النكبة، ورفضت الاعتراف بقرار الجمعية العامة للأمم المتحدة 194 الذي يقضي بوجوب السماح بعودة اللاجئين الفلسطينيين إلى ديارهم في أقرب وقت ممكن. وللالتفاف على قرار العودة، اتخذت الأمم المتحدة قراراً مضللاً يرفض إشراك "منظمة اللاجئين الدولية" في التعامل مع نتائج النكبة، وإنما إنشاء وكالة خاصة للاجئين الفلسطينيين "الأونروا" عام 1949. وبحسب إيلان بابيه، "كانت إسرائيل والمنظمات اليهودية في الخارج وراء القرار، من أجل إبقاء منظمة اللاجئين الدولية خارج الصورة، وهذه المنظمة بالذات هي التي ساعدت اللاجئين اليهود في أوروبا عقب الحرب العالمية الثانية". والواضح أن الهدف من استبعاد منظمة اللاجئين الدولية، هو عدم الاعتراف بحق العودة للاجئين الفلسطينيين، وعدم استعداد إسرائيل لتحمل أية مسؤولية، قانونية أو أخلاقية، عن التطهير العرقي الذي ارتكبوه في سنة 1948، لأن هذه المنظمة تُعنى بتطبيق حق العودة كأول خيار يحق للاجئين ممارسته. أما وكالة "الأونروا" فلم تكن ملتزمة بعودة اللاجئين، ومهمتها تنحصر في الاهتمام بشؤون اللاجئين اليومية وتقديم الخدمات الانسانية والاجتماعية فقط.
وعليه، إن إنكار إسرائيل المستمر للنكبة يرتبط بوجود إحساس حقيقي بالخوف، وموقف عنصري عميق الجذور تجاه العرب. لكن مهما حاولت إسرائيل قمع ذكرى النكبة ومنع إحيائها، فإنها تتعاظم مع الأيام، وكل جيل من الفلسطينيين يتمسك بها أكثر من سابقيه، وإن جرح النكبة لن يلتئم، طالما أن الجريمة الكبرى التي ارتكبت سنة 1948 مستمرة، وتتجدد مع كل جريمة إبادة وتطهير عرقي ضد الشعب الفلسطيني.

