في كل مرة تظن إسرائيل أنها نجحت في فرض معادلة جديدة بالقوة العسكرية، تأتي التطورات اللاحقة لتؤكد أن الشرق الأوسط ما يزال عصيًا على الإخضاع الكامل. هذا ما برز مجددًا بعد القصف الإسرائيلي الأخير للضاحية الجنوبية في بيروت، وما عكسته ردود الفعل الإقليمية التي أعقبته، وفي مقدمتها الرد الإيراني الذي حمل أبعادًا سياسية وعسكرية تجاوزت حدود المواجهة المباشرة.
ما جرى لم يكن مجرد تبادل للضربات، بل محطة جديدة في صراع مفتوح على مستقبل المنطقة بأسرها. فالمواجهة لم تعد تدور حول غزة أو لبنان أو إيران كلٌ على حدة، بل باتت تعكس صراعًا بين رؤيتين متناقضتين: الأولى تسعى إلى تكريس التفوق الإسرائيلي إقليميًا بدعم أمريكي، والثانية تعمل على منع احتكار القوة وفرض توازنات ردع تحول دون هيمنة طرف واحد على المنطقة.
إسرائيل: انقسام داخلي وإجماع استراتيجي
قد يوحي المشهد السياسي الإسرائيلي بوجود انقسامات حادة بين الحكومة والمعارضة، وهو أمر صحيح فيما يتعلق بالملفات الداخلية والصراعات الحزبية والشخصية. إلا أن هذه الانقسامات تتراجع بصورة ملحوظة عندما يتعلق الأمر بالقضايا الأمنية الكبرى، وعلى رأسها إيران وغزة ولبنان.
فالخلاف بين القوى السياسية الإسرائيلية يتركز غالبًا على أساليب إدارة الصراع وأدواته، لا على الأهداف الاستراتيجية الأساسية. إذ يتقاطع معظم الطيف السياسي الإسرائيلي عند اعتبار إيران التحدي الإقليمي الأبرز، وعند السعي لإضعاف القوى الفلسطينية المسلحة وتقليص نفوذ حزب الله وقدراته العسكرية والسياسية.
لذلك لم تؤدِّ التغييرات المتعاقبة في الحكومات الإسرائيلية خلال العقود الماضية إلى تحولات جوهرية في السياسات الإقليمية، بقدر ما انعكست في اختلاف الخطاب والوسائل المستخدمة لتحقيق الأهداف ذاتها.
قصف الضاحية: رسائل متعددة الاتجاهات
لم يكن استهداف الضاحية الجنوبية مجرد عملية عسكرية محدودة، بل حمل رسائل سياسية وأمنية متعددة. فالضاحية تمثل مركزًا رمزيًا وشعبيًا مهمًا لحزب الله، واستهدافها يكتسب أبعادًا تتجاوز الجانب الميداني المباشر.
ومن خلال هذه العملية سعت إسرائيل إلى التأكيد على قدرتها على المبادرة وتحديد سقف التصعيد، وإلى إظهار استعدادها لتوسيع نطاق المواجهة إذا رأت أن ذلك يخدم مصالحها الاستراتيجية.
غير أن هذه الرسائل اصطدمت بواقع إقليمي مختلف عمّا كان عليه قبل سنوات، حيث أصبحت جبهات الصراع أكثر ترابطًا، وأي تصعيد في ساحة معينة بات مرشحًا لإنتاج تداعيات تتجاوز حدودها الجغرافية.
واشنطن بين الدعم والاحتواء
في المقابل، تبدو الحسابات الأمريكية أكثر تعقيدًا. فالإدارة الأمريكية، رغم التزامها التقليدي بدعم إسرائيل، لا تبدو متحمسة لخوض مواجهة إقليمية واسعة النطاق.
وتعود هذه المقاربة إلى اعتبارات متعددة، منها المخاوف من انعكاسات أي حرب شاملة على الاقتصاد العالمي وأسواق الطاقة، إضافة إلى تراجع الحماسة داخل الرأي العام الأمريكي تجاه الانخراط في صراعات طويلة ومكلفة خارج الحدود.
كما أن الاستحقاقات السياسية الداخلية والاعتبارات الاقتصادية تدفع واشنطن إلى تفضيل سياسات الاحتواء ومنع الانفجار الشامل، حتى مع استمرارها في توفير الدعم السياسي والعسكري لحلفائها.
الرد الإيراني ومحاولة تثبيت الردع
جاء الرد الإيراني ليؤكد أن طهران لا تنظر إلى التطورات في لبنان باعتبارها شأناً منفصلاً عن منظومتها الأمنية والاستراتيجية الأوسع. ومن هذا المنطلق حمل الرد رسالة مفادها أن استهداف حلفائها لن يمر من دون رد، وأن قواعد الاشتباك لا يمكن أن تُفرض من جانب واحد.
كما سعت إيران من خلال ردها إلى إظهار أن الضغوط العسكرية والعقوبات والاغتيالات التي تعرض لها حلفاؤها خلال السنوات الأخيرة لم تؤدِ إلى إنهاء قدرتهم على التأثير أو المبادرة.
وفي الوقت نفسه، حملت الرسالة الإيرانية بُعدًا سياسيًا موجهًا إلى الولايات المتحدة، مفاده أن أي محاولة لإعادة رسم التوازنات الإقليمية بالقوة ستواجه بردود فعل متعددة الساحات والجبهات.
حزب الله بين الضغوط والاستمرارية
رغم الضغوط العسكرية والاقتصادية والسياسية التي تعرض لها حزب الله خلال السنوات الأخيرة، فإنه ما زال يشكل لاعبًا مؤثرًا في المشهد اللبناني والإقليمي.
وقد راهنت أطراف عديدة على أن هذه الضغوط ستدفع الحزب إلى تقليص دوره أو تعديل أولوياته الاستراتيجية، إلا أن التطورات الأخيرة تشير إلى استمرار تمسكه بخياراته الأساسية، وإلى اعتباره نفسه جزءًا من مشروع إقليمي أوسع يتجاوز الإطار اللبناني.
كما يواصل الحزب التأكيد على أن أي استقرار دائم لا يمكن أن يقوم على موازين قوة مختلة أو ترتيبات تُفرض تحت الضغط، بل على معادلات توازن تضمن مصالح مختلف الأطراف.
من سياسة الردع إلى محاولة فرض الوقائع
من أبرز التحولات التي تشهدها المنطقة اليوم الاتجاه الإسرائيلي المتزايد نحو توسيع نطاق العمليات العسكرية والسعي إلى فرض وقائع جديدة على الأرض، بدل الاكتفاء بسياسات الاحتواء والردع التقليدية.
ويعتقد أنصار هذا التوجه داخل إسرائيل أن الظروف الحالية تتيح فرصة لإعادة تشكيل البيئة الأمنية والسياسية الإقليمية بصورة تضمن تفوقًا استراتيجيًا طويل الأمد.
إلا أن تجارب العقود الماضية تشير إلى أن التفوق العسكري وحده لا يكفي لتحقيق الاستقرار السياسي، وأن المجتمعات والقوى المحلية غالبًا ما تطور أدوات جديدة للمقاومة والتكيف مع المتغيرات.
هل يستعيد محور المقاومة زخمه؟
تعرض محور المقاومة خلال السنوات الماضية لسلسلة من التحديات والضربات المؤثرة، إلا أن الحديث عن انتهاء دوره يبدو سابقًا لأوانه.
فهذا المحور نشأ وتطور في بيئات شديدة التعقيد، واستطاع عبر سنوات طويلة بناء شبكات من التحالفات والقدرات العسكرية والسياسية. واليوم يعيد الرد الإيراني الأخير طرح التساؤلات حول إمكانية استعادة جزء من توازنه ودوره الإقليمي خلال المرحلة المقبلة.
ورغم التحديات الكبيرة التي يواجهها، فإنه ما يزال يمتلك عناصر قوة متعددة، من بينها الامتداد الشعبي في بعض الساحات، والقدرة على العمل عبر جبهات مختلفة، إضافة إلى قناعة راسخة لدى مكوناته بأن الصراع الإقليمي لم يصل بعد إلى مرحلة الحسم النهائي.
تقف المنطقة اليوم أمام مرحلة مفصلية تتداخل فيها الحسابات العسكرية والسياسية والإقليمية. فإسرائيل ترى في اللحظة الراهنة فرصة لتعزيز موقعها وإعادة تشكيل بيئتها الأمنية، فيما تحاول الولايات المتحدة الموازنة بين دعم حلفائها وتجنب الانزلاق إلى حرب واسعة. أما قوى المقاومة فتسعى إلى إثبات أن الضغوط والضربات التي تعرضت لها لم تُنهِ قدرتها على التأثير والمبادرة.
وفي ظل هذا المشهد المعقد، تبدو المنطقة مقبلة على مرحلة مفتوحة الاحتمالات، حيث لم تُحسم موازين القوى بصورة نهائية، وما تزال مختلف الأطراف تمتلك القدرة على التأثير في مسار الأحداث وتشكيل ملامح المرحلة المقبلة.

