ثلاثة أعوام مضت، والموظف الفلسطيني في القطاع العام يقف على حافة الانتظار، لا يعرف أهو موظف يتقاضى أجرا على عمله أم متسول محترف يتقن فن الوقوف في طوابير الرجاء. ثلاثة أعوام وهو يتلقى أشباه الرواتب كما يتلقى المريض جرعات المسكنات التي لا تعالج المرض بل تؤجل الانهيار... ثلاثة أعوام من الوعود والبيانات والخطب والتبريرات، حتى أصبحت الكلمات أرخص من الورق الذي تكتب عليه، وأصبح الصمود شعارا يرفع في وجه الجائعين كلما ضاقت الأحوال، وكأن الصمود تحول من قيمة وطنية نبيلة إلى وصفة سحرية تلقيها الحكومات على الناس كلما عجزت عن إيجاد الحلول...
في هذا الوطن المثقل بالجراح، لم يعد الموظف يفتح هاتفه مترقبا رسالة البنك التي تعلن نزول راتبه، بل يفتحه مترقبا حجم الخسارة الجديدة، وحجم الاقتطاع الجديد، وحجم الإهانة الجديدة. صار الراتب حدثا استثنائيا، وصارت الحياة الطبيعية حلما بعيد المنال ... الموظف الذي كان قبل سنوات يخطط لمستقبل أبنائه، بات اليوم يخطط لكيفية النجاة حتى نهاية الشهر، وكيف يوزع ما تبقى من الفتات بين الدواء والغذاء والكهرباء والماء ورسوم المدارس وأقساط الجامعات...
والمشهد الأكثر قسوة أن هذا الموظف الذي أفنى عمره في خدمة المؤسسات العامة، وجد نفسه فجأة مطاردا من الجميع ... البنك يطارده لأنه يريد قسطه كاملا غير منقوص، وشركات التمويل تلاحقه كما يلاحق الصياد فريسته الجريحة، وفواتير الكهرباء تتراكم كجبال فوق صدره، وفواتير المياه تذكره كل شهر بعجزه، وشركات الاتصالات لا يعنيها شيء من قصص الصمود والخطابات الوطنية، والمدارس الخاصة تنتظر أقساطها، والجامعات تريد رسومها، والصيدليات تريد أثمان الأدوية، وصاحب البقالة الذي كان يمنحه مهلة أصبح هو نفسه غارقا في الديون... لقد تحول الموظف في كثير من الأحيان من مواطن منتج إلى إنسان يعتذر طوال الوقت... يعتذر للبقال، ويعتذر لصاحب المنزل، ويعتذر لابنته التي تحتاج مصروفا، ويعتذر لابنه الذي يريد كتابا جامعيا، ويعتذر لزوجته التي تؤجل احتياجات البيت مرة بعد أخرى .. حتى صار الإعتذار وظيفة موازية لوظيفته الأصلية.
أما أولي الأمر فينا، فقد اتقنوا فن الحديث عن الأزمات أكثر مما اتقنوا فن حلها... كل عام يحملون للناس الأسباب ذاتها، والذرائع ذاتها، والتفسيرات ذاتها، وكأن الزمن توقف عند نقطة واحدة. الاحتلال سبب، والاقتطاعات سبب، والظروف الإقليمية سبب، والأزمات المالية سبب، وكل ذلك قد يكون صحيحا، لكن السؤال الذي يطارد العقول .. ماذا فعلتم خلال ثلاثة أعوام؟ وأين هي الخطط؟ وأين هي البدائل؟ وأين هي الرؤى؟ وكيف تحولت الأزمة من ظرف استثنائي إلى نمط حياة دائم؟ لقد ظهر في هذه المرحلة أمراء المرحلة، أولئك الذين يجلسون في الأبراج العالية ويتحدثون عن الصمود من خلف النوافذ المغلقة... يطلبون من الناس مزيدا من التحمل، بينما لم يشرحوا لهم إلى متى سيستمر هذا التحمل... يطالبون الموظف بالصبر، لكنهم لا يقدمون له سوى المزيد من المواعيد المؤجلة... يطالبونه بالثبات، لكنهم لا يخبرونه لماذا لا تهتز مواقعهم هم تحت وطأة الفشل المستمر.
وفي زوايا المشهد يقف ملوك الجماعات والاقطاعيات الجديدة، أولئك الذين حولوا الشأن العام إلى مساحات نفوذ ومصالح ومناطق مغلقة... تتصارع الجماعات على الحصص والمواقع والمكاسب، بينما الموظف البسيط يحاول إقناع ابنه بأن الجامعة ستنتظر قليلا، ويحاول إقناع صاحب البيت بأن الإيجار سيتأخر شهرا جديدا، ويحاول إقناع نفسه قبل الجميع بأن الغد ربما يكون أفضل.
المفارقة المؤلمة أن الموظف لم يعد يخشى الفقر فقط، بل صار يخشى الكرامة المهددة كل يوم. فالفقير قد يتألم من قلة المال، أما الموظف الذي كان يظن نفسه مستقرا ثم وجد نفسه عاجزا عن الوفاء بالتزاماته، فهو يتألم من شيء أعمق. يتألم من شعوره المتكرر بالعجز، يتألم حين يرى نظرات الدائنين، يتألم حين يتجنب الرد على الاتصالات، يتألم حين يتحول هاتفه إلى مصدر للقلق لا وسيلة للتواصل، يتألم حين يكتشف أن سنوات الخدمة الطويلة لم تحمه من الانكسار.
لكن الحقيقة التي يجب أن تقال أيضا أن المسؤولية لا تقع كلها على الحكومات وحدها. فالموظفون أنفسهم يتحملون جزءا من المشهد، ليس لأنهم سبب الأزمة، بل لأنهم قبلوا طويلا أن يكونوا ضحايا صامتين. قبلوا أن تتحول المعاناة إلى أمر اعتيادي. قبلوا أن يصبح نقص الراتب خبرا عاديا، قبلوا أن يكتفوا بالشكوى في المجالس الخاصة بينما يلوذون بالصمت في الفضاء العام، فالصمت الطويل لا يحل الازمات، بل يمنحها عمرا إضافيا.
وكذلك الشعب الخانع الساكت الذي اعتاد التعايش مع كل شيء، شعب يثور على فاتورة صغيرة لكنه يصمت أمام انهيار منظومة كاملة، شعب يلعن الظروف في الجلسات الخاصة ثم يعود إلى حياته وكأن شيئا لم يكن. شعب استهلكته الخيبات حتى أصبح يعتبر المعاناة قدرا لا يمكن تغييره. وهذه أخطر مراحل الانكسار، حين يتحول الظلم من حالة طارئة إلى واقع مقبول، وحين يصبح الاستثناء قاعدة، وحين يفقد الناس قدرتهم على الغضب.
إن الأمم لا تنهار فقط بسبب قلة المال، بل تنهار عندما تفقد حساسيتها تجاه الأزمات. تنهار عندما يصبح الجوع خبرا عاديا، والعجز أمرا طبيعيا، والديون جزءا من الهوية اليومية. تنهار عندما يتعود الناس على تلقي الضربات دون أن يسألوا من المسؤول، تنهار عندما يتحول المواطن إلى رقم في كشوفات العجز المالي، لا إلى إنسان له حياة وحقوق وكرامة.
وها هو الموظف الفلسطيني يقف اليوم في منتصف الطريق بين واجبه وحقه، يؤدي ما عليه قدر استطاعته، بينما حقه يتآكل شهرا بعد شهر. يذهب إلى عمله كل صباح حاملا همومه فوق كتفيه، ويعود مساء محملا بالمزيد منها. لا يملك رفاهية الاستقالة، ولا يملك قدرة المواجهة، ولا يجد من ينقذه من دوامة الاستنزاف المستمرة.
لقد أصبح السؤال الأكبر ليس متى تصرف الرواتب كاملة، بل كيف سمحنا جميعا بأن نصل إلى هذه النقطة؟ كيف تحولت أزمة مؤقتة إلى واقع مزمن؟ كيف صار الموظف الذي كان يمثل الطبقة الوسطى عماد المجتمع، يقف اليوم على أبواب البنوك وشركات التمويل باحثا عن مهلة جديدة؟ كيف تحول الإنسان الذي خدم مؤسسات بلاده سنوات طويلة إلى شخص يلاحقه الدين من كل اتجاه؟
ثلاثة أعوام من الانتظار تكفي كي يشيخ الحلم، وثلاثة أعوام من الوعود تكفي كي تفقد الكلمات معناها، وثلاثة أعوام من الصمود القسري تكفي كي يتحول الصمود نفسه إلى عبء ثقيل. ولذلك لم يعد المطلوب خطابات جديدة، ولا بيانات جديدة، ولا تفسيرات جديدة. المطلوب صدق في مواجهة الحقيقة، وشجاعة في تحمل المسؤولية، وإرادة حقيقية للخروج من هذا النفق الطويل... فالأوطان لا تبنى بالشعارات وحدها، ولا تستقيم بإدارة الأزمات فقط، ولا تحفظ كرامة مواطنيها عبر مطالبتهم الدائمة بالصبر. الأوطان تبنى حين يشعر المواطن أن تعبه ليس رخيصا، وأن كرامته ليست بندا مؤجلا، وأن حقوقه ليست منحة تعطى حين تتيسر الظروف، وحتى يتحقق ذلك سيبقى الموظف الفلسطيني شاهدا حيا على واحدة من أكثر المراحل قسوة في تاريخه، مرحلة وجد فيها نفسه عالقا بين مطرقة الحاجة وسندان الوعود، وبين واقع يزداد قسوة كل يوم وخطابات لا تزداد إلا تكرارا.
ولعل أخطر ما يمكن أن يحدث بعد كل هذا الخراب، أن يعتاد الناس عليه، وأن يتحول الجوع إلى تفصيل يومي، وأن يصبح الذل المالي قدرا يورث من شهر إلى شهر ومن عام إلى عام. لذلك لم يعد مقبولا أن يبقى الجميع أسرى الانتظار، ينتظرون معجزة من السماء أو حلا يهبط من خلف الأبواب المغلقة. لم يعد مقبولا أن يبقى الموظفون والشعب وقودا لحروب الآخرين وحساباتهم ومصالحهم ومساوماتهم.
لقد آن الأوان لأن يرتفع الصوت عاليا في وجه الجميع، في وجه كل من أوصل الناس إلى هذا الدرك من العجز والإنهاك، في وجه الحكومات التي أدمنت إدارة الأزمة بدل حلها، وفي وجه أولي الأمر فينا الذين طالما طالبوا الناس بالصمود بينما تركوهم فرائس للجوع والديون، وفي وجه أمراء المرحلة وملوك الجماعات والإقطاعيات الذين انشغلوا بتقاسم النفوذ فيما كان المواطن يتقاسم لقمة الخبز مع الخوف. وإذا كان الاحتلال هو أصل البلاء ومنبع الحصار والتجويع والخنق الاقتصادي، فلتكن الصرخة أيضا في وجه الاحتلال، ولتكن المواجهة معه قبل غيره، لا بالشعارات وحدها بل بالفعل والرفض والغضب المشروع. فالجوع لا يعرف الانتماءات الضيقة، والفقر لا يفرق بين فصيل وآخر، والكرامة المهدورة لا تسأل صاحبها عن موقعه أو لونه أو شعاره. المطلوب اليوم ليس مزيدا من الصمت ولا مزيدا من التبرير، بل انتفاضة وعي قبل كل شيء، انتفاضة كرامة في وجه كل من شارك بالفعل أو بالصمت أو بالعجز في صناعة هذا الواقع البائس. فالشعوب التي تسكت طويلا على الجوع تصبح شريكة في استمراره، والشعوب التي تخاف من رفع صوتها تفقد حقها في الشكوى من صدى القيود. وما بين جوع يفرضه الاحتلال وعجز تصنعه السياسات وصمت يكرسه الخوف، لا يبقى أمام الناس سوى أن يستعيدوا صوتهم وحقهم وغضبهم، وأن يعلنوا بوضوح أن الكرامة ليست بندا قابلا للتأجيل، وأن الإنسان الذي يطالبونه كل يوم بالصمود لم يخلق ليعيش متسولا على أبواب البنوك وشركات التمويل، بل مواطنا حرا كريما في وطن يستحق الحياة. وعندما يصل الناس إلى الحافة الأخيرة من الاحتمال، تصبح الثورة على كل أسباب القهر ليست خيارا سياسيا ولا موقفا حزبيا، بل فعلا من أفعال البقاء، وصرخة وجود في وجه كل من ظن أن هذا الشعب قد اعتاد الإنكسار.

