Menu

تقرير"غزة بلا هدوء".. الاحتلال يدير النار بأشكال متجددة تحت غطاء الهدنة

أحمد زقوت

خاص_بوابة الهدف الإخبارية - قطاع غزة

يعيش سكانُ قطاع غزّةَ حالةً من الرعب المستمر في ظل استمرار خروقات الاحتلال "الإسرائيلي" لاتفاق وقف إطلاق النار المعلن في أكتوبر/تشرين الأول 2025؛ إذ سُجّل منذ ذلك الحين نحو 3269 خرقًا، أسفرت عن استشهاد نحو ألف فلسطيني وإصابة 3138 آخرين، إضافةً إلى 95 حالة اعتقال، وفقَ بياناتٍ رسميّة.

استهدافات متكرّرة

ورغم توقّف التوغلات البريّة الواسعة النطاق، يواصل جيشُ الاحتلال تنفيذَ قصفٍ جويٍّ ومدفعيٍّ متقطّعٍ بشكلٍ يومي، ما أدى إلى سقوط مئات الضحايا وتكرار الاستهدافات في مناطقَ مختلفةٍ من القطاع، بما في ذلك الأحياء السكنية وخيام النازحين ومقارّ مدنيّة ومراكز الشرطة.

وتتخذ هذه الخروقات أشكالًا متعددة، أبرزها الاغتيالات والاستهدافات الجوية، إلى جانب أوامر الإخلاء وموجات النزوح المتكررة. كما يتوسّع الاحتلال فيما يُعرف بـ"الخطوط المتحركة" (الصفراء والبرتقالية)، التي باتت تسيطر على نحو 70% من مساحة القطاع، في سياق إعادة تشكيل الواقع الميداني وتقليص المساحة المتاحة للسكان.

في موازاة ذلك، يواصل الاحتلال فرضَ حصارٍ مشدّدٍ عبر تقنين إدخال المساعدات؛ إذ لم يسمح بدخول سوى 52,740 شاحنةً من أصل 147,000 شاحنة متّفق عليها؛ أي بنسبةٍ لا تتجاوز 36%، ما فاقم أزمة نقص المياه والغذاء والاحتياجات الأساسية.

هدوء زائف وتصعيد مستمر

ويقول سكانٌ من القطاع إن ما يُسمى "بالهدنة" لا تعكس هدوءًا فعليًّا، بل يشكّل حالةً من "إدارة النار" تحت سقفٍ منخفضٍ من التصعيد، حيث تستمر عمليات القصف والنسف بشكلٍ متقطّعٍ وتتحوّل الحرب إلى نمطٍ أقلّ حدة لكنه مستمر.

في مخيم جباليا شمال القطاع، يصف الشاب أحمد حلاوة الواقع لـ "بوابة الهدف" بأنّه "ترقب دائم للخطر"، مؤكدًا أنّ القصف يتجدد بين حين وآخر، وأنّ الحياة باتت تُدار على وقع الانفجارات وفقدان الشعور بالأمان، إضافةً إلى تفاقم أزمة المياه نتيجةَ تدمير البنية التحتية.

وفي السياق ذاته، تقول النازحة روان العطار من بيت لاهيا لـ "الهدف" إنّ التنقل القسري بين مراكز الإيواء بات واقعًا متكررًا بفعل الإخلاءات والقصف، مشيرة إلى ارتفاع حاد في الأسعار وتراجع المساعدات الإنسانية، ما يفاقم معاناة آلاف العائلات مع الجوع ونقص الإمدادات.

أما الفلسطيني محمود العمرين فيشير في حديثه لـ "الهدف" إلى أنّ معاناة السكان تمتد إلى ملف السفر والعلاج، موضحًا أن إغلاق المعابر يعرقل سفر المرضى، بينهم ابنه المصاب، في ظل عجز المنظومة الصحية ونقص الإمكانيات الطبية داخل القطاع.

تراجع الاستقرار

من جهته، يرى فادي قاسم أنّ الاستهداف المتكرر لجهاز الشرطة، إلى جانب بروز مجموعات خارجة عن القانون، يسهم في خلق فراغٍ أمني متزايد داخل قطاع غزة، الأمر الذي يؤدي إلى تراجع مستويات الاستقرار الداخلي، ما ينعكس سلبًا على تعقيد المشهد المعيشي ويزيد من صعوبة الحياة اليومية للسكان.

ويقول قاسم لـ "الهدف" إنّ استمرار القصف، وتقييد إدخال المساعدات الإنسانية، إلى جانب تدهور الخدمات الأساسية، يُبقي سكان القطاع عالقين في واقعٍ إنساني شديدِ الضغط، مشيرًا إلى أنّ أشكال الحرب تتغير لكنها لا تتوقف فعليًّا، ما يكرّس حالة استنزاف مستمرة للمدنيين.

حرب استنزاف مُدارة

يرى مراقبون أنّ ما يجري في غزة يعكس تصعيدًا مُدارًا ضمن تهدئة غير مستقرة، تُستخدم فيه أدوات عسكرية وإنسانية وأمنية لإعادة تشكيل الواقع الميداني، عبر تقليص المناطق الآمنة وإضعاف البنية الخدمية، ما يعيق التعافي ويزيد من تدهور الأوضاع المعيشية والصحية، مع استمرار ارتفاع أعداد الضحايا.

بدوره، يؤكد المحلل السياسي عادل ياسين أنّ ما يجري في قطاع غزة بعد إعلان وقف إطلاق النار لا يمكن اعتباره تهدئةً حقيقية، بل هو شكل من "إدارة النار" بأدوات مختلفة، حيث انتقل الاحتلال من الحرب المفتوحة إلى نمط استنزاف منخفض الحدة لكنه مستمر.

ويضيف ياسين في حديثه مع "بوابة الهدف" أنّ استمرار الخروقات، سواء عبر القصف المحدود أو الاستهدافات الجوية وأوامر الإخلاء، يعكس محاولة لفرض واقعٍ ميداني جديدٍ دون العودة إلى اجتياحات واسعة، ما يُبقي حالة الخوف والضغط قائمةً داخل المجتمع الفلسطيني.

ويرى أنّ تشديد الحصار وتقنين إدخال المساعدات لا ينفصل عن هذا المسار، بل يشكل جزءًا من أدوات الضغط السياسي والإنساني، بما يفاقم الأزمة المعيشية ويعمّق هشاشة الاستقرار.

ويشير المحلل السياسي إلى أنّ تراجع الخدمات وتآكل البنية الأمنية داخل القطاع يفتح المجال أمام فراغاتٍ داخليّةٍ تزيد من تعقيد المشهد، وتجعل الحياة اليومية مرهونةً بتقلبات الوضع الأمني أكثر من أي اتفاقٍ سياسي معلن.

ويخلص ياسين إلى أن غزة تعيش مرحلة "ما بعد الحرب الشاملة"، لكنها ليست سلامًا، بل إعادة تشكيلٍ للصراع بوسائل أقل ضجيجًا وأكثر استنزافًا.

مايو الأسوأ.. انهيار الخدمات الحيوية

وتُظهر المتابعات الميدانية لـ "مؤسسة الضمير لحقوق الإنسان" أنّ شهر مايو/أيار الماضي يُعد من أسوأ الأشهر التي شهدها قطاع غزة منذ وقف إطلاق النار، في ظل تراجع حاد في إدخال المساعدات وتدهور منظومة الغذاء والنقل.

وبحسب ما نقلته عن مدير مكتب الإعلام الحكومي في غزة، إسماعيل الثوابتة، فقد سُجل انخفاض كبير وغير مسبوق في حجم المساعدات الإنسانية، حيث لم تتجاوز نسبة الشاحنات الداخلة 37% من المتفق عليه، فيما لم يتعدَّ إدخال الوقود 14% فقط، ما أدى إلى تعطّلٍ واسعٍ في الخدمات الأساسيّة.

وبحسب الضمير، أدى هذا التراجع إلى تفاقم حالة المجاعة وارتفاع معدلات سوء التغذية، خصوصًا بين الأطفال والنساء الحوامل وكبار السن، إضافة إلى تقليص برامج الدعم الغذائي الدولية، واستمرار أزمة نقص غاز الطهي والوقود اللازم لتشغيل آبار المياه والمخابز والمستشفيات.

وفي السياق ذاته، يواصل الاحتلال منع إدخال قطع الغيار والمواد الميكانيكية تحت ذريعة "الاستخدام المزدوج"، بما في ذلك زيوت المحركات، ما تسبب بشلل كبير في قطاع النقل والخدمات الطارئة. وتشير معطيات ميدانية إلى أن سعر لتر زيت السيارات ارتفع بشكل غير مسبوق ليصل إلى نحو 900 دولار، مقارنة بـ 72 دولارًا قبل الحرب.

وتنعكس هذه الأزمة بشكل مباشر على عمل سيارات الإسعاف والدفاع المدني والمولدات الكهربائية في المستشفيات، ما يهدد استمرارية الخدمات الصحية ويعرض حياة آلاف المرضى والجرحى للخطر.

الموت البطيء

من جهته، يؤكّد المتحدث باسم الدفاع المدني في قطاع غزة محمود بصل، أنّ ما يجري على الأرض لا يعكس وقفًا حقيقيًّا لإطلاق النار، مشيرًا إلى استمرار خروقات الاحتلال بشكلٍ يومي، عبر القصف والاستهدافات والنسف في مناطقَ متفرقةٍ من القطاع.

ويوضح بصل لـ "الهدف" أنّ ما وصفه بـ "إدارة النار" تحت غطاء الهدنة يضع السكان في حالة خوفٍ دائم، ويحوّل حياتهم إلى سلسلةٍ متواصلةٍ من الطوارئ، في ظل ضعف إمكانات الطواقم الإنسانية وصعوبة الاستجابة للاحتياجات المتزايدة.

ويحذر من تفاقم الأوضاع الإنسانية إلى مستوياتٍ كارثية، مع استمرار النزوح وتدهور البنية التحتية ونقص المواد الأساسية، مؤكدًا أن القطاع يعيش حالة استنزافٍ مستمرٍّ رغم إعلان وقف إطلاق النار.

ويشير إلى تسجيل أكثر من 3 آلاف خرقٍ منذ بدء الهدنة، أسفرت عن نحو ألف شهيد ونحو 3 آلاف مصاب، بينهم نسبةٌ مرتفعةٌ من الأطفال والنساء، إضافةً إلى استمرار العجز في الاستجابة بسبب نقص الوقود والمعدات وقطع الغيار.

كما ينبّه بصل إلى مخاطرَ متزايدةٍ مع اقتراب فصل الصيف، خاصةً في مراكز الإيواء المكتظة، نتيجةَ نقص المياه وغاز الطهي وارتفاع احتمالات الحرائق بسبب استخدام بدائلَ بدائيّة.

ويشدّد المتحدث أنّ استمرار هذا الواقع يهدد سكان القطاع بما وصفه بـ "الموت البطيء"، في ظل تدهور الخدمات الأساسية وغياب استجابةٍ دوليّةٍ كافية.

في المحصّلة، يعكس الواقع في قطاع غزة استمرار استنزاف إنساني وأمني رغم وقف إطلاق النار، مع تواصل الخروقات وتدهور الأوضاع المعيشية والخدمية؛ إذ بين الحصار وضعف الاستجابة الدولية، تتعمّق معاناة السكان وتبقى الأزمة مفتوحةً على مزيدٍ من التدهور.