Menu

النكبة الفلسطينية بين طرح الواقع وغياب البديل قراءة في "مصائر" ربعي المدهون

د. نهلة راحيل

نشر في مجلة الهدف العدد (83) (1557)

تهتم السرديات الفلسطينية بالبحث المتجدد عن معنى النكبة وتداعياتها، وتسعى دائما إلى تجاوز القصص التقليدية عن النفي والشتات من أجل محاولة فهم التحولات التي شهدها المجتمع الفلسطيني قبل النكبة وخلالها وبعدها، حتى يمكن القول إن هذه السرديات لم تعد تقتصر على تقديم تأريخ بديل للطرد والتهجير والقرى المدمرة، بل أصبحت تعالج أيضا العلاقات المتغيرة داخل المجتمع الفلسطيني- سياسيا واجتماعيا وثقافيا- عقب النكبة بصورة أكثر عمقا، وتحاول استشراف أحوال الفلسطينيين سواء من استطاع منهم البقاء داخل الوطن أو من هُجروا من أراضيهم.

يسرد الكاتب الفلسطيني الشهير "ربعي المدهون" في روايته "مصائر، كونشرتو الهولوكوست والنكبة" (2015) تغريبة فلسطينية شاملة ترجع إلى زمن النكبة وتمتد إلى الشتات الفلسطيني في بلدان عدة خارج الوطن، ويصور اغتراب الفلسطيني الذي اختار البقاء داخله. وقد عمد الكاتب إلى تفسير "النكبة" على ضوء "الهولوكوست"، بداية من العنوان الفرعي لروايته؛ في صيغة توضح أنه لا مكان في ذاكرة اليهودي للألم الفلسطيني، ولا مكان في الذاكرة الفلسطينية لـ"هولوكوست" ليست مسؤولة عنه.

وهو ما أوضحه المدهون فى حوار له توقع خلاله أن تواجه "مصائر" هجومًا إسرائيليًّا بعد وصولها للقائمة القصيرة للبوكر؛ لأن "وضع النكبة إلى جانب الهولوكوست على قدم المساواة مسألة تزعج الإسرائيليين"، مؤكدا أن الهدف من وضعه هذا العنوان الفرعي لروايته هو لفت الانتباه إلى أنها "تناقش المأساتين، الفلسطينية واليهودية، من منطلقات إنسانية بحتة، مستندة إلى خطاب يكشف، بوضوح لا لبس فيه ولا التباس وبجرأة ضرورية، تفهم الفلسطيني لعذابات اليهود، وتأكيده في الوقت عينه أن الهولوكست ليست شأناً يخصّ الفلسطينيين، أبعد من كون المذبحة مأساة إنسانية، وأن مسؤوليتها تقع على أوروبا الغربية ككل، والولايات المتحدة الأمريكية التي أغلقت أبوابها في وجه اليهود وحولتهم، وبقية دول أوروبا، إلى فلسطين دعماً للمشروع الاستعماري الصهيوني. الهولوكوست جريمة ارتكبتها ألمانيا النازية لا الفلسطينيون أو العرب عموماً، بالتالي على الإسرائيليين الكفّ عن اضطهاد ضحاياهم من الفلسطينيين باسم ضحايا الهولوكوست". (حوار مع الكاتب، جريدة الجريدة، 22 مارس 2016)

ولعل خصوصية الرواية تكمن بالفعل في وجود صيغة فكرية مغايرة يقدمها الكاتب عبر حكايات متشابكة ومصائر متعددة لفلسطينيين شردتهم النكبة. وقد أتاح لها قالب الكونشرتو الموسيقي أن تكّون حيزًا تلتقي فيه هذه الحكايات والمصائر، وبذلك حملت الرواية مقولة سردية غير تقليدية مكنت كاتبها من أن يجمع احتمالات متنوعة في فضائها، وساعدته على أن يمنح شخصياته إعادة سرد التاريخ من منظورها الخاص.

الرواية تحكي في أربعة "حركات" متتالية مأساة الشتات الفلسطيني، وتطرح أسئلة عديدة حول النكبة والهولوكوست وحق العودة عبر مسار شخصياتها التي تواجه كل منها ثنائيات مختلفة داخل حركات الرواية: التهجير والعودة، الهجرة والبقاء، التذكر والنسيان، الهوية والأسرلة، ليعبرون جميعا عن مأساة ضياع الوطن وشعور الفلسطينيين- في الداخل أو في الشتات- بوطأة الاحتلال الإسرائيلي.

وقد بنى المدهون روايته في قالب الكونشرتو الموسيقي المكون من أربع حركات تشغل كل منها حكاية تنهض على بطلين اثنين، يتحركان في فضائهما الخاص، قبل أن يتحولا إلى شخصيتين ثانويتين في الحركة التالية، حتى نصل إلى الحركة الرابعة والأخيرة، فتبدأ الحكايات الأربعة في التكامل وتلتقي ثيمات العمل، التي حكمت كل واحدة من الحكايات، حول أسئلة الرواية عن النكبة، والهولوكست، والعودة.

تدور أحداث الرواية في ست مدن فلسطينية (عكا، ويافا، وحيفا، والمجدل عسقلان، و القدس ، واللد)، وفي مدينة أوروبية (لندن)، وأخرى أمريكية (واشنطن)، وثالثة كندية (مونتريال). وتنطلق زمنيا من نهاية زيارة الزوجين "وليد دهمان وجولي" إلى فلسطين في الحركة الأولى، ثم تأتي الحركات التالية لتستعيد ما تم خلال تسعة أيام من زيارتهما التي تتم يومها العاشر بوصولهما إلى لندن.

وقد طرح المدهون في روايته أسئلة عديدة تجمع بين ما تعرض له اليهود في الهولوكوست، وما تعرض له الفلسطينيون من نكبة على يد قوات الاحتلال الإسرائيلي، بدت بقوة عندما تخيّل "وليد دهمان"- بطل روايته- متحفًا فلسطينيا مُقابلا لمتحف "المحرقة" أو "ياد فاشيم" يحكي مجازر الاحتلال الإسرائيلي ضد الشعب الفلسطيني ويوثق أسماء ضحاياه.

ففي زيارته لمتحف "ياد فاشيم" تستوقفه "قاعة الأسماء" التي تضم صورًا لضحايا أحداث النازي وتأريخا لمقتلهم، فيتخيل ضحايا الجانب الآخر/ الفلسطيني: "في تلك اللحظة أطلت عليّ وجوه آلاف الفلسطينيين الذين عرفت بعضهم ولم أعرف الكثيرين منهم. كانوا يتزاحمون كمن يرغبون في النزول إلى قاعات المتحف والتوزع عليها، واحتلال أماكنهم كضحايا. حزنت على من هم منا ومن هم منهم، وبكيت على أولئك المتزاحمين في السماء يبحثون عن مكان يلم أسماءهم. أفقت من غيبوبتي في السماء. وهمست لي كمن يعاتبني أو يعاقبني: في هذا المتحف الذي تزوره يا وليد، باسم كل اسم فيه، يُقتل منكم اسم، وأحياناً أسماء. ولكي لا تتكرر محرقة النازية لليهود، يشعل الإسرائيليون باسم ضحاياها، محارق كثيرة في بلادنا قد تصبح في النهاية محرقة". (مصائر، صـ 240)

وهنا لجأ الكاتب إلى توظيف عنصر الفانتازيا حيث يختلط الواقعي بالمتخيل كاسرا توقعات المتلقي، عبر تخيل "وليد دهمان" إقامة متحف لتخليد ضحايا النكبة الفلسطينية، يقارنه بمتحف "ياد فاشيم" الذي يوثق أسماء ضحايا النازية، ليحدث – في خيال الرواي- تداخلا بين ضحايا الهولوكوست من اليهود وبين ضحايا مجزرة دير ياسين من الفلسطينيين الذين قتلتهم المنظمات الصهيونية الغاشمة؛ فيحدث تداخل وظيفي بين الخيال والواقع في مشهد يجمع بين ضحايا النكبة وضحايا الهولوكوست عبر حوار "وليد" مع سيدة يهودية تجيبه عن سبب تجمع الناس في طابور آخر في الجهة الأخرى لمتحف ياد فاشيم: "إنهم يريدون زيارة المتحف الآخر، في الجهة الأخرى المقابلة هناك... هؤلاء الناس ينتظرون دورهم لزيارة متحف (زخرونوت هفلسطينيم)، إنه متحف ذاكرة الفلسطينيين. بُني حديثا في أعقاب المصالحة التاريخية التي وقعت قبل سنتين فقط، بين الشعبين في البلاد، وأنهت صراعا دمويا استمر أكثر من مائة عام". (مصائر، صـ 242)

وفي هذا الإطار يقيم الكاتب مدينة مثالية متخيلة يطلق عليها "مدينة التسامح" التي تتحقق فيها حقوق المواطنة الكاملة للفلسطينيين ولليهود، وبداخلها يشعر كل "ضحية" من الطرفين بمأساة نكبة الطرف الآخر، وهي المدينة التي تعدد "تالا" اليهودية فضائلها لـ"وليد" أثناء زيارته لمتحف ذاكرة الفلسطينيين: "قبل سنوات، كانت تلك- وأشارت بيدها إلى الموقع البعيد الذي نقصده على الأغلب- مستوطنة غفعات شاؤل ب، الآن نسميها "عير شل سلحانوت"، يعني مدينة التسامح. لم يعد أحد يستخدم كلمة مستوطنة التي تّذكّر بزمن صراع لا يرغب أحد في تذكره. اليوم يقيم في المدينة عرب فلسطينيون أيضا. بالمناسبة سيد وليد، يستطيع أي من مواطني الدولة الجديدة الإقامة في أي مكان في البلاد". (مصائر، صـ 243)

وهو ما يبرهن أن المدهون قد طرح الواقع بقوة في روايته لكنه بالتأكيد لم يطرح البديل إلا في صورة احتمالات يتنبأ من خلالها بأشكال التعايش المتوقعة بين الطرفين الفلسطيني والإسرائيلي، فجاءت رؤيته تفتقر إلى المواجهة وترتكن على الفانتازيا التي تطرح احتمالات غير تقليدية ولا تقدم أجوبة حاسمة. ولا شك أنه رغم جمالية الأسلوب ومتعته الذي وفره قالب الكونشرتو، فإن الرواية لم تقدم أجوبة جديدة لأسئلة قديمة تتعلق كلها بالقضية الفلسطسنية بمفاهيمها التي تتضمن اللجوء والعودة والبقاء، واتسمت بخلوها من طرح بديل للواقع المعيش يحمل حلا لما يجرى.

ولذلك فقد اختتم المدهون نصه الروائي بنهاية مفتوحةً لا تُعرِّف المتلقي بمصير كل الشخصيات، ولا تعطي حلاً لكل المشاكل التي طُرحت ضمن النص، وبهذا لم تشكل النهاية، في بنية الرواية، نهاية الحدث أو حل الصراع، إنما أكدت على فكرة التكرار وظلت مفتوحة على احتمالاتٍ عدة، لتمنح المتلقي إمكانية أكبر للتأويل وحرية أوسع للتوقع، كما يتجسد في سؤال "جولي" لزوجها "وليد" في نهاية الرواية: "هل اتّخذت قرارًا بخصوص ما اقترحته عليك قبل دخولنا الى المطار أو فكّرت فيه؟ وضع وليد فنجان القهوة على الطاولة. نظر إلى عيني جولي لثوان. هَمّ بأن يقول شيئًا، فقاطعه نداء يُعْلن عن فتح البوابة رقم C-9 للمسافرين على الخطوط الجويّة البريطانية، الرحلة رقم 559 إلى لندن. نهض الزوجان وفي فميهما نقاش، حمل كلُّ منهما حقيبته اليدوية الصغيرة، وأمسكا بأيدي بعضهما. التفت وليد إلى جولي وقال: لقد اتّخذت قرارًا مناسبًا. وأوأت جولي: Wow. نُناقشه حين نصل. أضاف، وتابعا طريقهما إلى البوابة". (مصائر، صـ 266)

فاختار أن يُبقي الباب مفتوحًا على احتمالية العودة والبقاء، لتتماشى نهاية الرواية مع أسلوب "الاحتمالات" الذي قامت عليه حبكة الرواية كلها، بهدف حمل القارئ على التفكير في ما يمكن أن يحدث في حال تحقق أي من هذه الاحتمالات. ومن هذا المنطلق، امتلك نصه العديد من التأويلات التي تسمح بإعادة خلق المزيد من الدلالات مع عمليات القراءة المتعددة.

كما اكتسب النص دلالة جديدة تضيء جوانب أخرى من القضية الفلسطينية، حيث عمد الكاتب إلى رسم نهايات غير تقليدية، ترسخ فكرة عودة الفلسطيني إلى أرضه، لكنها عودة غير مشروطة برحيل الآخر عنها، رغم الاعتراف بسلبه للأرض والتاريخ معا، إنما هي عودة قائمة على قبول الواقع الجديد ومحاولة التعايش معه، وهنا يختلف "عائد" ربعي المدهون عن "عائد" غسان كنفاني ، في طرح الأخير للعودة القائمة على تبني الخيار المسلح بوصفه الوسيلة الأقدر على استعادة الوطن.

وهو ما أكده بالفعل المدهون في حواره مع إيهاب بسيسو: "على عكس مسار غسان كنفاني في روايته «عائد إلى حيفا» أريد في رواياتي أن أغطي كافة المسارات دفعة واحدة، وأن أعالج المأساة الفلسطينية بشموليتها، ولهذا قمت برحلاتي العديدة، لأجل وضع شخوصي في مساراتها الحقيقية، وإعادة إحياء الجغرافيا الفلسطينية، ليست تلك الجغرافيا التي نبكي أو نتباكى عليها، بل تلك الجغرافيا التي أردتها أن تخرج بصورة فنية مختلفة، لعلني أتمكن من رسم الشوارع التي تكاد تمحى أسماؤها كما ملامحها من جديد، وإعادة المكان إلى ما كان عليه".