Menu

المفهوم الإشكالي للحريّة

د. سامي الشيخ محمد

نشر في مجلة الهدف العدد (83) (1557)

هل صحيحٌ أنّ الحريّةَ تُقاومُ التّحليل لأنّها "مفهومٌ موضعُ مساءلةٍ في جوهره" كما يُقالُ أحياناً؟ ألم تقترفُ جرائم كثيرة باسم الحريّة في أوج عهد الإرهاب أثناء الثّورة الفرنسيّة، على حدّ تعبير السّيدة رولان؟

هل نحن أحرار؟ ما العلاقة بين الحريّة والعبوديّة؟ أليست الحريّة مسؤوليّة؟ هل حرّيّتنا مطلقة أم مقيّدة؟

هل نحنُ أحرار؟

إذا كنّا كذلك فما هي مساحة حريّتنا وما حدودها؟ الحقيقة أنّنا وُلِدنا في هذا العالم دون علمٍ منّا، فوجودنا في العالم ثمرة لحريّة الآخرين واختيارهِم، لكنَّ تلك الحريّة وذلك الاختيار، ينتهيان لحظة بدء حدوث تخليقنا، لذا لم نكن أحراراً في خلقنا، ولا في اختيار نوع وشكل خلقتنا، ولا في سني ما قبل نضج ملكاتنا العقليّة والإراديّة. فولادتنا وموتنا من النّاحية الطّبيعيّة أمران خارجان عن إرادتنا الإنسانيّة، وبالتّالي لسنا أحراراً في حدوثهما. والسّؤال: ما مساحة وحدود حريّتنا؟

يبدأ شعورنا بالحريّة منذ اللحظة الّتي نقدر فيها على الاختيار بين ما نريد وما لا نريد، فامتلاكنا القدرة على الاختيار بالقبول أو الرّفض، يؤكّد امتلاكنا للحريّة. ولكن هل امتلاكنا للحريّة يعني أنّنا أحرارٌ في تقرير شؤون الحياة المختلفة؟ تدلُّ التّجربة أنّنا نمتلكُ قدراً محدوداً من الحريّة، يُخوّلنا القيام بأفعالٍ محدودةٍ، تبعاً لقدراتنا وللقيود والشّروط الموضوعيّة من حولنا، مما يعني أنَّنا مخيّرون بمقدار ومسيّرون بمقدار؟ مخيّرون في الأمور الّتي تخضعُ لإرادتنا، ومسيّرون إزاء تلك الّتي لا تخضع لها. من هنا يُفسَّرُ توق الإنسان إلى امتلاك قدْرٍ أكبر من الحريّة المتاحة له، قدْراً يلبّي نزوعه الشّديد نحوها.

الحقيقة أنَّ الحرّيّة حاجةٌ فطريّةٌ لدى الإنسان، جوهرها الاتّساق والتّوازن الذّاتيّ للشّخصيّة الإنسانيّة للأفراد، فالنّاس وُلدوا من بطون أمّهاتهم أحراراً، لذا فهي ليست كسباً يحرزهُ المرء بجهده الخاص، وإن كان الحفاظُ عليها يستدعي بذل قُصارى الجهد لمواجهة التّهديدات المستمرّة الهادفة للنّيل منها، وعليه فجميع البشر يدركون معنى الحريّة، رغم تفاوتِ مقدار حيازتِهم لها، وكلّما تعمّق وعيهم بها ازدادوا نزوعاً إليها، وذادوا عنها وضحّوا في سبيلها. فثمّة عوائق تحول دون ممارستنا للحرّية على النّحو الّذي نريده كـ: انعدام العدالة، وممارسة الاستبداد، وإشاعة الظّلم، وحرماننا من ممارسة الحقوق الطّبيعية، الأمر الّذي يجعلنا نشعرُ بأنّنا لسنا أحراراً بالقدر الكافي، وبأنّنا أسرى لتلك العوائق، فيُصيبُنا الإحباطُ والضّيقُ والاكتئاب، ويتولّدُ الشّعور لدينا بالحقد والكراهية حيال من سلبونا تلك الحقوق.

الحريّة والعبوديّة:

ماذا نعني بالقول أنَّ فلاناً من النّاس حرٌّ؟ وما صلة الحريّة بالعبوديّة؟ وهل يمكن للفرد أن يكون عبداً وحرّاً بآنٍ معاً؟ بوسع المرء أن يكون حرّاً من النّاحية النّفسيّة وعبداً من الناحية الجسديّة، والعكس صحيحٌ تماماً، فالحريّةُ في المقام الأوّل حريّة نفسيّة_ أي شعورٌ نفسيٌّ بالحريّة_، وفي المقام النّهائيّ حريّة نفسيّة وجسديّة.

من ناحيةٍ ثانية ثمّة حرّيّة لا تتحقّق إلاّ مع العبوديّة، ولكن ليس أيّ عبوديّة، إنّما العبوديّة الاختياريّة النّابعة من صميم الفرد، من عقله ووجدانه (عين عبوديّة المؤمن لربّه، والمحبّ لمحبوبه)، لا العبوديّة القائمة على الإرغام والإكراه، إذاً قدرة المرء على الاختيار والتّنفيذ هو ما نسمّيه حريّة. بهذا المعنى لدينا نوعان من العبوديّة، عبوديّة حرّة، قائمة على الاختيار الحرّ، وأخرى مستعبدة قائمة على الاستعباد القسريّ فحسب.

من ناحية أخرى يظلُّ الإنسان حرّاً طالما هو قادرٌ على ممارسة حرّيّته بوعيٍّ ومسؤوليّةٍ والتزام، وغير حرٍّ عندما يكون مجبراً على القيام بفعل مّا رغم إرادته.

من جانبٍ آخر الحديث عن الحريّة في جوهره، حديثٌ عن الإرادة الحرّة، فالحريّة ثمرةٌ طبيعيّة للإرادة الحرّة، إذ لا وجود للحريّة في ظلّ انعدام الإرادة الحرّة، والإرادة الحرّة: ملكةٌ عقليّة ونفسيّة، وهي هبةٌ عامّة لجميع البشر، أمّا إضعافُها أو تعطيلُها عن العمل أو فقدانها، فمسؤوليّة الفرد نفسه في المقام الأوّل، دون إغفالٍ لأثر العوامل الخارجيّة في ذلك. على أيّة حال تظلُّ حريّة الإنسان محدودةً بالإمكانات القابلة للتّحقّق من قبل الإنسان ذاته، فلا وجود للحريّة المطلقة إلاَّ لدى الله، فالله وحدهُ يملك هذا النّوع من الحريّة، لعلّة امتلاكه القدرة المطلقة القادرة على فعل أيّ شيء.