لا يحتاج العالم إلى مزيدٍ من البراهين والأدلة والمواقف أو الممارسات لإدانة إرهابيي العصر ، إنما الأمر يتعدى ذلك إلى إضافة صفحة سوداء جديدة على مجلدات الإرهاب الصهيوني الذي يمكن تسميته "إرهاب الإرهاب"، وكذلك لوضع تلك الصفحة الجديدة أمام الرأي العام العالمي ، الذي ما انفك يدين ويستنكر ممارسات قادة الإرهاب الإسرائيلي ، و لعل قادة العالم الحر يتخذون مواقف أكثر جرأة ، وأشد تأثيراً وفاعلية ؛ من شأنها أن تسهم في تقديم مجرمي الكيان إلى العدالة الدولية.
نعتقد أن الصورة قد اكتملت بعدوانية وإرهاب بن غفير وشركائه ضد نحو ٤٣٠ من نشطاء مؤيدين للحق الفلسطيني ، جاؤوا عبر البحار من 70 دولة على متن أسطول الصمود 2 في نحو ٥٠ قارباً لفك الحصار اللاإنساني واللا قانوني على شعب أعزل منذ قرابة 20 عاماً ؛ هذا الحصار الذي شهد أشكالاً من الإبادة لم تبدأ بالتجويع والتعطيش و الإعدام بدم بارد، والاعتقال التعسفي والتعذيب حتى الموت فحسب، بل بقصف الصواريخ الفراغية والقنابل والطائرات الأكثر فتكاً ، وقذائف المدفعية والدبابات. ولم تَستثني الصحفيين والطواقم الطبية والإسعافية ، لم تنته عند تدمير كل البنى التحتية، وإعدام كل جوانب الحياة ، بل تُرك الأطفال والأجنة يلاقون قدرهم نتيجة لنقص الدواء أو العلاج، أو منعه بفعل إغلاق المعابر ومنع المساعدات. إن هذا المشهد السوريالي، الذي عاشه ما يزيد على مليوني ومئتي ألف فلسطيني، أصبح " ترنداً " عالمياً حدث في غزة ، وفي القرن الحادي والعشرين حيث وصلت فيه أنّات وآهات النسوة والأطفال إلى عنان السماء وعمَّ أرجاء الكون ، وكل ذلك سُجّل برسم عصابات وقادة الإرهاب الجاثمين على صدور شعبنا منذ ١٩٤٨، وإن اختلفت أسماؤهم فهم ورثة الإرهاب من جابوتنسكي وتيودور هرتزل وبن غوريون وغولدا مائير وموشي ديان وبيغن وبيريز وشارون وغيرهم من تلاهم من قادة الإرهاب ؛ بيد أن بن غفير قد تميّز في إرهابه ، فأصبح ماركة مسجلة Trade Mark) ) لدى دوائر الإرهاب قديماً وحديثاً. هذا الإرهابي، الذي احتفلت زوجته بعيد ميلاده بتقديم كعكة مميزة ازدانت بحبل المشنقة تعبيراً عن فرحها بما كان يتمنى ، وقد تحقق له ذلك بإصدار قانون إعدام الأسرى الفلسطينيين العنصري. ولا نعرف ماذا ستقدم له الآن ، بعد صدور قرارٍ بتشكيل محكمةٍ عسكريةٍ لمحاكمة المقاتلين الذين شاركوا في "طوفان الأقصى" في السابع من أكتوبر ٢٠٢٣.
إن ما يمارسه بن غفير وسموترتش، وقائدهما نتنياهو هو تعبير عن أيديولوجيا صهيونية متوارثة وممنهجة و متعددة الحراب، تارة تُوجّه ضد المقدسات ودور العبادة التي تشهد اقتحامات وانتهاكات واعتداءات مستمرة ، وتارة ضد المعتقلين والأسرى في السجون الإسرائيلية. وتُوجّه أحياناً بقيادة سموتريتش ضد السكان الآمنين وبيوتهم في القدس والضفة الغربية لتهويدها ؛ فيحرق المستوطنون المزارع والبيوت والممتلكات بهدف التهجير ، ويقتلون ويعتقلون الشبان والأطفال ، ويصادرون الأراضي لبناء المزيد من البؤر الاستيطانية، والتي ازداد عددها إلى أن وصل إلى 372 ، والمستوطنات إلى 240 يقطنها نحو ٨00 ألف مستوطن في الأراضي التابعة للسلطة ، بحسب اتفاقيات أوسلو، بعدما كان عددهم فقط نحو 90 ألفا عقب توقيع هذه الاتفاقات السيئة الصيت والنتائج. وتارة أخرى، على يد نتنياهو وبنفس السيناريو الصهيوني المعتمد للقتل والتدمير، فيأمر باستمرار العدوان على غزة لدفع الغزاويين إلى التهجير القسري أوالنزوح ، فيقصف المدنيين في الخيم ويحرقهم أحياء، وتُنسف البيوت، ويُغتال القادة وأسرٍ بأكملها ، برغم وقف إطلاق النار المزعوم، وخطة ترامب للسلام ، ويصبح إرهابه عابراً للحدود بتدمير بلدات وقرى الجنوب اللبناني وصولاً إلى بيروت وضاحيتها ، وإلى طهران والمدن الإيرانية الأخرى ، ويبتعد إرهابه أكثر لتوريط دول إقليمية أخرى في الصراع ،وإبقاء دول الخليج بحالة حرب. وتراه دائم الطلب والإلحاح والإصرار لدعوة الرئيس ترامب بمواصلة حربه على إيران إمعانا باستنزاف دول الإقليم وإضعافها ؛ تمهيداً لتحقيق مشروعه التوسعي العدواني "إسرائيل الكبرى" ، وجعل دولة الكيان القوة الوحيدة المسيطرة والمهيمنة على مقدرات وثروات المنطقة.
وعلى الضفة الأخرى ، إن الصور والفيديوهات التي صدرت عقب اقتحام الجيش الإسرائيلي ، وما تلاه من اعتداءات وحشية صادمة برعاية ومشاركة بن غفير شخصياً ،وما رافق ذلك من احتجاز واعتقال، وتعذيب المشاركين النشطاء ، و حالات الاغتصاب الجنسي التي بلغت ما يزيد على 15 حالة ، ناهيك عن حالات التحرش والعنف الجنسي اللفظي والجسدي ، والكسور المختلفة التي تعرض لها النشطاء في الاعتقال. كل هذه المشاهد دفعت الكثير من قادة الاتحاد الأوروبي وآخرين في العالم إلى اصدار بيانات التنديد والإدانة والشجب لهذه الممارسات، وبعضهم اتخذ قرارا بمنع بن غفير من دخول أراضيهم. ولكن يبقى السؤال ، هل هذه الإجراءات تكفي لردع إرهاب بن غفير وسموترتش ونتنياهو. إن العالم أمام مسؤولية أخلاقية وإنسانية بعد هذه الفضيحة الإرهابية الكبيرة ، والتي طالت مواطني دول كثيرة في العالم ، والتي شهدها وتابعها ببث مباشر صوتاً وصورةً.
إن قادة هذه الدول مطالبون اليوم بالتمسك الجدي لسحب اعترافهم بالدولة المارقة، وتقديم قادتها إلى المحاكمة، وتنفيذ قرارات الشرعية الدولية ؛ ليس لفك الحصار على الشعب الفلسطيني فحسب ، بل لإنهاء معاناته المستمرة منذ أكثر من 78 عاما، ولتمكينه من حق تقرير المصير ، وإقامة دولته المستقلة.
إن إرهاب قادة "إسرائيل" لا يمكن إيقافه بالإدانة والاستنكار والتنديد بل ، يجب فرض العقوبات المؤثرة ، و تفعيل المقاطعة بكل أشكالها وفي كافة المجالات ، وإيقاف تصدير الأسلحة التي تدعم هذا الكيان في ارتكابه مجازر الإبادة الجماعية، وشن الاعتداءات المتكررة ضد شعوب العالم قاطبة. في هذا السياق، فإن كريس الناشط البريطاني على متن أسطول الصمود ٢، والذي اعتقل من قبل قوات الجيش الإسرائيلي، وتعرض للتعذيب، لخص المواقف الأوروبية والدولية الأخرى برسالةٍ وجهها إلى حكومة بلاده قائلا : "استيقظوا الآن ، أنتم تساعدون في هذه الإبادة الجماعية ، العبارات المضللة والتقاعس هو شراكة في الجريمة". أما الناشط الإيطالي فريدريكو فقد طالب الحكومات الداعمة "لإسرائيل" : "توقفوا عن إرسال السلاح ، وتوقفوا عن دعم الإبادة الجماعية التي ترتكبها إسرائيل" ، بينما صرح الناشط الأمريكي غريغوري تيري بعد إطلاق سراحه : "إنهم يعذبون الفلسطينيين ، ويغتصبونهم لأنهم لا يرونهم بشر". إن الإرهاب الصهيوني يُعبّر دائماً عن نزعة انتقامية ثأرية ليس على الشعب الفلسطيني فحسب، بل حتى على مؤيديه وناصريه ؛ وهذا ما عبّر عنه الناشط إبراهيم بيترز، من جنوب أفريقيا عندما صرح قائلا: "قالوا لي إذاً أنتم من تأخذوننا إلى المحكمة ، سنجعلك تدفع الثمن". وأضاف "إن إسرائيل لا يمكن أن تثني المتضامنين عن طريقهم، نحن الآن أكثر عزيمةً وأصراراً".
إن اعتقال واحتجاز نشطاء الأسطول في المياه الدولية والاعتداء عليهم ، يُعدُّ عدواناً صارخاً على سيادة وكرامة هذه الدول ومواطنيها ، وتعنيفاً وخرقاً للقانون الدولي الإنساني ، وتجاوزاً لكل الأعراف والتقاليد الدبلوماسية بين الدول ؛ ما يعني أننا أمام دولة مارقة، تستخف بالمجتمع الدولي وهيئاته ومنظماته. وهذا ما يدفع إلى مطالبة هذه الدول وهيئات ومنظمات المجتمع الدولي لاتخاذ إجراءات عقابية لوقف هذا الإرهاب الصهيوني والامتثال للقواعد والشرائع الدولية. وعلى الجانب الفلسطيني التحرك بهذا الاتجاه، والبدء بإعلان عصيان مدني متدرج ، وانتفاضة شعبية تشمل كافة الأراضي المحتلة، واتخاذ خطواتٍ ؛ من شأنها أن تشكل رافعة للعمل الوطني ، وعاملاً مؤثراً وضاغطاً على الرأي العام العالمي، وعلى المجتمع الإسرائيلي ؛ لوضع حد لهذا الإرهاب الصهيوني المنظم.
من جهة أخرى ، إن البيان التحذيري الصادر عن الدول التسع ( بريطانيا وألمانيا وفرنسا وإيطاليا وكندا وأستراليا. ونيوزيلندا، والنرويج. وهولندا) والذي جاء فيه : "أن سياسات وممارسات الحكومة الإسرائيلية من شأنها أن تقوض الاستقرار وفرص حل الدولتين ، وأن عنف المستوطنين بلغ مستويات غير مسبوقة في الضفة الغربية" ؛ يعتبر خطوة متقدمة لهذه الدول ؛ في وضع حدٍ لسياسة المعايير المزدوجة، والكيل بمكيالين بالتغاضي عن جرائم الاحتلال وإرهابه ، والخروج من عباءة ضغط اللوبي الصهيوني في دولهم وفضح ممارساته الإجرامية. وأما ما قام به الادعاء العام الإيطالي للتحقيق في جرائم الاختطاف، والاعتداء الجنسي وتكسير الأضلاع والأذرع ، التي قام بها الجيش الإسرائيلي ضد نشطاء أسطول الصمود 2، يصبُّ في تنامي المواقف ضد الإرهاب الاسرائيلي ، و يؤكد صوابية السردية الفلسطينية في مواجهة السردية الصهيونية الزائفة القائمة على الإبادة والتطهير العرقي والعنصرية . وهذا ما ظهر خلال استقبال الحشود الكبيرة للناشطين العائدين من الاحتجاز والإرهاب الصهيوني، والذي يعكس أيضا، مدى التأييد الذي حازت عليه هذه الخطوة العالمية .
إن إصرار وصمود هؤلاء النشطاء لم ينكسر برغم ما تعرضوا له من تعذيبٍ وتنكيل ، فقد جاء ذلك على لسان الناشطة الأسترالية جولييت لامونت في قولها " لقد كسّروا عظامنا، لكنهم لم يكسروا أرواحنا ، والآن بعد أن التقيت بهم عَلمتُ أنهم بلا أرواح". كما برز ذلك في تحدّي الناشطة الإيرلندية كاترينا غراهام لبن غفير وجنوده عندما صرخت بوجههم " فلسطين حرة"
إن هذا الإرهاب الصهيوني لم يكن حديثاً ، ولم يكن نتاجاً لأحداثٍ أو حربٍ تعرض لها الكيان ، بل هو كما ذكر المؤرخ الإسرائيلي إيلان بابيه في كتابه (التطهير العرقي لفلسطين) "إن هذا العنف الإسرائيلي ليس جديداً، فهو الوجه الدائم للصهيونية منذ تأسيس اسرائيل" ، هذا العنف والإرهاب ينحدر أيضا، من تعاليم جابوتنسكي ، الأب الروحي لنتنياهو، صاحب نظرية "الجدار الحديدي" القائمة على سياسات الردع، والحروب والقوة العسكرية الساحقة التي لا تؤمن إلا بالحلول الأمنية والعسكرية.
وهذا ما يعيد إلى الأذهان ما طالب به وزير التراث الإسرائيلي عميحاي إلياهو في بدايات الحرب على غزة من ضرورة استخدام القنبلة النووية للتخلص من الفلسطينيين. أما الناشط الأميركي غريغوري تيري فقد لخص الأجرام والإرهاب الصهيوني ، بقوله "إنهم يعذبون الفلسطينيين ويغتصبونهم لأنهم لا يرونهم بشراً".وهذا يؤكد ما عبّر عنه ذات مرة وزير الدفاع الإسرائيلي السابق يوآف غالانت عندما وصف الفلسطينيين "بأنهم حيوانات بشرية".
إن تفشي الإرهاب الإسرائيلي بكل أشكاله في الأرض المحتلة، إضافة إلى تجربة نشطاء أسطول الصمود 2 مع النازيين الجدد ، وما سبقه أيضاً من محاولات النشطاء الآخرين لفك الحصار، يسرد قصة الإرهاب الصهيوني الفاشي المتأصل في ممارسات وسياسات المجتمع الإسرائيلي أحزاباً وقادةً وهيئات. وفي الوقت ذاته، يسرد صمود وإصرار عشاق الحرية وأحرار العالم للمضي في طريقهم لنصرة الشعوب المقهورة مهما بلغت التضحيات.
لهؤلاء المناضلين والمناضلات، أيقونات الحرية، تقف القامات احتراماً وتقديراً لشجاعتهم وقوة إرادتهم وصمودهم .

