منذُ أكثرَ من عامين ونصف، تغرق مخيماتُ النزوح في قطاع غزة في ظلامٍ دامسٍ مع حلول الليل؛ نتيجةَ الانقطاع المستمر للتيّار الكهربائي عقبَ العدوان "الإسرائيلي" الأخير الذي استهدف شركة الكهرباء والبنية التحتيّة في القطاع.
وفي ظلّ هذه العتمة التي أعادت تشكيلَ تفاصيل الحياة اليومية للسكان، من أبسط مهام المنزل إلى أوسع دوائر الاقتصاد والصحة والتعليم؛ تحوّل غيابُ الضوء إلى واقعٍ يومي يفرض إيقاعه على تفاصيل الحياة كافة.
ويضطر الأهالي إلى الاعتماد على بصيص الضوء المنبعث من هواتفهم المحمولة، التي يجهدون لشحنها في ساعاتٍ محدودة، في ظلّ نقصٍ حادٍّ في البدائل، ومنع إدخال البطاريات والكشافات و"الليدات" إلى القطاع، ما يزيد من حدة العتمة ويعمّق معاناة السكان داخل المخيمات.
سباق مع الظلام
في أحد مخيمات النزوح غرب غزة، تجلس اسمهان الحاطوم قرب خيمتها الصغيرة المصنوعة من أقمشةٍ مهترئة، محتضنةً طفلها الذي لم يتجاوز العامين، بينما تحاول في الوقت نفسه إنهاء أعمالها المنزلية البسيطة قبل أن ينفد ضوء هاتفها المحمول.
في زوايا الخيمة الضيقة، تتكدّس أدوات الحياة اليومية في غياب أي إضاءةٍ ثابتة، فلا يبقى أمامها سوى هذا الضوء الخافت الذي يتقطّع مع كل لحظة ضعفٍ في الشحن، وكأنه هو الآخر يشاركها ثقل اليوم.
تقول الحاطوم في حديثها مع "بوابة الهدف" إنّ "الليل لم يعد وقتًا للراحة، بل سباق مع الظلام، حيث تُنجز كلَّ شيءٍ على عجلٍ قبل أن ينطفئ آخر مصدرٍ للضوء بين يديها"، مشيرةً إلى أنّها تخطط لكلّ تفصيلٍ في يومها؛ من الطهي إلى تنظيف الخيمة وحتى تهدئة طفلها، قبل حلول عتمة الليل.
وتضيف أنّ أكثر ما يرهقها ليس فقط انقطاع الكهرباء، بل الشعور الدائم بأن الوقت لا يكفي، وأن الظلام يسبقها في كلّ مرّةٍ تحاول فيها إنجاز شيء، موضحةً أنّ يومها بات مرتبطًا بمدة شحن الهاتف أو توفر مصدر إضاءة مؤقت، فبمجرد اقتراب نفاد البطارية تبدأ حالة من القلق والتوتر، خشيةً من أن تجد نفسها وأطفالها في ظلامٍ كامل.
الدراسة رهينة الشحن
وفي خيمةٍ أخرى، يحاول الطالب أحمد أبو عودة (17 عامًا) التمسك بحلمه في إكمال تعليمه، رغم الظروف القاسية التي فرضها النزوح وانقطاع الكهرباء، حيث يعتمد بشكلٍ شبه كامل على هاتفه المحمول لمتابعة دروسه ومراجعة مواده الدراسية، بعد أن حُرم من بيئة الدراسة الطبيعية ومن أبسط الأدوات التي يحتاجها أيُّ طالبٍ للاستعداد لامتحاناته.
يروي أحمد لـ "الهدف" أنّه ينتظر يوميًّا ساعاتٍ طويلةً للحصول على فرصةٍ قصيرةٍ لشحن هاتفه عبر وصلة كهرباء مشتركة بين عدد من الجيران داخل المخيم، موضحًا أنّ هذه الساعات المحدودة تحدد قدرته على الدراسة والتواصل والوصول إلى المواد التعليمية.
ويقول: "أحيانًا أصل إلى الليل ولم أتمكن من فتح كتبي أو مراجعة دروسي، فأضطرّ لاستغلال كلّ دقيقةٍ بعد شحن الهاتف حتى لو كان ذلك بعد منتصف الليل"، مضيفًا أنّ الدراسة في الخيمة لا تشبه الدراسة في أيِّ مكانٍ آخر، فالضوضاء المستمرة، وضيق المساحة، وغياب الإضاءة، تجعل التركيز مهمّةً شاقة.
ويؤكد أن الظلام يسرق الوقت والفرص أيضًا؛ إذ تتحوّل ساعات المساء التي كانت مخصصةً للمذاكرة إلى ساعات انتظارٍ وترقّب، لافتًا إلى أنّ أكبر تحدٍّ يواجهه اليوم هو العثور على ضوءٍ يساعده على القراءة.
ورغم كل تلك التحديات، يتمسك أحمد بمواصلة تعليمه، معتبرًا أنّ الدراسة تمثل نافذته الوحيدة نحو المستقبل، وأمله في تجاوز الواقع الذي فرضته الحرب والنزوح.
ليل بلا كهرباء ولا أمان
أما محمود التتري، وهو أحد كبار السن المقيمين في أحد مراكز الإيواء وسط قطاع غزة، فيصف ليل غزة بأنّه "صمت ثقيل لا ينكسر"، مشيرًا إلى أنّه يقضي ساعاتٍ طويلةً جالسًا في الظلام منتظرًا بزوغ الفجر، وكأنه نافذةُ نجاةٍ مؤقتة من العتمة التي تفرض نفسها على تفاصيل الحياة اليومية.
ويؤكد التتري في حديثه لـ "الهدف" أنّ أصعب ما في الأمر ليس غياب الكهرباء فحسب، بل الشعور بأن الليل أصبح أطول زمنًا وأكثر قسوة، وأنه لم يعد ينتهي بالمعنى الذي اعتاده الناس قبل الحرب، مبينًا أنّ العتمة تفرض حالةً من القلق والخوف داخل الخيام، خاصةً على الأطفال والنساء وكبار السن.
ويلفت إلى أنّ الأطفال في مراكز الإيواء باتوا يخشون ساعات الليل؛ إذ تتحول الخيام إلى مساحاتٍ معتمةٍ تفتقر إلى أبسط مقومات الأمان، بينما يعتمد السكان على ضوء الهواتف المحمولة الذي لا يلبث أن ينطفئ مع نفاد الشحن.
ويتابع التتري: "حين ينطفئ الهاتف نشعر وكأن العالم كله اختفى من حولنا، فلا نرى شيئًا سوى السواد، ويصبح التحرك داخل الخيمة أو خارجها أمرًا بالغ الصعوبة".
ويضيف: "تأقلمنا مع أشياء كثيرة خلال الحرب والنزوح، وتحملنا الجوع والخوف وفقدان البيوت، لكن العيش في السواد الحالك كلَّ ليلةٍ يظلُّ من أصعب ما نواجهه؛ لأنه يسلبنا الشعور بالحياة الطبيعية ويحوّل أبسط تفاصيل يومنا إلى معاناةٍ يوميّةٍ مستمرّةٍ لا تنتهي".
تدهور البنية التحتية يفاقم أزمة الكهرباء
منذ بداية العدوان، يعيش قطاع غزة في انقطاعٍ شبه كامل للتيار الكهربائي نتيجة توقف خطوط الكهرباء وإغلاق المعابر ومنع دخول الوقود اللازم لتشغيل محطة التوليد والمولدات البديلة، إضافةً إلى استهداف العديد من أنظمة الطاقة الشمسية.
ويعاني القطاع أصلًا من عجزٍ مزمنٍ في الكهرباء؛ إذ تتراوح احتياجاته بين 400 و500 ميغاواط، وتصل إلى نحو 600 ميغاواط في أوقات الذروة، بينما كانت الكميات المتاحة قبل العدوان تغطي جزءًا محدودًا من هذه الاحتياجات، قبل أن تتوقف الإمدادات بشكلٍ كامل، بحسب بياناتٍ رسميّة.
وفي هذا السياق، يؤكد مدير العلاقات العامة والإعلام في شركة توزيع كهرباء غزة، محمد ثابت، أنّ مشاهد العتمة التي يعيشها النازحون في المخيمات تعكس حجم الكارثة الإنسانية التي خلّفها تدمير قطاع الكهرباء في غزة، موضحًا أنّ انقطاع التيار تحول إلى معاناةٍ يوميّةٍ تمسّ مختلف جوانب الحياة، من التعليم والصحة إلى الأمن المعيشي والنفسي للسكان.
ويبين ثابت لـ "الهدف" أنّ استمرار انقطاع الكهرباء يحرم مئات آلاف العائلات من أبسط مقومات الحياة، ويضطرها على الاعتماد على وسائل إنارةٍ محدودةٍ وغير مستقرة، في وقتٍ تعاني فيه البنية التحتية الكهربائية من دمارٍ واسع النطاق أدى إلى توقف جميع مصادر التغذية الكهربائية عن القطاع.
ويؤكد أنّ الأطفال والطلاب والمرضى هم الأكثر تأثرًا بهذه الأزمة، مشيرًا إلى أن قصص النازحين الذين يواجهون العتمة يوميًّا داخل الخيام تعكس واقعًا يعيشه أكثر من مليوني فلسطيني منذ بداية الحرب.
ويوضح ثابت أنّ نحو 70% من شبكات الكهرباء دُمّرت، وتوقفت جميع مصادر التغذية الكهربائية، فيما تعرضت مقرات الشركة ومرافقها ومستودعاتها وآلياتها لأضرار جسيمة، ما أدى إلى خروج الشبكة عمليًّا عن الخدمة في مناطقَ واسعةٍ من القطاع وعجز الطواقم الفنية عن تقديم الخدمات الأساسية، داعيًا إلى تحرّكٍ عاجلٍ لإعادة تأهيل قطاع الكهرباء وتوفير الاحتياجات الأساسية اللازمة لاستعادة الحد الأدنى من الخدمات الحيوية للسكان.
بين خيام النزوح التي يبتلعها الظلام كلّ مساء، يواصل سكان غزة صراعهم اليومي مع واقعٍ فرضته الحرب ودمار البنية التحتية؛ إذ تحوّل الضوء إلى أمنيةٍ بعيدة المنال، فيما تبقى معاناة مئات آلاف النازحين رهينة استعادة الكهرباء وتوفير الحد الأدنى من مقومات الحياة، في انتظار نهايةٍ لعتمةٍ باتت عنوانًا دائمًا ليومياتهم القاسيّة.

