من منظور الشرق الأوسط، وخاصة من تلك الزاوية التي عاشت لعقود تحت تأثير اختلال موازين القوى، لا يبدو الاتفاق الأولي بين الولايات المتحدة و إيران خطوة نحو السلام. بل هو إعادة توزيع جديدة للأدوار في لعبة قديمة، تُتخذ فيها القرارات فوق رؤوس شعوب المنطقة، بينما يتحمل هؤلاء الذين لا يجلسون إلى طاولة التفاوض تبعاتها المباشرة.
الاتفاق الذي جرى بوساطة باكستان لا ينهي أيًا من الصراعات الأساسية في المنطقة. إنه فقط يعيد ترتيبها ويجمّدها، ليخلق توازنًا جديدًا قائمًا على المصالح لا على العدالة أو الاستقرار الحقيقي. في هذا الإطار، تبدو إيران الطرف الأكثر استفادة. فهي تحصل على تخفيف جزئي للعقوبات، وإمكانية الوصول إلى أصولها المجمدة، وآفاق لبرامج اقتصادية ضخمة، إضافة إلى اعتراف غير مباشر بدورها كفاعل رئيسي في الإقليم. وفي المقابل، تلتزم فقط بالدخول في مفاوضات حول دورها الإقليمي، من دون التخلي عن العناصر الأساسية في استراتيجيتها الأمنية.
من منظور توازن القوى، يعني ذلك شيئًا واحدًا: لم تُضعف طهران، بل أُعيد إدماجها في اللعبة بشروط أفضل. وبالنسبة لكثير من المراقبين في المنطقة، فإن هذا ليس تسوية، بل تقنين لواقع قائم بالفعل، حيث تؤثر إيران منذ سنوات في موازين القوى في العراق و سوريا ولبنان وخارجها.
أحد أبرز ميادين هذا التوازن الجديد هو لبنان، الدولة التي تعاني منذ سنوات من ضعف السيطرة الكاملة على قرارها السياسي والأمني. ورغم أن الاتفاق لا يتناول لبنان بشكل مباشر، إلا أنه يعمّق التوترات الداخلية فيه. فحزب الله وحلفاؤه يرونه تأكيدًا لمكانتهم في النظام الإقليمي، بينما ترى فيه بعض النخب السياسية تراجعًا إضافيًا في سيادة الدولة اللبنانية.
وبذلك، يتجه لبنان أكثر نحو نموذج ازدواجية السلطة: من جهة مؤسسات رسمية تحاول الحفاظ على الحد الأدنى من السيادة، ومن جهة أخرى قوة مسلحة تعمل ضمن منطق تحالفات إقليمية. وهذا الصراع لم يعد سياسيًا فقط، بل أصبح صراعًا حول من يمثل الدولة فعليًا.
في هذا السياق، تبدو خطابات السيادة وكأنها تصريحات أكثر منها وصفًا للواقع. فالدولة التي لا تملك السيطرة الكاملة على أمنها تتحول إلى عنصر في معادلة أكبر، لا إلى طرف مستقل فيها.
أما إسرائيل، فتتلقى هذا الاتفاق باعتباره تقييدًا واضحًا لحريتها في الحركة. وبغض النظر عن التصريحات الرسمية، يسود في النقاش الإسرائيلي شعور بفقدان المبادرة الاستراتيجية. فالدولة التي اعتمدت لعقود على عقيدة الاستباق والقدرة على التحرك السريع، تجد نفسها اليوم أكثر اعتمادًا على قرارات واشنطن والتفاهمات الدولية.
وهذا التحول ليس سياسيًا فقط، بل هو أيضًا تحول نفسي في إدراك موقعها في المنطقة. فإسرائيل التي اعتادت لعب دور الفاعل المبادر أصبحت أكثر استجابة لما يُقرَّر في أماكن أخرى.
لكن الأكثر إثارة للقلق هو أن غزة تكاد تكون غائبة تمامًا عن هذا الاتفاق. وهذا الغياب ليس صدفة، بل هو صمت سياسي له تبعات واقعية. فقطاع غزة، الذي يعيش منذ سنوات تحت الحصار والتدمير والأزمات المتكررة، يبقى خارج مسار التفاوض، وكأنه عالم منفصل.
في الوقت نفسه، تتفاقم هناك أزمة إنسانية حادة، في ظل غياب إعادة الإعمار، وانعدام الاستقرار، وغياب أي أفق سياسي حقيقي. إن تجاهل غزة في اتفاق دولي كبير يعني عمليًا تثبيت وضعها كمنطقة “معلّقة”، يمكن أن تنفجر في أي لحظة.
كما تبرز مخاوف من أن الترتيبات المالية والسياسية الجديدة قد تؤثر بشكل غير مباشر على ديناميات بعض الجماعات المسلحة، مما قد يؤدي إلى تصعيدات جديدة. لكن الخطر الأكبر يكمن في أن الاستقرار على جبهة معينة قد يدفع نحو نقل الضغط العسكري إلى جبهة أخرى، وغزة هي الأكثر عرضة لذلك.
بهذا المعنى، لا يحل الاتفاق مشاكل المنطقة، بل ينقلها من مكان إلى آخر. يغير جغرافيتها، لكنه لا يمس جذورها.
إن الاستراتيجية الأمريكية القائمة على التدرج وتأجيل القضايا الأكثر تعقيدًا قد تحقق تهدئة مؤقتة، لكنها في كثير من تجارب المنطقة لم تؤدِّ إلى سلام دائم، بل إلى تجميد الصراعات التي تعود لاحقًا بشكل أشد.
من هذا المنظور، لا يمثل الاتفاق نهاية دورة العنف، بل إعادة تشكيل لها. فإيران تخرج أقوى، ولبنان يغرق في مزيد من الانقسام، وإسرائيل تعيد تعريف قدراتها وحدودها، بينما تبقى غزة في حالة تعليق، بلا حضور فعلي في التفاوض، لكنها حاضرة بكل ثقل النتائج.
وهكذا لا يدخل الشرق الأوسط مرحلة سلام، بل يدخل مرحلة جديدة من توازن قائم على عدم اليقين، حيث يصبح الصمت أحيانًا أهم من التصريحات، وحيث قد يكون غياب القرار أكثر خطورة من اتخاذه.
ومن منظور أولئك الذين عاشوا لعقود تحت نتائج مثل هذه التفاهمات، يبقى أمر واحد ثابت: لا يولد السلام من اتفاقات القوى الكبرى إذا لم يشمل أولئك الذين ستتغير حياتهم فعليًا. وفي هذا الاتفاق، لا يزال كثيرون غائبين عن الطاولة.

