Menu

تقريررغم فقدان المدارس والكتب.. طلبة غزة يخوضون معركة التعليم وسط الركام

كريمة شهاب

خاص _ بوابة الهدف الإخبارية - قطاع غزة

في مشهدٍ يجسّد حجم المعاناة التي خلّفتها سنوات الحرب والنزوح، بدأ آلاف طلبة الثانوية العامة في قطاع غزة تقديم امتحاناتهم لهذا العام، في ظروفٍ استثنائيّةٍ فرضت عليهم واقعًا تعليميًّا لم تعرفه الأجيال السابقة.

بين خيمةٍ لا توفّر الحد الأدنى من الهدوء، ومنزلٍ دمّره القصف، ومكانٍ مؤقّتٍ لا يشبه الفصول الدراسية التي اعتادوا عليها؛ وجد طلبة الثانوية العامة أنفسهم أمام تحدٍّ مزدوج؛ الحفاظ على حياتهم في ظل ظروفٍ قاسية، والتمسك بحقهم في مواصلة التعليم وبناء مستقبلهم.

ومع انطلاق امتحانات الثانوية العامة، يحاول الطلبة تجاوز أكثر من عامين من الاضطراب التعليمي، وغياب التعليم الوجاهي المنتظم، في وقتٍ أصبحت فيه أولويات كثير من العائلات مرتبطةً بتأمين الاحتياجات الأساسية من مياه وغذاء ومأوى، قبل التفكير في الدراسة والتحصيل الأكاديمي.

وأعلنت وزارة التربية والتعليم العالي انطلاق امتحانات الثانوية العامة لطلبة قطاع غزة بتاريخ 20 حزيران/يونيو 2026 عبر نظام الامتحانات الإلكتروني، على اعتباره حلًّا استثنائيًّا فرضته الظروف الميدانية التي حالت دون انتظام العملية التعليمية بالشكل المعتاد.

دراسة بين الخيام والركام

لم تكن رحلةُ الاستعداد للامتحانات سهلةً على طلبة الثانوية العامة في غزة، فالكثير منهم فقدوا منازلهم، أو اضطروا إلى النزوح مرات عدة، فيما خرجت العديد من المدارس عن الخدمة بسبب الأضرار الكبيرة أو استخدامها مراكزَ إيواء.

وفي ظل هذا الواقع، وجد الطلبة أنفسهم مضطرين إلى البحث عن بدائل لمتابعة دراستهم، مستعينين بما توفر من وسائل محدودة، سواءً عبر التعليم الإلكتروني أو الدروس المتفرقة أو المبادرات الفردية من المعلمين.

وتشير تقديرات أممية إلى أن غالبية المنشآت التعليمية في قطاع غزة تعرضت لأضرارٍ متفاوتة، ما أدى إلى تعطّل وصول أعدادٍ كبيرةٍ من الطلبة إلى التعليم الوجاهي لفتراتٍ طويلة، وتَرْكِ آثارٍ عميقةٍ على مسيرتهم التعليمية والنفسية.

التعليم أصبح تحديًا يوميًّا.. لكننا لن نستسلم

يقول الطالب رامي الهمص لـ”بوابة الهدف” إن عام الثانوية العامة كان مختلفًا تمامًا عن أي تجربةٍ سابقة، موضحًا: “دخلنا هذه المرحلة في ظروفٍ لم نكن نتخيلها، فلم تكن هناك مدارس نذهب إليها بشكلٍ طبيعي، ولم تكن الأجواء التي يحتاجها أي طالبٍ مقبلٍ على امتحانٍ مصيري موجودة”.

ويضيف: “كنا ندرس وسط أصوات القصف والخوف والقلق على أهلنا، وفي كثيرٍ من الأحيان كانت الظروف المحيطة تسرق جزءًا كبيرًا من تركيزنا. الطالب لا يحتاج فقط إلى كتابٍ ومعلم، بل يحتاج إلى بيئةٍ مستقرّة تساعده على الدراسة، وهذا ما افتقدناه بشكلٍ كبير”.

ويتابع أن فقدان الروتين الدراسي كان من أصعب التحديات، قائلًا إن الطالب سابقًا كان يذهب إلى المدرسة ويلتقي بمعلميه وزملائه، أما اليوم فأصبح يعتمد بدرجةٍ أكبر على نفسه في متابعة الدروس والبحث عن أي وسيلة تساعده على الاستمرار.

وحول تقديم الامتحانات إلكترونيًّا، يوضح: “وجودنا أمام شاشة الامتحان لم يكن أمرًا سهلًا، فهناك قلق دائم من انقطاع الإنترنت أو الكهرباء، لكن رغم ذلك نحاول التركيز وإكمال الطريق؛ لأنّ مشاركتنا اليوم هي رسالة بأننا ما زلنا متمسكين بحقنا في التعليم، ونريد النجاح ليس فقط من أجل أنفسنا، بل لنثبت أن طالب غزة قادر على تجاوز أصعب الظروف، وأن الحرب لا تستطيع إيقاف أحلامنا".

بين الفقد والأمل.. طلبة غزة يتمسكون بحلمهم

أما الطالبة فاطمة عبد الهادي، التي فقدت أفرادًا من عائلتها خلال الحرب، فتروي لـ”بوابة الهدف” تجربتها مع الثانوية العامة في ظل ظروف استثنائية، مؤكدةً أنّ هذه المرحلة التي انتظرها الطلبة طويلًا جاءت مختلفةً تمامًا عما كانوا يحلمون به.

وتقول فاطمة: “كان حلم كل طالب في الثانوية العامة أن يعيش هذه السنة بكل تفاصيلها؛ أن يجلس في الصف بين زملائه، وأن يستمع إلى شرح المعلمين، وأن يراجع دروسه في أجواء طبيعية، وأن يشعر بأهمية هذه المرحلة التي تحدد جزءًا من مستقبله. لكن الحرب غيّرت كل شيء، وسلبتنا أبسط تفاصيل الحياة الدراسية”.

وتضيف: “لم تكن الصعوبة في الدراسة وحدها، بل في محاولة الاستمرار رغم الألم والفقدان. فقدنا أشخاصًا أعزاء، وعشنا ظروفًا تفوق قدرتنا على الاحتمال، ومع ذلك كان علينا أن نتمسك بحلمنا وأن نحاول مواصلة الطريق”.

وتوضح أن أكبر التحديات تمثلت في غياب المكان المناسب للدراسة، وعدم استقرار الظروف المحيطة، إضافةً إلى الانقطاع المتكرر للكهرباء والإنترنت، إلى جانب الضغط النفسي الكبير الذي رافق الطلبة خلال فترة التحضير للامتحانات.

وتتابع: “رغم كل ما حدث، حاولنا أن نصنع لأنفسنا مساحةً صغيرةً من الأمل. كنا نتابع الدروس ونراجع ما نستطيع، ونشجع بعضنا البعض حتى لا نشعر بأن الطريق انتهى؛ لأنّ التعليم كان الشيء الوحيد الذي يمنحنا إحساسًا بأن المستقبل ما زال قائمًا”.

وعن لحظة دخولها الامتحان، تقول فاطمة: “عندما جلست أمام شاشة الامتحان شعرت بمزيجٍ من الخوف والفخر؛ الخوف بسبب كل ما مررنا به، والفخر لأنني وصلت إلى هذه اللحظة رغم كل الصعوبات والخسارات”.

وتوجه رسالة إلى زملائها الطلبة قائلة: “لا تجعلوا الظروف تحطم أحلامكم. قد تكون الطريق صعبة، وقد نمر بأيام نشعر فيها بالعجز، لكن علينا أن نستمر. نحن جيل مرّ بالكثير، ومع ذلك ما زلنا نحاول ونكمل؛ لأن العلم هو طريقنا نحو الحياة والمستقبل”.

المعلمون يحاولون حماية ما تبقى من العملية التعليمية

من جهته، يقول أستاذ اللغة العربية محمود شهاب لـ”بوابة الهدف” إن السنوات الأخيرة شكّلت اختبارًا قاسيًا للتعليم في قطاع غزة، موضحًا أن المدارس التي كانت تمثل الركيزة الأساسية للعملية التعليمية لم تعد متاحةً بالشكل المعتاد.

ويضيف: “التعليم لا يقوم فقط على المنهاج والكتاب، بل يحتاج إلى بيئةٍ آمنة، ومكانٍ مناسبٍ للدراسة، ومعلمٍ يتابع الطالب بشكلٍ مباشر، وتواصلٍ مستمرٍّ يساعده على فهم المواد. لكن الحرب أثرت على كل هذه العناصر، وجعلت مهمة التعليم أكثر صعوبةً وتعقيدًا”.

ويشير شهاب إلى أن المعلمين حاولوا الاستمرار في أداء رسالتهم رغم محدودية الإمكانيات، من خلال التعليم الإلكتروني، ووسائل التواصل، واللقاءات التعليمية عندما كانت الظروف تسمح بذلك؛ بهدف الحفاظ على ارتباط الطلبة بالتعليم وعدم شعورهم بأن مستقبلهم توقّف.

ويقول: “هؤلاء الطلبة لم يعيشوا عامًا دراسيًّا عاديًا، فقد مروا بتجارب قاسية؛ بعضهم فقد منزله، وبعضهم فقد أفرادًا من عائلته، وجميعهم عاشوا حالةً مستمرّةً من الخوف والقلق، وهذا انعكس على حالتهم النفسية وقدرتهم على التركيز والتحصيل”.

ويؤكد أن ما يميز طلبة غزة هو قدرتهم على الصمود، قائلًا: “رأينا نماذج مشرّفة لطلاب يدرسون في أصعب الظروف، ويتمسكون بفكرة النجاح رغم كل ما يحيط بهم. هؤلاء الطلبة يثبتون أن التعليم بالنسبة لهم ليس مجرد شهادة، بل وسيلةٌ للحفاظ على مستقبلهم وبناء حياتهم”.

ويشدد شهاب على ضرورة تقديم الدعم للطلبة لمساعدتهم على تجاوز آثار هذه المرحلة، مؤكدًا أن استمرار التعليم لا يمثل فقط حمايةً لمسيرة الطلبة، بل هو حماية لمستقبل المجتمع بأكمله.

التعليم.. نافذة مفتوحة رغم الحرب

وفي ظل استمرار الظروف الصعبة، لم تعد رحلة طلبة غزة نحو الثانوية العامة مجرد مسارٍ تعليمي عادي، بل أصبحت قصةَ صمودٍ يوميّة وإصرار على التمسك بالحق في التعلم، فخلف كل شاشة جلس أمامها طالب لأداء امتحانه، هناك قصة فقدٍ وانتظار ومحاولة للبدء من جديد، وخلف كل إجابة تُكتب هناك حلم يحاول النجاة من واقع قاسٍ.

ورغم فقدان المدارس والكتب والبيئة التعليمية المستقرة، يواصل طلبة غزة كتابةَ فصلٍ جديدٍ من حكاية التعليم، مؤكدين أن المعرفة يمكن أن تجد طريقها حتى في أكثر الظروف قسوة، وأن حلم المستقبل يبقى حاضرًا ما دام هناك من يتمسك به.