تحوّل شاطئ بحر قطاع غزة من متنفسٍ موسمي يرتاده السكان صيفًا إلى ملاذٍ يومي لآلاف النازحين، الذين دفعهم عدوان الاحتلال "الإسرائيلي" والنزوح القسري إلى البحث عن مساحةٍ تخفّف ضيق الخيام وقسوة الحياة؛ إذ مع فقدان المنازل وتدمير البنية السكنية، بات البحر وجهة الناجين من الإبادة الجماعية لالتقاط أنفاسهم وسط واقعٍ مثقلٍ بالدمار والفقد.
وعلى امتداد الساحل، تختلط أمواج البحر بخيام النزوح المنتشرة فوق الرمال، في مشهدٍ يلخص التحولات العميقة التي فرضتها الحرب على تفاصيل الحياة اليومية، حيث المكان الذي كان يعج بالعائلات والمصطافين خلال فصل الصيف، تحول إلى مخيمٍ مفتوح يضم عشرات آلاف النازحين الذين وجدوا أنفسهم محاصرين بين البحر والركام.
راحة مؤقتة
ومع اشتداد حرارة الصيف وارتفاع نسبة الرطوبة، يغدو البحر المتنفس الوحيد لسكان القطاع، بعدما تحولت الخيام البلاستيكية إلى ما يشبه الأفران تحت أشعة الشمس الحارقة، في ظل انقطاع الكهرباء وانعدام وسائل التبريد، تتجه العائلات يوميًّا نحو الشاطئ هربًا من الحر الخانق وبحثًا عن نسمة هواء تخفّف وطأة النزوح.
وبين هدير الأمواج وصفوف الخيام الممتدة على طول الساحل، يحتضن البحر أوجاع الناجين ويمنح أجسادهم المنهكة شيئًا من البرودة والراحة المؤقتة، في مدينةٍ ضاقت فيها الحياة حتى باتت الخيمة أقصى حدودها.
الخمسيني محمد عدوان يقول لـ "بوابة الهدف": "الخيمة أصبحت لا تُحتمل، خاصة مع ارتفاع درجات الحرارة، ولا يوجد مكان نلجأ إليه سوى البحر، حيث يمنحني الجلوس أمامه شعورًا مؤقتًا بالراحة بعيدًا عن حر الخيام وضيقها".
ويضيف عدوان في حديثه أنّ هذا الشعور لا يدوم طويلًا، لكنه يكفي لتخفيف بعض ثقل الأيام القاسية التي يعيشها سكان القطاع، مشيرًا إلى أنّ أبناءه يتوجهون إلى البحر يوميًّا بعدما أصبح متنفسهم الوحيد في ظل انقطاع الكهرباء وغياب وسائل التبريد، حيث تمنحهم ساعات الجلوس على الشاطئ فرصةً للهروب من الاكتظاظ واستعادة شيء من حياتهم الطبيعية المفقودة.
وينتشر الأطفال على طول الشاطئ، يركضون فوق الرمال ويلاحقون الأمواج في محاولةٍ لانتزاع لحظاتٍ من الفرح وسط واقعٍ يطغى عليه النزوح والحرب، فيما تجلس العائلات في تجمعاتٍ متقاربة تحت مظلات بدائية أو مباشرة على الأرض.
الخيار الوحيد
النازح سعيد فارس، وهو أب لخمسة أطفال، يؤكد لـ "الهدف"، أنّ البحر أصبح الخيار الوحيد المتاح لأسرته بعد فقدان أماكن الترفيه والمساحات العامة التي اعتاد الأطفال قضاء أوقاتهم فيها قبل الحرب.
ويتابع فارس: "نقيم منذ أشهر في مركز إيواء، في مساحةٍ ضيقة لا تتسع لحركة الأطفال أو لعبهم، لذلك أحاول اصطحابهم إلى البحر كلما استطعت حتى يخرجوا من هذا الواقع الخانق".
ويبين أنّ الأطفال بحاجةٍ إلى مساحة للحركة واللعب، خصوصًا بعد ما عاشوه خلال الحرب، لافتًا إلى أن البحر لا يعوّض البيت أو الحياة المفقودة، لكنه يمنحهم ساعاتٍ قليلةً من الراحة والفرح بعيدًا عن الضغوط اليومية.
بدائل قاسية
ومع تدهور الخدمات الأساسية، تحول البحر إلى وسيلةٍ للتعامل مع أزمات الحياة اليومية، ففي ظل شح المياه وانهيار الخدمات الأساسية، يلجأ مئات المواطنين إلى الشاطئ للاستحمام وتنظيف أجسادهم، بعدما أصبح الحصول على المياه الصالحة للاستخدام مهمة شاقة.
في حديثه مع "بوابة الهدف"، يقول المواطن هادي منصور إنّ أزمة المياه تستنزف السكان يوميًّا، موضحًا أنّ تدمير محطات الضخ وشح الإمكانيات جعل الوصول إلى المياه النظيفة تحديًا يوميًّا، ما دفع كثيرين إلى البحث عن بدائلَ قاسيةٍ في ظل غياب الحلول.
ويضيف منصور أن البحر أصبح الملاذ الأخير لآلاف العائلات التي تبحث عن التخفيف من حرارة الخيام المكتظة، مشيرًا إلى أنّ الأطفال وجدوا فيه مساحة نادرة للعب والحركة بعد تدمير الحدائق والمرافق الترفيهية، ما جعله يتحوّل من مساحةٍ ترفيهيّةٍ إلى ضرورةٍ يوميّة.
مقاهي بسيطة تستعيد نشاطها
وعلى طول الشاطئ، استعادت بعض المقاهي البسيطة نشاطها رغم الدمار، لتتحوّل إلى محطات استراحة يقصدها النازحون ورواد البحر هربًا من الحر وضيق الخيام، كما توفر هذه المقاهي أماكن جلوس تحت مظلات من سعف النخيل، إلى جانب مشروباتٍ باردةٍ وخدماتٍ محدودة.
وتبدو هذه الأماكن مكتظةً طوال ساعات النهار بالعائلات والنازحين الباحثين عن لحظات راحة، فيما تلجأ عائلات أخرى إلى إقامة مظلاتٍ وخيامٍ صغيرةٍ قرب الشاطئ اتّقاءً للشمس.
في أحد المقاهي البسيطة على شاطئ مدينة غزة، يقول صاحب استراحة عماد أبو عميرة إن الإقبال على البحر ازداد بشكلٍ غير مسبوقٍ خلال الأسابيع الأخيرة، في ظل فقدان معظم المساحات العامة وأماكن التنفس داخل القطاع.
ويضيف أبو عميرة لـ "الهدف" أنّ المقاهي تواصل عملها بإمكاناتٍ محدودةٍ ونقصٍ حادٍّ في المواد الأساسيّة، لكنها تحاول توفير مساحة جلوسٍ مريحة قدر الإمكان للزوار، مشيرًا إلى أن البحر بات الملاذ الأخير لآلاف النازحين والسكان الباحثين عن لحظات راحة وسط واقعٍ مثقلٍ بالحرب.
ركام الحرب يزحف إلى البحر
لكن هذا المشهد لا يخلو من آثار الحرب الثقيلة؛ إذ تتراكم أكوام الركام ومخلفات المباني المدمرة على امتداد أجزاء واسعة من الشاطئ، ما جعل البحر امتدادًا مباشرًا لمشهد الدمار في غزة.
وبين الحجارة والخرسانة المتناثرة، تقلصت المساحات الآمنة وتشوهت ملامح المكان الذي كان يومًا مقصدًا للاستجمام، وبرغم إدراك السكان للمخاطر، فإنّ غياب البدائل يدفعهم إلى التمسك بالبحر باعتباره مساحةً أخيرةً للحياة.
يقول المواطن سامي عقل لـ "الهدف" إنّ العائلات تدرك مخاطر التلوث، لكنها لا تملك خيارًا آخر في ظل ضيق الخيام وشدة الحر، مؤكّدًا أنّ البحر رغم ما يحيط به من دمارٍ ما زال يمنح قدرًا من الراحة والأمل.
أزمة بيئية
ولا تتوقف المخاطر عند هذا الحد، إذ يؤكد المتحدث باسم بلدية غزة حسني مهنا أنّ تدفق المياه العادمة في الشوارع وتسربها نحو البحر، إلى جانب انتشار الحشرات والقوارض، بات من أخطر التحديات الصحية في ظل انهيار البنية التحتية.
ويضيف مهنا لـ "بوابة الهدف" أنّ هذه الأوضاع لم تعد أزمةً بيئيّةً فحسب، بل تهديدًا مباشرًا للصحة العامة، خصوصًا في المناطق المكتظة بالنازحين، حيث تختلط المياه الملوثة بمخلفات الحياة اليوميّة وتبقى راكدةً لفتراتٍ طويلة.
ويشير إلى أنّ غياب شبكات الصرف الصحي وتراكم النفايات يخلقان بيئةً مثاليّةً لانتشار الأمراض، في وقتٍ تتفاقم فيه معاناة السكان مع انقطاع الكهرباء وارتفاع درجات الحرارة وشح المياه.
الصحة العامة مهددة بالخطر
ووفق تقييمات برنامج الأمم المتحدة للبيئة، فإنّ انهيار البنية التحتية للصرف الصحي أدى إلى تلوثٍ واسعٍ في المناطق الساحلية، نتيجة تصريف المياه العادمة وتعطل محطات المعالجة، ما تسبب في تسرب الملوثات إلى البحر والمياه الجوفية.
وتشير البيانات إلى تصريف ما بين 80 و100 ألف متر مكعب من مياه الصرف الصحي يوميًّا إلى البحر المتوسط ووادي غزة، ما يفاقم التدهور البيئي ويهدد الصحة العامة.
ويبقى البحر شاهدًا على حربٍ غيّرت ملامح المكان والحياة معًا، يحتضن أوجاع الناجين وأحلامهم المؤجلة، فيما يواصل السكان التمسك بما تبقى من مساحاتٍ للحياة، بحثًا عن كرامةٍ مفقودةٍ في واقعٍ يزداد قسوةً يومًا بعد يوم.

