ما يجري في فلسطين ولبنان ليس وقائع متفرقة، بل تطبيق متكرر لعقيدة استعمارية واحدة: احتلال الأرض، تهجير أهلها، ثم تجريم من يقاوم بوصفه إرهاباً. من هذا المنظور، يبدو الاجتياح الصهيوني لجنوب لبنان والرد عليه والخطاب الذي أحاط به امتداداً مباشراً للنمط نفسه الذي صاغته دوله الكيان في فلسطين: المكان يتبدل، أما المنطق والضحايا فواحد.
في 16 مارس، اجتاحت دولة الاحتلال جنوب لبنان بذريعة حماية مستعمراتها في الشمال، فأعلنت “منطقة أمنية” بعمق أربعة إلى ستة أميال داخل الأراضي اللبنانية، ثم أصدرت أوامر إخلاء شملت بلدات وقرى على مساحة تقارب 775 ميلاً مربعاً، أي نحو خُمس لبنان. لم يكن ذلك إجراءً مؤقتاً، بل خطوة نحو احتلال دائم؛ إذ اقتُلِع أكثر من مليون لبناني من بيوتهم، وأمر وزير الحرب يسرائيل كاتس بهدم القرى الحدودية وفرض السيطرة حتى نهر الليطاني، معلناً أن سكان “المنطقة الأمنية” “لن يعودوا”. بهذا المعنى، كان الإعلان الرسمي نفسه صيغة صريحة للتطهير العرقي.
وهذا هو جوهر الصلة بفلسطين: احتلال و تهجير، ثم تبرير أمني، ثم لغة تُحوّل السكان إلى عبء يجب إزالته. ما جرى في جنوب لبنان لم يكن خروجاً عن القاعدة، بل إعادة إنتاج لها.
وقفت المقاومة اللبنانية في وجه المخطط التوسعي لدولة الاحتلال، وخاضت حرب عصابات استهدفت القوات المحتلة على الأرض اللبنانية. وفي عملية سبقت وقف إطلاق النار، هاجم مقاومون موقعاً عسكرياً محصناً، فدمّروا دباباته وقتلوا أربعة جنود بينهم قائد كتيبة. كان الاستهداف موجهاً إلى قوة قوه عسكرية تحتل أرضاً أجنبية، وهو حق تكفله قواعد القانون الدولي قبل أن يكون موقفاً أخلاقياً.
لكن الرد الصهيوني جاء، كما في فلسطين، خارج أي تناسب أو التزام بالهدنة. فبعد الإعلان عن وقف إطلاق النار، انتهك الاحتلال الاتفاق ووجّه ضربات مكثفة على مواقع مدنية وبنية تحتية لإحداث أقصى قدر من التدمير، في انتقام جماعي أكثر منه عملاً عسكرياً. وسارع الوزير الصهيوني إيتمار بن غفير إلى القول: “مقابل كل دمعة لأم إسرائيلية، يجب أن تبكي ألف أم لبنانية”، مضيفاً: “يجب أن يحترق لبنان كله”. وطالب زميله في الوزارة بتسلئيل سموتريتش بـ”فتح أبواب الجحيم”، مردداً اللغة نفسها التي رافقت حرب غزة.
وهكذا انتقل المشهد من مواجهة عسكرية إلى عقاب جماعي ضد المدنيين. فمقابل جندي محتل قُتل في ساحة القتال، سقط عشرات المدنيين، وفقدت عائلات كثيرة أبناءها وآباءها تحت القصف الذي نفذته طائرات أمريكية الصنع وممولة من أموال دافعي الضرائب، في أكثر من مئتي غارة استهدفت المنازل والبنية المدنية. أما الضحايا، في حسابات بن غفير، فليسوا سوى وقود للكراهية الصهيونية.
ومرة أخرى وكما في غزه، لم تكن الضحايا مجرد أرقام. فمن بينهم كان ابن عمي محمد فندي، من مخيم الرشيدية للاجئين الفلسطينيين في جنوب لبنان. زوج وأب لسبعة أبناء وبنات، اغتالته يد الحقد بينما كان يستريح في ظل الأشجار بعد يوم طويل من العمل الشاق في حقول الحمضيات.
بالنسبة لدولة الاحتلال، يكفي مقتل جندي واحد لتبرير الانتقام من عامل أو أم أو طفل؛ أي روح من "الأغيار " يمكن أن تُشبع، ولو مؤقتاً، ثقافة كراهية لا تعرف الشبع. ولا تتطرق وسائل الإعلام الغربية إلى أن المقاومة اللبنانية تحارب قوات احتلال عسكرية على الأراضي اللبنانية، فيما تستهدف دولة الاحتلال المنازل والمستشفيات والبنية التحتية المدنية. هذا التفاوت في التغطية مقصود، والصمت عنه لا يقل قبحاً. فلو انعكست الأدوار، لما فوّت صحفي غربي واحد القصة، ولترددت أسماء الضحايا الإسرائيليين في نشرات الأخبار على مدار الساعة، وعُرضت صورهم، وبُكي على مآسيهم حتى تُنقش وجوههم في الذاكرة العالمية. أما اللبنانيون والفلسطينيون الذين يُقتلون انتقاماً محضاً، فلا يحظون حتى باقل قدر من الإنسانية. تُدفن وفاتهم في خانة الأرقام: رقم في فقرة، وفقرة في ذيل خبر، وخبر لا يقرأه أحد.
تُطلق دولة الاحتلال على كل عملية قتل جماعي اسم “عملية مستهدفة”. لكن أعداد الضحايا المدنيين، وأطلال المنازل والمستشفيات في غزة ولبنان، تروي قصة مختلفة تماماً. وهي قصة بات العالم يراها على حقيقتها أكثر فأكثر، لأن ما يجري في لبنان ليس استثناءً عن غزة، بل امتداد لها: اللغة نفسها، والمنطق نفسه، والنتيجة نفسها.
ولم تعد الانتقادات تصدر حصراً عن أصوات عُرفت تاريخياً بمعارضتها لدولة الاحتلال، بل باتت تأتي أيضاً من شخصيات ومؤسسات لطالما طبّعت مع الجرائم الإسرائيلية أو استحضرت الهولوكوست الألماني لتبريرها. فعندما يصف مقدم CNN جيك تابر ــ المعروف بدفاعه المستمر عن دولة الاحتلال ــ تصريحات بن غفير بأنها “مقززة” لأنها تستهدف ما يقرب من ستة ملايين إنسان، أو عندما تصفها وزيرة الداخلية البريطانية إيفيت كوبر بأنها “مقيتة وغير مقبولة”، فإن ذلك يعكس اتساع دائرة القلق من الخطاب الإبادي العلني.
ومع ذلك، يبقى الخلل الأعمق قائماً. فحتى هذه الأصوات تعجز عن تسمية هذه التصريحات بما هي عليه فعلاً: ليست مجرد استفزاز أو مزايدة سياسية، بل تعبير عن سياسة دولة متجذرة. وغالباً ما يُختزل تحديد المسؤولية في إدانة وزير بعينه، أو حتى رئيس وزراء ملاحق دولياً، مع تجنب أي مساءلة أوسع للمشروع السياسي الذي يُنتج هذه السياسات ويمنحها الشرعية والاستمرارية. والنتيجة مألوفة دائماً: بيانات قلق، وإدانات طقسية، وموجات غضب لا تترجم إلى أي إجراء فعلي يوقف الجرائم التي تدان من قبلهم.
ولبنان ليس استثناءً، فالمعادلة ذاتها تتكرر في غزة و سوريا والضفة الغربية: احتلال الأرض، وهدم البيوت، وتهجير السكان، ثم منح الجيش “حرية عمل مطلقة” و”من دون قيود” ليفعل ما يشاء، مع توقع أن يبقى الواقعون تحت الاحتلال صامتين ومستسلمين.
“أبواب الجحيم” و”لبنان يجب أن يحترق كله” ليستا زلة لسان، بل إعلاناً صريحاً لعقيدة إبادة ترى في المدنيين أهدافاً مشروعة وفي التهجير وسيلة حكم. والخلاصة الحاسمة أن هذا الخطاب، ما دام يُترجم إلى قتل ودمار، لا يُواجَه ببيانات القلق بل بمساءلة دولية تطال من يطلقه ومن ينفذه، لأن الصمت العربي والعالمي هو ما يفتح فعلاً أبواب الجحيم على غزة ولبنان.

