في مؤشر على تحول دراماتيكي في الاستراتيجية الأمنية والميدانية الإسرائيلية، بدأت المؤسسة العسكرية في تل أبيب بتمهيد الأرضية لتصعيد عسكري واسع النطاق في الضفة الغربية المحتلة. وتأتي هذه التحركات وسط قرار رسمي بنقل "مركز ثقل" العمليات الميدانية للجيش الإسرائيلي نحو مدن وبلدات الضفة، مستندة إلى ذرائع استخباراتية تربط التصعيد بـ"تهديدات خارجية" عابرة للحدود، مصدرها طهران وأنقرة.
الحشد العسكري الأكبر: 26 كتيبة تترقب ساعة الصفر
أفادت تقارير عسكرية مسربة لوسائل إعلام عبرية، من بينها "القناة 14" وصحيفة "معاريف"، بأن القيادة الوسطى للجيش الإسرائيلي رفعت حالة التأهب إلى الدرجة القصوى، معلنة عن الدفع بـ26 كتيبة عسكرية إلى مختلف مناطق الضفة، في عملية انتشار هي الأضخم منذ سنوات طويلة.
وشملت التعزيزات الجديدة لواءات من قوات النخبة، أبرزها "لواء المظليين" ولواء "ناحال"، بالإضافة إلى كتيبتين إضافيتين تقرر نشرهما على طول خط التماس وبلدات شمال الضفة الغربية لتشديد الحصار ومنع التسلل. وتتركز الخطط العملياتية بشكل رئيسي على مخيمات اللاجئين في جنين، وطولكرم، ونور شمس، والتي تعتبرها الأجهزة الأمنية الإسرائيلية بؤراً "لم يتم حسمها بالكامل" بعد وتتطلب عمليات جراحية أعمق.
المعادلة الإقليمية: ذرائع الشاباك حول "إيران و تركيا "
بحسب وثائق تقدير الموقف الصادرة عن جهاز الأمن العام الإسرائيلي (الشاباك)، فإن هذا الاستنفار العسكري يحمل طابعاً وقائياً ضد مخططات يتم إدارتها وتمويلها من الخارج:
* المحور الإيراني: تزعم الاستخبارات الإسرائيلية أن طهران تستغل انخفاض حدة العمليات على الجبهات الأخرى لإعادة ضخ كميات ضخمة من الأموال والأسلحة والعبوات الناسفة المتطورة عبر الحدود لإنعاش خلايا الفصائل الفلسطينية.
* المحور التركي: أعلن "الشاباك" رسمياً عن إحباط خلايا مسلحة، مدعياً أن توجيهها المالي واللوجستي والعملياتي جرى عبر قيادات من حركة حماس يتواجدون داخل الأراضي التركية، مما جعل تل أبيب تضع الأنشطة المرتبطة بأنقرة تحت المجهر الأمني.
الوجه الاقتصادي للتصعيد: تجفيف المنابع
ولم يقتصر التمهيد للتصعيد على التحرك العسكري، بل رافقته حملة اقتصادية شرسة ومتزامنة؛ حيث شنت القوات الإسرائيلية عمليات داهمت فيها منازل أسرى محررين وناشطين، وقامت بمصادرة مبالغ مالية ضخمة وسيارات وممتلكات خاصة، بموجب قرارات عسكرية تقضي بـ"تجفيف منابع تمويل الإرهاب" وملاحقة الأموال المرتبطة بجهات خارجية.
الأبعاد السياسية: غطاء أمني لأهداف الضم الميداني
في المقابل، ترى أوساط سياسية وتحليلات فلسطينية وعربية أن الذرائع الأمنية حول "العبوات" والتمويل الإيراني أو التركي ما هي إلا غطاء سياسي وإعلامي لتبرير مخطط أوسع خطورة.
وتشير التقديرات إلى أن حكومة اليمين الإسرائيلية تسابق الزمن لفرض واقع ميداني جديد يهدف إلى تدمير البنية التحتية والرمزية السياسية للمخيمات، وتسريع قضم الأراضي وتوسيع الاستيطان، وصولاً إلى خلق الظروف الملائمة لتنفيذ مشروع "الضم الفعلي" للضفة الغربية وإفراغها من مقومات الاستقلال.

