سيذكر النشطاء السياسيين في زمن نظام الأسدين البائد المحامي حسن إسماعيل عبد العظيم كثيراً، الذي رحل عن عالماً في 25/4/2026, بعد معاناة مع المرض حيث استقر جثمانه في قريته حلبون، وكان حزب الاتحاد الاشتراكي العربي الديمقراطي، وهيئة التنسيق الوطنية لقوى التغير الديمقراطي والقوى السياسية السورية والعربية قد أقاموا حفل تأبين عبد العظيم بتاريخ 4/6/2026.
الراحل عاصر سوريا في أزامن مختلفة منذ ما بعد الاستقلال حتى الانقلابات العسكرية، وزمن الديمقراطية البرلمانية، وصولاً إلى دولة الوحدة، والانفصال، والبعث، والديكتاتورية الأسدية، وثورة العام2011 ، ورحيل نظام الأسد.
المحامي الحقوقي:
ولد حسن عبد العظيم في العام1932, في قرية حلبون بريف دمشق ودرس الحقوق والقانون في جامعة دمشق, وعمل في المحاماة, ودافع عن المعتقلين وسجناء الرأي أمام محكمة أمن الدولة العليا, ومحكمة الإرهاب, وفي القصر العدلي بدمشق, وأذكر أنه في العام2021, وبعد عودتي من مدينة القامشلي, وأثناء عملي في وكالة نورث برس اعتقلت من قبل فرع القوى الجوية بريف دمشق حرستا, وبعد الإحالات من الفرع إلى أكثر من قضاء, وصلت إلى القصر العدلي القديم بدمشق مع بعض السجناء الأصدقاء الذين فرضهم السجن وتنقلاتي بين السجون طلبت من أحدهم عند خروجه من نظارة القصر العدلي القديم الاتصال بزوجتي لكي تعلم بصديقي المحامي حسان الشحف, وتخبره أنني في القصر العدلي, لكن ذاك الخميس29/7/2021, لم يستطيع أن يلحق بالدوام الرسمي, وهذا ما أجل المحاكمة إلى نهار السبت, واستطعت نهار الجمعة الاتصال بزوجتي بالهاتف ( الأرضي من مهاجع السجناء بالأمانة في سجن عدرا المركزي)، والطلب منها التأكيد على حضور المحاميين( حسن عبد العظيم, جهان أمين, وحسان الشحف).
وصباحاً بعد نقلنا إلى نظارة القصر العدلي حضر صديقي حسان مع ورقة توكيل المحاميين الأربعة (حسن عبد العظيم, جهان أمين, حسان الشحف, والصديق محمد السعدي).
وظهراً صعدت من النظارة لتحقيق معي عند النائب العام، وسمح للأستاذة جهان أمين حضور جلسة التحقيق بدون إعطائها حق الترافع، وفي منتصف جلسة التحقق دخل شرطي، وقال للنائب العام أن الأستاذ حسن يرغب بالدخول لسماع أقوالي، وهنا تدخلت الأستاذة جهان مخاطبة النائب: أنها تستطيع أن تخرج، فرد النائب: الأستاذ حسن أستاذنا، فليتفضل، وتبقى الأستاذة جهان.
بعد التحقيق، وخروجي إلى النظارة بقيت حوالي الساعة كان قرار الإفراج عني رغم كل التهم التي وجهت إلى (إضعاف الشعور القومي، والتعامل مع منظمة خارجية، موقع وجريدة ليفانت)، وغيرها من قائم الاتهام الجاهزة لكل معارض.
هذه تجربة الذاتية مع الراحل عبد العظيم المدافع عن حقوق الإنسان والمعتقلين السياسيين وسجناء الرأي.
السياسي العتيق:
انضم الراحل عبد العظيم إلى حركة الوحدويين الاشتراكيين التي تزعمها فائز إسماعيل، ثم تركها بعد قيام حزب الاتحاد الاشتراكي العربي في العام 1964, برئاسة جمال الأتاسي، وفي المؤتمر السابع أنتخب نائباً للأمين العام 1985, وانتخب أميناً عاماً بالعام2000 بعد رحيل جمال الأتاسي، وشغل موقع الناطق الرسمي للتجمع الوطني الديمقراطي.
وساهم بتأسيس هيئة التنسيق الوطنية لقوى التغيير الديمقراطي في سوريا مع الراحل حسين العودات, والمغيبين عبد العزيز الخير, ورجاء الناصر, وقوى المعارضة الوطنية بالتجمع الوطني الديمقراطي، المتحالفة مع تيار المستقلين في لجان أحياء المجتمع المدني مع قوى الحركة الوطنية الكردية وغيرها من ممثلي المكونات القومية، المتأثرة في ثورات الربيع العربي في تونس و مصر على الشعب السوري وأدركها أن الجيش السوري لن يقف على الحياد, أو يدعم الانتفاضة الثورية، لأنه بني على أساس حزبي عقائدي بعد حركة الثامن من آذار 1963, واستبعاد كل من لا ينتمي إلى الحزب في مرحلة حكم الأسد الأب, ومن يعارض ذلك حتى من البعثيين, ورفض مطالب المعارضة في أزمة الثمانينات, وعمل على قمعها بالحل الأمني العسكري.
واستخلص الراحل عبد العظيم مع هيئة التنسيق ضرورة المحافظة على الانتفاضة الثورية الشعبية في سلميتها وعدم الانجرار إلى العنف والفوضى والعسكرة عبر وثيقة تأسيس هيئة التنسيق التي أعلن عنها بتاريخ 30/6/2011, وفي المؤتمر الوطني التأسيسي الذي عقد في حلبون بتاريخ17/9/2011، بإشراف لجنة كان أحد المشاركين فيها, تحت شعار( لا للتدخل الخارجي, لا للعنف, لا للطائفية).
وتضمن البيان الختامي للمؤتمر مطالب الانتفاضة الثورية الشعبية بالتغيير الوطني الديمقراطي الجذري الشامل لنهج الاستبداد والفساد الذي يمارسه نظام بشار الأسد, وبناء الدولة المدنية الديمقراطية, والتمسك بالحل الوطني, وأيد المؤتمر الحل العربي الذي كان مطروح المطابق لرؤية هيئة التنسيق, القائم على أساس بيان جنيف في 30/6/2012.
وشارك السياسي عبد العظيم في تحويل البيان إلى خارطة طريق للحل السياسي التفاوضي الذي وافقت عليه شخصيات من المعارضة الموجودة في خارج سوريا من المجلس الوطني السوري والائتلاف الوطني في لقاءات القاهرة وباريس وبروكسل، ودفع المجموعة الدولية لأصدقاء سوريا الداعمة للمعارضة لدعوة هيئة التنسيق، والمنسق العام عبد العظيم بصفته الاعتبارية إلى مؤتمر دولي للسلام الذي عقد في الرياض العاصمة السعودية.
وساهم الراحل عبد العظيم في ربيع دمشق من خلال منتدى جمال الأتاسي، والبيانات السياسية في تلك المرحلة، وتعمق دوره عبر حضوره الجماهيري المباشر في المظاهرات الدمشقية التي ساندت انتفاضة الأقصى في العام2001, ولعب دوراً كبيراً في تأسيس إعلان دمشق للتغيير الديمقراطي في العام2005.
وشهدت له القوى السياسية السورية بتمثيل معارضة الداخل خير تمثيل عبر الأيمان بالعمل التراكمي السلمي الطويل الأمد، بعيداً عن العصبوية التنظيمية أو السياسية، وتمثيله في الجبهة الوطنية الديمقراطية (جود), كأحد ممثلي حزبه بدون موقع قيادي خاص في الجبهة.
ومنذ أواسط الألفية الجديدة شكل حضوره في الاجتماعات السياسية العامة في التحالفات نقطة علام بارزة، إذ كان يلعب دور صمام الأمان لاستمرار أي تحالف موجود فيه سواء في التحالف الوطني الديمقراطي، أو إعلان دمشق، أو التيار الثالث، أو هيئة التنسيق الوطنية لقوى التغيير الديمقراطي أو الهيئة العليا للمفاوضات.
والدور الإصلاحي الذي يجعله يمثل إنعاش للنقاش العام في العمل السياسي التراكمي للمعارضة الداخلية المنفتحة على القوى السياسية السورية التي تعمل من أجل انتقال ديمقراطي تدريجي سلمي آمن، رافض للعنف والانقلابات، يجعل من النقد السياسي، والعمل الدعاوي الجماهيري طريقاً سياسياً للتغيير بعيداً عن المعارضة الراديكالية العنيفة.
والراحل عبد العظيم لم يغادر سوريا إلا في جلسات الحوار والتفاوض السياسي على الرغم من أن أبناءه في أكثر من بلد إلا أنه فضل الإقامة في دمشق، ومزاولة مهنة المحاماة في مكتبه بمنطقة الحجاز الذي كان مقراً لاجتماعات المعارضة السورية منذ زمن بعيد.
الديمقراطي والإنساني:
من الصعب تعداد المناقب الإنسانية والديمقراطية للراحل حسن عبد العظيم حيث شجع الجيل الجديد من المناضلين في هيئة التنسيق وغيرها من الأحزاب، وقام بدور الوسيط في العديد من النزاعات الحزبية التنظيمية، ووقف التدهور في البني الحزبية السياسية السورية خصيصاً في زمن التضيق الأمني الذي كانت تقوم به الأجهزة الأمنية زمن نظام بشار الأسد.
وأعتقد أن العديد من السياسيين السوريين والعرب مازال يذكر هجوم موقعة البيض أمام مبنى الجامعة العربية في القاهرة حيث تعرض وفد هيئة التنسيق إلى الهجوم بالبيض واليد لمنع الوفد من الدخول إلى المبنى، واستطاع الراحل عبد العظيم مع بعض الشخصيات الوطنية الوصول إلى مقر الاجتماع، بينما لم يوفق كلاً من المغيبين عبد العزيز الخير ورجاء الناصر إلا بعض مضي زمن على الاجتماع. ورغم ذلك لم يتخذ حسن عبد العظيم موقفاً سياسياً شديداً من التيار السياسي المهاجم، وإنما دعا للحوار السوري للمعارضة نحو مستقبل أفضل للبلاد.
وأذكر أن هناك دعوة إلى صديقه في فرع دمشق لهيئة التنسيق للمشاركة في اجتماع نسوي في القامشلي، إذ أنه رغم سنه ذهب إلى مكتب السورية للطيران وحجز لها تذكرة للذهاب بيده دون أن يجد في ذلك أي غضاضة رغم نقاشنا معه إنها تستطيع أن تحجز التذكرة هي.
أخيراً على الرغم من الدور الكبير الذي لعبه في الحياة السياسية السورية الراحل حسن عبد العظيم لم يسعى إلى حضور سياسي إعلامي ذاتي خاص، وإنما بقي الإنسان الديمقراطي القادر على لعب الدور الإصلاحي في الحياة السياسية السورية التي نفتقد هذا الشكل من الحضور السياسي الوسطي القادر على القول إن سوريا كانت ومازالت قادرة على إنجاب الشخصيات السياسية الوسطية التي يجعل من السياسة والديمقراطية جزءاً أصيلاً من حياة سوريا المستقبلية.

