Menu

اغتراب الموت: مرثية المسافة بين الفقد والقضية

لمى الشطلي

نشر في مجلة الهدف العدد (84) (1558)

إلى الذي علّمني أن المنفى لا يسقط إلا حين نعيش غزة،

إليك.. رفيقي أبو وسام.

كيف نرثي أولياء دمائنا في حضرة الأرض؟ وكيف نجتاز تلك المسافة ما بين الفقد والقضية؟ هل يعي التراب معضلة الهوية؟ وكيف يكون الاغتراب المعنى الأصدق للإنسان فينا؟

كيف حالك اليوم يا رفيقي؟ ألا تزال غزة في ذاكرتك الحتمية؟ هل تعرف حاضر المنفى كما تحفظ عن ظهر غيب حارات المخيم، من النصيرات إلى الشاطئ مروراً بدير البلح؟ عناوين من غزة سكنتك قلباً وروحاً حينما خانتك كل البلاد.

أتدري كم معركة نخوض كل يوم لنثبت أننا جديرون بهويتنا؟ لكنك عبرت من الوجود إلى ذاكرة فلسطين الخالدة، ولم يكن الفاصل سوى بندقية. نحن نحمل عبء المفارقة ما بين مجاز الحياة والأرض، وكنت تحمل عبء الموت ما بين الأرض والقضية.

اليوم يتسع النداء ويذهب الصراخ إلى أعالي الكلمة، اليوم تنسلخ الصفة عن الاسم وتدخل أفق المعنى كرؤيا، كطريق لا يعرف نهاية. فدائي أنت، تردد أسماء المحاربين القدامى، يا رفيق جيفارا الذي خلع عنه اللجوء والتحف بغزة ليضرب العدو من أكثر الأماكن كرهاً وبغضاً. فماذا يعني أن تكون لاجئاً في الوطن نفسه إذا كنت فدائياً أينما حللت؟ فأنت، كما هو، كفرت بالاستسلام ومقتَّ العيش العادي، فقدمت جسدك عربوناً لانكشاف الذات. أي ذات لا تعرفها فلسطين لا نعرفها. وأنت وهو اخترتما أن تحكما الأرض في الليالي الفلسطينية الخالصة.

هل تدرك يا رفيقي أنك منذ اخترت فلسطين وأنت في تفاوض دائم مع الشقاء؟ فلكي تكون وطنياً بامتياز لا تملك خيارات كثيرة؛ فإما مقاتلاً يحمل الدماء ككوب ماء في يد أخيل، أو سجيناً بحب معرفة الأرض كما حاصر السجن بروميثيوس، وإما أن تحيا كإنسان عادي تشنقك في كل ليلة حبال العودة وأحاديث النكبة والوجع والخذلان. سُجنت لأنك تعي بأن الأرض تهب الكثير كلما اكتويت لأجلها، وكلما حققت انطباقاً كاملاً في معاناتها، فالسجان لا يأخذ منك سوى تفاصيل الجسد الفوضوية، لكنه يعطيك معنى آخر عن الأرض، وفلسفة فريدة عن الحرية، ومعرفة خفية عن الهوية. فإياك أن تصدق كل أولئك الذين يكتبون عن السجن وهم لم يعرفوه يوماً.

كنت تقول دوماً إننا وجدنا لأجل فلسطين، وسنغادر من أجلها. هذه المعادلة الصعبة، كيف نحققها؟ ولماذا نُقتل كل يوم باسمها؟ أريد أن أكون فلسطينياً في الحياة، وأريدك في الصحوة الكبرى ثورياً عنيداً، وفي غفلة الزمن أسيراً صامداً، وفي نهاية الموت خالداً كآلهة امتشقت الهوية حينما دثرتها الأرض بالسماء الفلسطينية.

هل تساءلت يوماً عن حماقة أن يُكرَّم الفدائي؟ كنت تقول دوماً إنها أشياء عبثية، لولا أنها كانت تحمل اسم فلسطين، فلا فائدة تُرجى منها. كنت ساخطاً على الفكرة وملتحماً بحروف الأرض. أي معادلة هذه التي تمقت فيها الروح أشياء الجسد؟ وساماً يُعلَّق على صدرك تماماً حيثما تعلق قلبك بالبندقية، تلك الوحيدة التي تستحق التمجيد، وتضرب بها كل كلمات التحية. دعك يا رفيقي من كل التحايا، والتحم بالزناد، ولتعبر روحك إلى فلسطين فوق أحجية التراب.

وماذا عن الذاكرة؟ لم أشهد في حياتي وفاءً للقضية كما أنت. ربما الفدائي المقاوم يتسلح بكل تاريخ ثأره، وربما ينسى أشياءه الصغيرة، حياته العادية، وأسماء من يلاقِيهم، لكنه حتماً لن ينسى بندقيته وقنابله وأسماء رفاقه في العمليات النوعية. يظل يرددهم في خيانة الجسد للذاكرة. لهذا الحد يصعب أن تهزم تاريخ مقاوم؛ يخرج الصدق من عينيه، ومن لسانه وجسده، ويعانق الأرض في عهد دائم لا تنكثه غربة أو وحشة أو حتى خيانة.

يا رفيقي الجبهاوي، اخلع عنك هذا الموت وادخل بتفاصيل الأرض أكثر. طوّق نفسك بالعلم، ودع السهم يشير إلى توازن الوجود في بوصلة الدم على عهد المقاومة. تراك شبيهاً بهذا الوطن حدَّ التلاشي. نحن نحب فلسطين بقدر ما أبعدتنا عنها، ونموت كل يوم من أجل أن نحياها. كنت تطمح للموت في سبيلها، وغفلت عن الأماني بأن يغطيك ترابها. امتلأت حنيناً لغزة، فغرقنا بحقدنا على الاحتلال. من يشفينا من هذا الغل الذي يصهرنا، ويسكبنا نحاساً بفوهة بندقية؟ أتدري يا رفيقي بأن كل المعضلة تكمن في أننا محتلون بأكثر من طريقة؟ حتى في وداع الموت يأخذون منا هذا الترف، ويلقوننا بمنافي الغربة، وكل تراب يجهلنا ويأكل من صمتنا. نغدو بداخله قبراً بارداً لا يشبهنا. هل تراها فلسطين تشتعل كلما احتضنت جسداً منا؟ ولماذا كلما حدثتها عنا تنكمش عن الإجابة؟ نحن فلسطينيي المنفى نعيش اغتراباً آخر في الموت، فكيف نبتعد عن أمنا بينما يحنو علينا تراب منافينا؟

لن أقول لك وداعاً يا رفيقي، بل إلى اللقاء في فلسطينك التي تحب. إلى اللقاء مع روحك الجبهاوية الأصيلة، إلى اللقاء مع عنادك الذي لن يمل يوماً من الأرض والهوية. ولا تكن غير نفسك، لا تكن إلا فلسطينياً حقيقياً حد النخاع، يمجّد الثورة كلما اشتد ألم التراب.