Menu

تركيا و"إسرائيل": صراعٌ بين مشروعين

كميل أبو حنيش

بوابة الهدف

"دولة اليهود" كما تصورها "هرتسل"، ستكون بمثابة السد للحضارة الغربية أمام "بربرية الشرق"، وترجمة هذه العبارة أن مشروع هذه الدولة سيُمثّل دوراً وظيفياً لحماية مصالح الغرب الاستعماري في ذلك الحين، في منع تطور أي دولة في المنطقة قد تُشكّل تهديداً لهذه المصالح. وهذا ما فعلته "إسرائيل" بالضبط منذ الإعلان عن قيامها وحتى اليوم.

وبعد مرور زهاء 130 عاماً على تصور "هرتسل"، لا تزال "إسرائيل" تزاول دورها الوظيفي مع محاولاتها للتظاهر بأنها دولة طبيعية لها مصالحها ومشروعها الخاص غير المرتبط بالمشروع الاستعماري التقليدي الذي تفكك وحل محله مشروع الهيمنة الأمريكية الإمبريالية على العالم.

ورغم صحة هذا التصور في ارتباط المشروع الصهيوني بالمشروع الاستعماري العالمي، والدولة الوظيفية، غير أن ذلك لا يعني أن "إسرائيل" ليس لها مشروعها الخاص الذي يتناقض في أحيانٍ معينة أو يحاول العمل لصالحه بعيداً عن مصالح الغرب.

فقد عَبّر عددٌ من القادة الصهاينة منذ "بن غوريون" وحتى "نتنياهو" عن هذا الطموح، في تحويل "إسرائيل" من دولةٍ وظيفية إلى دولةٍ توظف علاقاتها بالقوى الغربية لصالحها، والاعتماد على الذات في بناء الدولة القوية التي تضمن بقاءها وتدافع عن نفسها، بل وتهيمن على المنطقة.

ففي بداياتها الأولى، وباعتبارها "القومية اليهودية" المُعَبَّر عنها بالدولة اليهودية، افترضت "إسرائيل" أن العرب من المحيط إلى الخليج هم العدو الرئيسي لها، فيما بقية القوميات ودول المنطقة كإيران و تركيا وإثيوبيا والأكراد والبربر، هم حلفاء طبيعيون لها بحكم تناقضات هذه الدول والقوميات مع العرب؛ فسعت مبكراً لترسيخ علاقاتها مع هذه الدول والقوميات والتحالف معها، ولكن من زاوية ضمان بقائها الدولة الأقوى في المنطقة، وأنها لن تسمح لأي دولة بالتفوق عليها أو منافسة مشروعها؛ "فإسرائيل" بحكم تكوينها وطبيعتها الاستعمارية الاستيطانية تنطوي على العنف والتوسع والهيمنة والعدوان والتخريب.

لقد عمدت هذه الدولة إلى تدمير أي مشروع عربي نهضوي، وهذا ما حدث مع مصر والعراق وسوريا، بحيث ضمنت أنه لم يتبقَ أي مشروع عربي جدي من شأنه أن يهدد الوجود والهيمنة "الإسرائيلية".

غير أن العقود الأربعة الأخيرة حملت "لإسرائيل" ما يمكن أن يهدد أمنها ووجودها ومشروعها، بعد سقوط نظام الشاه وتَحوُّل إيران من دولة حليفة إلى دولةٍ معادية لها مشروعها الخاص المتصادم مع المشروع الصهيوني، وكانت حربها الأخيرة مع الولايات المتحدة ضد إيران محاولة للقضاء على المشروع الإيراني، بيد أن هذه الحرب فشلت في إخضاع إيران، بل وحَوَّلت إيران إلى دولةٍ إقليمية مهيمنة.

أما بالنسبة لتركيا فقد انتقلت من طور الدولة الحليفة إلى طور الدولة المنافسة، ومن ثم إلى طور الدولة المعادية في عهد "أردوغان". في الواقع، "إسرائيل" لا تعادي "أردوغان" كما تحاول بث الانطباع بسبب سياساته وتصريحاته المستفزة "لإسرائيل"، إنما هي تعادي أي مشروع لأية دولة ترتئي أن لها مصالح وطموحات خارج حدودها الجغرافية؛ فقد تَحوّلت تركيا في العقدين الأخيرين إلى دولةٍ قوية ومهيمنة في الإقليم، حيث طورت من قدراتها الاقتصادية والعسكرية والعلمية ونفوذها الذي يمتد من شرق آسيا وحتى أفريقيا مروراً بالعالم العربي، وهذا بالضرورة مزعج "لإسرائيل" وقد حاولت الأخيرة محاصرة المشروع التركي من خلال التحالف مع اليونان وقبرص اليونانية والأكراد وتحريض الغرب.

أما نقطة التحوّل والتي اعتبرت فيها تركيا تجاوزت الخطوط الحمراء فهي لحظة سقوط النظام السوري السابق، ودعم تركيا للنظام السوري الجديد، ووجودها الأمني والعسكري والسياسي المكثف في سوريا، الأمر الذي جعلها تسارع لاحتلال أجزاء من سوريا؛ "فإسرائيل" ترى في وصول تركيا إلى حدودها تهديداً لوجودها، خاصةً بعد التصريح الأخير "لأردوغان" من "أن الأمن القومي التركي يمتد من حلب ودمشق وحمص، وصولاً إلى بيروت".

ثمة أكثر من ساحة وملف للصراع والتناقض بين المشروعين التركي و"الإسرائيلي": الملف الفلسطيني، السوري، الكردي، اليوناني، البحر المتوسط. فتركيا لديها مشروعها المتكامل في الهيمنة على المنطقة، وهذا المشروع يتناقض بالضرورة مع المشروع "الإسرائيلي".

إذ ثمة ثلاثة مشاريع متصارعة في الهيمنة على المنطقة: "الإسرائيلي"، الإيراني، والتركي، وسقط مشروع "نتنياهو" في تغيير الشرق الأوسط. وبعد أن حاولت أن تلعب على الوتر الطائفي في بناء تحالفاتها مع بعض الدول العربية المنبطحة بفزاعة "الخطر الشيعي"، تحاول اليوم تصوير الخطر التركي بفزاعة "الخطر السني"، وهي مصطلحات تعكس أزمة عميقة تعيشها دولة الكيان.

إذن، أي مشروع في المنطقة يحاول النهوض؛ فإنه بالضرورة مشروع متصادم موضوعياً مع المشروع الصهيوني المتحفز بصورةٍ دائمة، والذي يرتاب من أي مشروع منافس. والآن تتصارع ثلاث قوى للهيمنة على المنطقة، كل دولة لها طريقتها الخاصة في تجسيد مشروعها وإنجاحه. وقد فشلت كل المحاولات "الإسرائيلية" في الإيقاع بين تركيا وإيران؛ بهدف إضعاف الدولتين وبقائها الدولة الأقوى. وعندما حاولت استدعاء الغرب للقضاء على إيران والتفرغ لتركيا، فشلت فشلاً ذريعاً في هذه المهمة بعد الحرب الأخيرة على إيران، بحيث تحوّلت الأخيرة إلى قوةٍ يحسب لها حساب، ومجرد بقاء إيران وحضورها القوي في المنطقة يُمثّل إخفاقاً مدوياً للاستراتيجية الصهيونية.

أما في مواجهتها للمشروع التركي المندفع بقوة، فإنها تجد صعوبة بالغة في كبح جماح تركيا؛ فهي لا تستطيع تحريض الغرب على تركيا، بوصفها دولة مركزية ومحورية في حلف الناتو، ولأن ذريعة النووي والباليستي الصاروخي الشيعي لا تصلح في الحالة التركية التي تعتمد استراتيجية طويلة النفس، وتعتمد على الأدوات السياسية والدبلوماسية والاقتصادية الناعمة. لا يوجد لتركيا "أذرع أخطبوطية" كما لإيران، ولا تجد دولة الكيان حافزاً لدى بعض الأنظمة العربية للتحالف معها ضد تركيا كما هو الحال مع إيران.

ومن الملفت للانتباه أن "إسرائيل" ليس لديها ما يمكن أن تواجه به اندفاعة المشروع التركي سوى الورقة الكردية والاعتراف البائس بإبادة الأرمن، علماً أن الورقة الكردية فشلت في الحرب الأخيرة بعد أن أحبطها "أردوغان" بإقناع "ترامب" بعدم استخدامها.

إن تنامي الدور المركزي في المنطقة وطموحات "أردوغان" باستعادة أمجاد الإمبراطورية العثمانية السابقة يثير قلقاً في "إسرائيل"، بل وتعتبره أشد خطورة من التغلغل الإيراني في المنطقة؛ فهي لا تستطيع التعايش مع هذين المشروعين الخطيرين في ظل محاولاتها الدؤوبة في الهيمنة على المنطقة، وهو ما يرغمها في نهاية المطاف على التراجع والانكفاء، أما محاولاتها التوسع من خلال احتلال أراضٍ عربية جديدة في غزة ولبنان وسوريا؛ فإنما تعكس هذا القلق، فيما تصر الدولتان، تركيا وإيران، على ضرورة انسحابها من هذه الأراضي، وإلا فإن المواجهة العسكرية قادمة لا محالة.

إن دولة الكيان تعيش لحظة تاريخية مروعة، عَبّر عنها الكثير من قادة هذه الدولة بعبارة: "الفشل الاستراتيجي"، وهذا يعني بالضبط إخفاقها في التحوّل إلى الدولة المهيمنة في المنطقة، وعجزها عن القضاء على أهم مشروعين مناوئين ومتصادمين معها. لقد كانت نتائج الحرب الأخيرة على إيران كارثية على دولة الكيان، وربما كانت تركيا هي الرابح الأكبر من هذه الحرب، إذ إنها لم تتضرر وحافظت على إسراعها -وإن ببطء- على ملء فراغ مهم في المنطقة في التحوّل إلى قوةٍ إقليمية موازية لإيران، وسيواصل المشروع الصهيوني انكفاءه أمام المشروعين التركي والإيراني، إذا ما قررت الولايات المتحدة الانسحاب نهائياً من المنطقة.