التفاھمات الثلاث وإن كانت تحت مسمیات مختلفة لكنھا من حیث الجوھر مترابطة وتعكس تناقضا لا یمكن حله على الورق أو من خلال نصوص لا تعبر عن الواقع في رغبة القوى الاجتماعیة وقواھا الفاعلة في إنھاء العدوان.
إذا دققنا في الإطار والنص في ثلاثیة التفاھمات فإننا ندرك الخیط الرفیع بینھا الذي یحرص على إعطاء مشروعیة لاستمرار العدوان.
فلنأخذ كل اتفاق :
اتفاق شرم الشیخ تحت مسمى اتفاق السلام حصل الاتفاق بین الولایات المتحدة وبین وكلائھا أو بمسمى آخر بین الولایات المتحدة و نفسھا وأعطت وكیلھا الرئیسي تصریحا للتسلیة العدوانیة وأخذت تشریعا من قبل الأنظمة العربیة والإسلامية الوكیلة في تشریع العدوان واستمراره بشكل یومي.
اسرائیل العدوانیة تدرك أن تحقیق جوھر أھداف اتفاق شرم الشیخ ٢٠٢٥ لا یمكن أن یتحقق في ظل استمرار بقاء النظام الإیراني المقاوم.
اسرائیل وجدت في إدارة ترامب فرصة تاریخیة لإمكانیة تحقیق ھدفھا الرئیسي المعلن في تغییر وجه الشرق الأوسط.
دفعت بكل ما تملك من وسائل ضغط لجر إدارة ترامب لشن عدوانه على إیران بھدف تصفیة نھائیة للنظام الإیراني المقاوم وإعادة إنتاج نظام رضا بھلوي.
النتیجة أن جھودھا باءت بالفشل بالرغم من حجم الخسائر التي لحقت بالنظام الإیراني لكنه خرج من جولة العدوان بصورة أكثر تماسكا وحقق المثل الدارج (الطلقة التي لا تقتلك تقویك ) والأھم أیقظ الروح القومیة الإیرانیة وجعل من جنازة مرشدھا استفتاء شعبیا على شرعیة النظام الإیراني . الأبرز أنه حول إیران من لاعب إقلیمي إلى لاعب عالمي في معادلة الصراع بین القوى العظمى.
العدوان أعطى إیران عوامل قوة جدیدة حاسمة تتعلق في تشدید قبضتھا على موارد الإمداد العالمي للمواد النفطیة وسلسلة التورید التجاري التي بنتھا المنظومة الرأسمالیة. تشدید القبضة على مضیق ھرمز كان إعادة لتجربة الیمن التي أغلقت جزئیا باب المندب مما دفع إدارة ترامب للتوصل إلى اتفاق وقف إطلاق النار من أجل فتح المضیق.
الصمود الإیراني والدعم الیمني والعراقي واللبناني دفع إدارة ترامب مضطرة إلى التوصل إلى اتفاق إقلیمي شامل مع إیران یشمل كافة الجبھات.
أما بشأن إطار التفاھم مع لبنان الذي وقع دون توافق بین أركان النظام الطائفي فقد أنتج اتفاقا یشبه فیه اتفاق أوسلو الذي أعطى إسرائیل 70 بالمائة من فلسطین التاریخیة وسمح لھا بالمشاركة في السیطرة الأمنیة على الجزء الباقي منھا.
الأخطر في الاتفاق اللبناني أن من وقع الاتفاق وضع معادلة غیر وطنیة شرع فیھا العدوان الإسرائیلي على جزء من الشعب اللبناني من خلال اعتبار أن استمرار وجود المقاومة اللبنانیة یعطي شرعیة لعدوانیة الاحتلال الإسرائیلي.
الصورة الثلاثیة وما یجري على الواقع فان الاستخلاص الرئیسي یؤشر إلى أن ھذه الجولة من العدوان وما نتج عنھا أغرق الإدارة الأمریكیة واسرائیل العدوانیة في شرور عدوانیتھم وحرك المیاه الراكدة في المجتمعات الغربیة مما دفع إلى تحولات جوھریة في اتجاه الرأي العام الأمریكي والغربي الذي ساھم في كبح عدوانیتھم وكشف عمق عنصریة وصھیونیة الإدارة الأمریكیة والغربیة ھذا عامل یجب أن لا یستھان به في قراءة مستقبل الصراع.
وفي ھذا السیاق یطرح السؤال التالي : ھل انتھى العدوان على المقاومة وایران؟
بالتأكید لا ولكن الإدارة الأمريكية وإسرائيل العدوانیة وبالرغم مما یظھر من بعض الاختلافات إلا أن عاملین دفعا إدارة ترامب إلى وقف إطلاق النار .
الأول : مباریات كأس العالم التي تجري في الولایات المتحدة وكندا والمكسیك.
الثاني: الانتخابات النصفیة لمجلسي النواب والشیوخ التي تشیر كل التقاریر إلى أن الھزیمة متوقعة للجمھوریین ونجاح دیمقراطي یساري واضح معادي للِعدوانیة الإسرائیلیة التي جرت الإدارة الأمریكیة لحروب لیست لمصلحة شعار أمریكا أولا مما خلق أزمة في الحزب الجمھوري ودفع لتِغیرات واضحة في الحزب الدیمقراطي نحو الیسار الذي كشف الدور الصھیوني لمنظمة إیباك الذراع الإسرائیلي في الولایات المتحدة .
أما العامل غیر المرئي فھو عدم نجاح الثنائي العدواني في تشكیل تحالف واسع لتغطیة عدوانیتھم.
بالمحصلة النھائیة العامة فإن نتائج الجولة الأولى للعدوان بالمعنى السیاسي خرجت بمعادلة متساویة على طریقة لا غالب ولا مغلوب.
ھذه النتیجة یحاول ترامب كل یوم أن یغیرھا عبر تصریحاته وتھدیداته في محو إیران عن الخریطة وعملیاته العسكریة المتنقلة التي لا یعتبرھا إنھاء للتفاھم من جھة وفي ذات الوقت یعمل مع حلفائه من أجل إعادة ترتیب الإقلیم بما یھیئه للجولة الحاسمة القادمة التي لا مفر منھا لتغییر جوھري في المعادلة ھذه التوجه الذي تدفع به إسرائیل عبر تیارھا الصھیوني في الإدارة الأمریكیة الذي یسعى لإقناع ترامب أن أي جَولة عدوانیة أخرى یجب أن تكون نتیجتھا انتصار حاسم واضح یعطیه دفعة في جولة الانتخابات التشریعیة في الخریف القادم.
جھود ترامب ونتنیاھو تسعى بكل الوسائل لتوسیع المشاركة في العدوان عبر تشكیل قوة إقلیمیة ودولیة تحت قیادة أمریكیة لفِتح مضیق ھرمز الذي أصبح عامل ضغط على دول الخلیج والصین والغرب من أجل تأمین استمرار سلاسل التورید. ھذا یطرح سؤالا : ھل فتح مضیق ھرمز ضرورة ملحة ؟
من الواضح أن استمرار إغلاق مضیق ھرمز بشكل كامل مصلحة أمریكیة روسیة.
المصلحة الأمریكیة تسعى إلى تحقیق اندماجا إسرائيليا عربیا في منظومة الأمن الإقلیمي لإنھاء طموحات إیران في السیطرة على مضیق ھرمز وتعطیل الاقتراح الإيراني لتِشكیل قوة ایرانیة باكستانیة تركیة عربیة للحفاظ على الأمن الإقلیمي.
المصلحة الروسیة تكمن في الحفاظ على مستوى أسعار النفط والغاز لتمویل الخزانة الروسیة من جھة والضغط على أوروبا لخفض الدعم المالي والعسكري لأوكرانیا.
أوروبا ونظم الخلیج والصین المتضرر الأكبر من استمرار إغلاق مضیق ھرمز وھي الھدف الأمریكي الذي یسعى لإضعافھا وتفكیكھا ككتلة اقتصادیة وتعمیق خلافھا مع ایران و روسیا.
ھذه الصورة توضح السلوك الأمریكي السیاسي والعسكري في التعامل مع مع نتائج الجولة الأولى للعدوان الذي وضعھا في مأزق سیاسي وعسكري انعكس على منظومة اتفاقات أبراھم ووضعھا أمام خیارین : استمرارھا یتطلب فرض المشاركة المباشرة في العدوان لإنھاء المقاومة وإسقاط النظام الإیراني أو الالتفاف علیھا عبر التفاھم مع إیران الذي ھو أقل خسارة للنظم العربیة من المشاركة في العدوان الذي ستكون فیه ھذه النظم الخاسر الأكبر .
أما الطرف الإسرائيلي فھو یضغط باستمرار العدوان وتوسیعه لیحقق فرض رؤیته في فرض فكرته اللاھوتیة على الشرق الاوسط .
أما إیران والمقاومة لیس لدیھا خیار سوى خیار شمشون لمِواجھة العدوان الذي ما زال مستمرا تحت یافطة وقف إطلاق النار.
التناقض ما بین قوى المقاومة والعدوان لا یمكن أن تحله ھذه التفاھمات بل تحاول قوى العدوان أن تستثمر تحت سقفھا عبر سیاسة القضم التدریجي السیاسي والعسكري والاستفراد بقوى المقاومة لإنھاك حَواضِنھا الاجتماعیة وعزلھا.

