Menu

لكل زمان صعاليكه

عبد اللطيف صردي

نشر في مجلة الهدف العدد (84) (1558)

أجد نفسي مهووساً بأدب وفن المهمشين ابتداء من شاعر الصعاليك، عروة بن الورد ومن لف لفه على شاكلة تأبط شراً والشنفرى. عاشوا لقناعاتهم، ضاربين عرض الحائط بكل قيم القبيلة. امتهنوا السلب وتغنوا ببطولاتهم واقتسموا ما سلبوه مع الفقراء نكاية بأعراف القبيلة ورؤسائها. ونفس الخطو دب عليه الشاعر الكبير أبو نواس في العصر العباسي والذي خلدت أشعاره مديحاً للخمر والمجون برغم ما عرفته المرحلة من ازدهار علمي وثقافي في العلوم والرياضيات والفلسفة والترجمة والفقه.

نفس الأمر عرفه تاريخ الأدب والفن من شق مشواره على هذا المنوال. فالمتصفح (الخبز الحافي) لمحمد شكري وما قاساه في ليل تسكع شوارع طنجة من سرقة ودعارة ومخدرات وسكر طافح وتردد على الماخور أنه يفضح هذه القساوة ويدينها ويكشفها علانية دون مواربة أو زيف.

وتحضرني كتابات عبد الرحيم الرازقي في (سيلان من شقوق) مجموعته القصصية وروايته (مراكش ذواليك) حيث يقحمك في متاهات عالم سفلي في ليل مراكش المعطوب وفي أحيائها الهامشية مع كل صنوف التسكع والتيه، بأسلوب شاعري متين يمتلك ناصية لغة الضاد، قادر على ترويض مفرداتها ومعانيها، مجازفاً أحياناً في إقحام مصطلحات من اللسان الدارج، حيث اللفظة المقحمة تملأ النص قوة وحرارة وتمنحه شحنة وجدانية وعاطفية، مصحوبة أحياناً بقلق، لا تثق في المسلمات بل تقحمها إلى حلبة الصراع الدونكشوطي. ولا تنقص العبارة المقحمة من قيمة النص أو السرد مثقال ذرة بل قد تضفي عليه هالة البهاء والتجلي. ونذكر كذلك الشاعر والزجال بن خديجة في ديوانه الشعري الفصيح (يوميات حائط) وما يحمل من فضح وقهر. إن هذه الصرخة المدوية من عمق وقاع الهامش وإن لبست لبوس الإبداع حسب أجناسه المعبرة، تبقى إدانة لجور اجتماعي مع سبق إصرار وترصد. ومازال الزجال والرسام الذي يجوب الهامش في جوطيات حي المحيط بالرباط، نور الدين حيطان، يلم شتات قصائده الزجلية، يتأبطها لأكثر من أربعة عقود، دون أن تجد طريقها سالكاً للطبع. قصائد جاد بها خاطره في مناسبات عديدة، تؤرخ للحركة الاتحادية النقية، تمجد الشهيد، والتي ألقيت في أسابيع ثقافية طلابية وفي دور الشباب، جلها يحمل جرح الفلاح والعامل والطالب والمعطل، زينت أو زخرفت بلوحات داعبت ريشته قماش أو ورق القمامة، صباغة الأظافر النسائية التي اقتناها هي بدورها من النفايات. تحمل إبداعات هذا المناضل المثقف سواء وردت زجلاً أو لوحة كل معاني التحدي والصمود رغم الإقصاء والقمع والسجن.

ويزخر الأدب الغربي بهذه الفئات المتمردة وتحمل ثقافته نوعاً من التسامح والاحتضان خاصة على مستوى جنس السيرة الذاتية بحيث نجد تراكماً لا يستهان به مقارنة مع بيئات تسفه كل إبداع مخالف، تخترقها سلط قهرية ونكوصية تزخر بها مكتباتهم على شاكلة يوميات لص أو مومس أو سجين أو مثلي ومعطوبي الحروب وعاهاتهم والتجارب مع المرض كالسرطان والجنون. ويمكن اعتبار الشاعر والروائي الأمريكي تشرلز بوكوفسكي رائد هذا المنحى المسفه لهذه المجتمعات التي يدعي خطابها الرحمة والرفاه وترسانة من الحريات جهاراً. ولكن في باطنها تقتل الإنسان في جوهره ومكنونه بفضل أسلوبه القاسي والواقعي خاصة في روايته (هوليود) وديوانه (الحب كلب من الجحيم). كل عقوده في كتابة السيناريو تذهب في مهب الاستهلاك اليومي من خمر وتدخين أو إيواء وتنقل واقتناء سيارة. وتتراكم الديون وتصبح كل القيم سلعة للاستهلاك في حمى الاستلاب. وكذلك الكاتب الفرنسي جون جيني الذي خبر السجن (يوميات لص) كما اشتهر ككاتب مسرحي وناصر كل القضايا العادلة وتعاطف مع القضية الفلسطينية وأوصى بدفنه في العرائش.

ولعل سيرة المغنية الفرنسية إديت بياف ذات الأغاني بصوتها الرخيم وانتشار صيتها في عالم الفن والتي عرفت التسكع في ليل شوارع باريس والمرض لخير دليل على ما أدعي.