اتصل وعيها ب فلسطين قضية ومصيراً اتصالاً بجدلية الإبداع وقضاياه من استحقاق الهوية وصياغتها إبداعياً وذاكرة ومقاومة بأدوات ثقافية ورؤى تنحاز للإنسان.
"الهدف" التقت الأديبة والروائية سكون شاهين وسألتها كيف قاربت فلسطين في وعيها وإبداعها؟
رؤية للحياة
متى بدأت حياتك في عالم الأدب؟
بدأت رحلتي مع الأدب في نهاية المرحلة الإعدادية حين أدركت أن الكلمات ليست مجرد عبارات تكتب في موضوع إنشاء أو كلمة صباحية تلقى في الإذاعة المدرسية بل عالم رحب قادر على احتواء الأفكار والمشاعر والأحلام وكان لوالدي الفضل الأكبر في هذه الرحلة فقد غرس فيَّ حب القراءة والمطالعة منذ الصغر وشجعني على مصادقة الكتاب وفتح أمامي أبواب المعرفة والخيال.
ومع كل كتاب كنت أقرؤه كانت تتسع رؤيتي للحياة والناس حتى تحولت متعة القراءة إلى شغف بالكتابة بدأت أدوّن خواطري وتأملاتي ومشاعري على الورق باحثة عن صوتي الخاص بين الكلمات ومع مرور الوقت لم يعد الأدب مجرد هواية بل أصبح جزءاً أصيلاً من هويتي ونافذتي التي أطل منها على العالم وأعبر من خلالها عن ذاتي.
ماذا عن الهواجس الأولى في الكتابة؟
كانت الخواطر الإنسانية والعاطفية أول ما اتجهت إليه في الكتابة فقد كنت أجد في المشاعر الإنسانية عالماً رحباً يستحق التأمل والبوح وقد تأثرت في بداياتي بأسلوب مصطفى لطفي المنفلوطي العذب ولغته الوجدانية التي تلامس القلب كما أسرتني أفكار جبران خليل جبران ونظرته العميقة إلى الإنسان والحياة لذلك جاءت محاولاتي الأولى مزيجاً من التأملات الإنسانية والخواطر العاطفية التي كنت أعبّر من خلالها عن رؤيتي للعالم ومنها بدأت أكتشف صوتي الأدبي الخاص وأشق طريقي في الكتابة.
من هو الكاتب الحقيقي؟
نعم أؤمن أن الأدب يبدأ بموهبة فطرية تمنح الكاتب حساسية خاصة تجاه الحياة واللغة والإنسان، لكنه لا يزدهر ولا يكتمل إلا بالقراءة المستمرة والتدريب والممارسة فالموهبة وحدها قد تفتح الباب لكنها لا تكفي لعبور الطريق. والكاتب الحقيقي هو من يصقل موهبته بالمعرفة والخبرة والاطلاع على تجارب الآخرين.
لذلك أرى أن الموهبة بذرة أما القراءة والاجتهاد والمثابرة فهي الماء والضوء اللذان يمنحانها القدرة على النمو والإثمار كما أن متابعة الإصدارات الأدبية الحديثة والقراءة المتنوعة لمختلف الكتّاب والأدباء تتيح للكاتب توسيع آفاقه والتعرف إلى أساليب وتجارب جديدة مما يسهم في تطوير أدواته وصقل صوته الأدبي الخاص.
الكتابة ومصادر الإلهام
ما هي أكثر الموضوعات التي ألهمتك في الكتابة؟ ولماذا كانت الأقرب إليك؟
كان الإنسان في لحظات ضعفه وقوته مصدر إلهامي الأكبر فكتبت عن الحب والفقد والأحلام المؤجلة وصمود النساء وحكايات الناس البسطاء الذين يخفون خلف وجوههم قصصاً تستحق أن تروى كما حضرت في كتاباتي موضوعات الوطن والحرب وما تتركه من آثار عميقة في النفوس لأنني أؤمن أن الأدب ليس بعيداً عن قضايا الإنسان ومعاناته وآماله وفي مرحلة لاحقة جذبتني الرواية البوليسية متأثرة بكتابات أغاثا كريستي بما تحمله من تشويق وقدرة على بناء الأحداث وكشف خفايا الشخصيات. وقد وجدت في هذا اللون الأدبي مساحة مختلفة تجمع بين المتعة الفكرية والقدرة على استكشاف النفس البشرية ولعل ما يجمع كل هذه الموضوعات هو اهتمامي الدائم بالإنسان لأنه يبقى الحكاية الأجمل والأكثر عمقاً في الأدب.
إلى أي مدى تحضر القضية الفلسطينية في كتاباتك؟ وكيف تتجلى في نصوصك؟
تحتل القضية الفلسطينية مكانة خاصة في كتاباتي ليس بوصفها قضية سياسية فحسب، بل باعتبارها قضية إنسانية ووطنية تختصر معاناة شعب كامل وتمسكه بحقه في الحياة والحرية والكرامة فلسطين بالنسبة لي ليست خبراً عابراً أو حدثاً مؤقتاً بل حكاية شعب يكتب تاريخه بالصبر والصمود رغم كل ما تعرض له من اقتلاع وتشريد وألم وقد حضرت فلسطين في عدد من نصوصي وقصصي من خلال الحديث عن الأرض بوصفها جزءاً من الهوية وعن الإنسان الفلسطيني الذي يحول معاناته إلى قوة وأمله إلى شكل من أشكال المقاومة كما كتبت عن الأمهات اللواتي قدمن أبناءهن قرباناً للوطن وعن الأطفال الذين كبروا تحت أصوات القصف لكنهم ظلوا متمسكين بالحلم وعن البيوت التي تهدم فتنهض من جديد في الذاكرة والوجدان.
وأرى أن دور الأدب لا يقتصر على توثيق الألم بل يمتد إلى حفظ الذاكرة الإنسانية من النسيان لذلك أحاول أن أجعل من نصوصي مساحة للحديث عن الإنسان الفلسطيني في تفاصيل حياته اليومية وعن أحلامه البسيطة التي تشبه أحلام البشر في كل مكان ففلسطين في كتاباتي ليست مجرد مكان على الخريطة بل رمز للصمود والتشبث بالأرض والإيمان بأن الحق لا يسقط ما دام هناك من يرويه ويحمله في الكلمة والذاكرة.
من الجدير بالذكر أنه صدر للأديبة سكون شاهين سبعة أعمال أدبية بين مجموعتين قصصيتين هما شبابيك وبين الرغبة والخوف وخمس روايات حملت عناوين زهرة بين الركام ما لم يقله قاله الفنجان زنزانة 66 صدى البقاء ومنار إضافة إلى عمل قيد الإنجاز رجل من زمن آخر ووشوشات فنجان .

