Menu

الخاسر والمنتصر في الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران

أحمد عويدات

نشر في مجلة الهدف العدد (84) (1558)

من عُمان، وقبلها الدوحة إلى منتجع بحيرة لوسيرن في سويسرا انتصرت أخيراً طاولة المفاوضات على الميدان، وصمت هدير الطائرات والمسيرات، وبدأت السفن عبورها الآمن لمضيق هرمز، وبدأ "تدفق النفط إلى العالم" كما قال الرئيس ترامب، وانهالت كلمات الشكر والثناء على الوسطين الباكستاني وال قطر ي لدورهما بالتوصل إلى مذكرة تفاهم إنهاء حالة حربٍ امتدت نحو 47 عاماً بين طهران وواشنطن؛ لتشكل حدثاً تاريخياً، قام بتوقيعه الكترونياً رئيسا البلدين، ولتبدأ بعدها المفاوضات التقنية بين وفدي البلدين.

بالرغم من ذلك الإنجاز، لا زالت التجاذبات وأجواء عدم الثقة قائمة حتى لحظة عقد جلسة المفاوضات المباشرة الأولى؛ فالرئيس الإيراني يقول "لن نتراجع عن حقنا في تخصيب اليورانيوم، والطرف المقابل مُجبر على قبول ذلك"، و يردُّ عليه ترامب قائلاً: "على الرئيس الإيراني الانتباه إلى كلامه، وإلا سنستولي على بقية البلاد"، إذ يحاول كل طرف "شد طرف الخيط نحوه"، ومخاطبة الداخل بأنه انتصر وفرض شروطه على الطرف الآخر. لكن من الواضح أن ما يحيط بالطرفين من حلفاء في دول الخليج وأصدقاء في دول العالم قد أثّر على موقف كل منهما فكُسر الانتصار الميداني لكليهما، وأن مال لصالح الولايات المتحدة، وانتصرت طاولة المفاوضات، وأن مالت هنا لصالح إيران، كما بدا في آخر جلسة مفاوضات. والسؤال هنا، هل حقق كل طرف أهدافه في هذه الحرب؟

إن ما رشح عن مفاوضات تحت الطاولة، وما أعلن عنه في مُذكّرة التفاهم لا تشير البتّة إلى تحقيق الأهداف الأميركية الإسرائيلية. فقد أُجلت الملفات الشائكة، ومنها الملف النووي إلى ما بعد هدنة الستين يوماً، وكذلك الملف المتعلق بعلاقة إيران بحلفائها في المنطقة، وملف الإفراج عن الأموال والأرصدة الإيرانية المجمدة. ولعل في تصريح نتنياهو ما يعكس شعوره بمرارة ذلك عندما قال: " لن أسمح لإيران بامتلاك أسلحة نووية مهما كانت التطورات السياسية"؛ ما يعني أن هناك تراجعاً أمريكياً في هذا الملف. أما بشأن التخلص من برنامج الصواريخ الباليستية، فقد طُويَ، ولم يُذكر أبداً في مُذكّرة التفاهم. أما التراجع الأمريكي الأكبر يكمن في التخلي عن هدف إسقاط النظام الإيراني، و"محو الحضارة الإيرانية"، كما بدا ذلك التراجع في تصريح ترامب لفوكس نيوز:"لم يكن من أهداف الحرب تغيير النظام الإيراني"، وذلك لحفظ ماء الوجه.

 إن كل ما تقدم يُظهر فشل الرئيس ترامب ونتنياهو في تحقيق الأهداف التي أعلناها في بداية حربهما ، وبالتالي ما نتج عن ذلك من فقدان الهيمنة على المنطقة ، وبإبقاء "إسرائيل" القوة الرادعة الوحيدة في الشرق الأوسط ، وفقدان الثقة من قبل دول الخليج بالحماية الأمريكية ، بعد إدراكهم أن هناك تفاهمات جيوسياسية مع ايران، وما عليها، إلا أن تتعامل مضطرة مع الواقع الذي فرضته إيران في المنطقة، ومن الأفضل لها بناء توازن إقليمي أقل اعتماداً على المظلة العسكرية الأمريكية ؛ خاصة مع بروز النفوذ الصيني مقابل تراجع النفوذ الأمريكي والدور الإسرائيلي ، ويبقى مكسبهم الوحيد إنهاء الحرب التي تسببت بضرب منشآتهم و مصالحهم ، وما نتج عن ذلك من أزمة طاقة في الأسواق العالمية.

من جهة أخرى، برز التراجع الأمريكي من خلال الملف اللبناني الذي تم إقرانه بملفات المفاوضات الأخرى؛ فقد نجح المفاوض الإيراني بفرض وقف إطلاق النار في لبنان الذي لم يتم الالتزام به حتى لحظة كتابة هذه السطور، وربط عقد المفاوضات التقنية بمدى تنفيذ هذا البند، وربطه أيضا، بفتح أو إغلاق مضيق هرمز. (بدا هذا واضحاً، عندما أوقف الوفد الإيراني المفاوض جلسة المفاوضات المباشرة عقب تهديد الرئيس ترامب للرئيس الإيراني)؛ ما يعني أن اليد العليا في المفاوضات كانت لإيران خاصة عندما فرضت هذه الأخيرة آليات تنفيذية محددة قبل فتح الملفات الساخنة. 

مقابل ذلك، نجح الإسرائيليون والأمريكيون في كسر ما دأب الإيرانيون وحلفائهم في المنطقة، على مُسمّى "وحدة الساحات". وإن كان وقف إطلاق النار لم يتوقف تماماً في لبنان، إلا بعد تدخل الرئيس ترامب شخصياً، فإن ملفّ غزة قد أُسقط نهائياً، ولم تَعدْ غزة ضمن قائمة "وحدة الساحات". فالقتل والاغتيالات والغارات الإسرائيلية لا زالت مستمرة، ولم تتوقف يوماً، ولم يتم تنفيذ ما أتفق عليه من بنود في "خطة ترامب للسلام". ولا زال الحصار مستمراً؛ تمنع فيه دخول المساعدات بالحد المتفق عليه. والسؤال مجددا هنا، هل خاض الإيرانيون حربهم براغماتياً أم عقائديا؟ إن تجاهل ملف غزة يبدو أنه كان من بوابة المصالح الإيرانية، ومثّل هذا تنازلاً كبيراً من الجانب الإيراني، وبقي ملف حزب الله الأهم بالنسبة لإيران فكان الاعتبار عقائدياً مذهبياً. لكن ما هي تداعيات هذا الموقف الإيراني على حلفاء الامس؟ لقد تُركت غزة وحيدةً وخُذلت بعد وعودٍ بالمشاركة والمساندة، هل كان ذلك عقاباً لقادة المقاومة لعدم اطلاعهم القيادة الايرانية على ساعة الصفر "لعملية طوفان الأقصى"؟!! إن سردية "الصبر الاستراتيجي"، التي انتهجها الإيرانيون، يضطرنا إلى القول إنها كانت فقط باتجاه بوصلة مصالحهم، وليست باتجاه تعزيز صمود المقاومة ومؤازرتها. لقد ضُربت عناصر القوة لدى المقاومة بعد صمود اسطوري طيلة سنتين ونصف، واستُشهد القادة وعشرات الآلاف من الشهداء، واحتل 60% من قطاع غزة، وتم فرض الشروط الأمريكية الإسرائيلية، باستثناء نزع سلاحها، الذي لا زال موضع تجاذب، كل ذلك ولم تُذكر غزة وما يجري فيها منذ اللحظة الأولى التي بدأت فيها الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران، إلا في نشرات الأخبار. ولم تُذكر البتّة في تصريحات المسؤولين الإيرانيين، أو في المفاوضات مع الأمريكان، ولم يُفرض ملف غزة مع الملفات الإيرانية الأخرى مثلما فُرض ملف لبنان وحزب الله.

ما تبدوا عليه الأوضاع في المنطقة، هو إعادة تموضع إيران إقليمياً وعالمياً، ورؤية سياسية مختلفة لها، وصياغة تحالفات وعلاقات جديدة، وإعادة النظر في دور المؤسسات والبنى الداخلية الإيرانية. أما الأمريكيون، فإنهم يرون شرق أوسط آخر جاذب للاستثمار في العقد القادم؛ يختلف عما كان عليه قبل الحرب، ويسعون إلى إنهاء حالة الحرب التي امتدت نحو خمسة عقود مع إيران؛ ربما يكون ذلك مدخلاً لحل مشاكل المنطقة بأسرها. أما بالنسبة لنتنياهو، الأمر مختلف؛ إنه يحاول تأجيج الأوضاع الميدانية على كل الجبهات، وخاصة رفضه وقف إطلاق النار والانسحاب من لبنان؛ وفي ذلك محاولة لتقويض الاتفاق بين واشنطن وطهران، برفضه مُذكّرة التفاهم بينهما قائلاً:"إن إسرائيل غير معنية بالتفاهم بين واشنطن وطهران، وأن قواتها لن تنسحب من جنوب لبنان" ؛ لأن هذه المذكّرة لا تخدم مشروعه المُعلن "إسرائيل الكبرى" ، و تحقيق أغراضٍ شخصية أخرى؛ تُبعده عن السجن وعن شبح السقوط الذي ينتظره في الحياة السياسية الإسرائيلية. 

لقد ظهرت الفجوات في علاقة الرئيس ترامب ونتنياهو، من خلال تصاعد الدعوات والغليان، في الداخل الأمريكي رسمياً وشعبياً لإعادة تقييم العلاقة مع دولة الكيان، ولعل ما كتبه الصحفي المعروف في صحيفة نيويورك تايمز توماس فريدمان " أن ترامب باع إسرائيل من أجل الولايات المتأرجحة في الولايات المتحدة" ما يشير إلى ذلك. كما ظهر أيضاً من خلال تصريحات نائب الرئيس فانس، الذي قال: "إن العالم ضدكم، ونحن من يحميكم"، وكذلك من خلال ما صرح به الرئيس ترامب بقوله: "لولا وجودي لما كان هناك إسرائيل، ولكانت إسرائيل قد سُحقت".

الخلاصة، تتصارع الأنظمة وتتضارب مصالحها، وتطل الأطماع الاستعمارية والإمبريالية بمخططاتها لنهب الثروات والمقدرات، وتبقى الشعوب دوماً الضحية والخاسر الأكبر.