Menu

هذا أنا في حضرة القضية

موسى جرادات

بوابة الهدف

القضية الفلسطينية وفق قناعتي ورأي ولا الزم به أحدا معاذ الله ، ليست قضية ميتافيزيقية عصية على الملامسة، وليست أيضا قضية يقاس بها غياب العدالة فقط، ولا يمكن مقاربتها ايضا من منظور وجداني عاطفي لأنها ليست قضية أفراد إنها قضية أمة ضاربة في التاريخ تعيش اليوم مختطفة على مسمع ومرأى كل البشرية دون استثناء، ولا يمكن مواكبتها من خلال تحليل علمي انساني ينسب لأحد المدارس الفكرية سواء كانت متعاطفة أو معادية ،ولا يعرف معناها الحقيقي سوى من خلال التجارب الحية والمتواصلة في حياة الشعب الفلسطيني، ولأني فرد من أفراد هذا الشعب ، فكرت أن أكتب عني في القضية ، وهذا لا يعني بالضرورة أن عمل السرد الذي سأتلوه كتابة ، تعبير عن معاناتي كضحية، أو تقمص لدور بطولة متخيلة ، بقدر ما هو توثيق لحياة عصية ومستعصية في زمن لا يسمح بحدوث المعجزات ولا يطوع في خدمة البحث عن حلول لا ترجمة فعلية لها .

حكايتي مع الهوية

ولدت في الضفة الغربية لنهر الأردن ، في قرية تعانق مرج بن عامر تسمى سيلة الحارثية تعانقه كعاشقين لا يفترقان، عشت سنواتي الأولى فتى كبقية أقراني ، لا شيء يميز طفولتي ولا شيء يعطيها فرادة تذكر ،كل ما كنت أفعله مراقبة تعاقب الفصول فيها ، كما عشقت أصوات تساقط المطر وروتين الذهاب إلى المدرسة ومحاولة كتابة رسالة عشق" لها " عاندتني الرسالة ولم تكتمل ، عاندتني بدوافع كثيرة ومتنوعة كلها تصب في خانة الخوف والجبن وكنت شاهدا على رسائل غيري ممن سبقوني وعاصرتهم أيضا والتي هي الاخرى لم تصل لا كنهم حاولوا وعملوا ما بوسعهم دون خوف .

حتى جاءت لحظة الانتفاضة الأولى انتفاضة الحجارة، لحظة جارفة غير متوقعة، سريعة مباغتة، مدهشة ومختلفة عن كل ايامنا وسنواتنا السابقة التي قضيناها تحت الاحتلال.

هناك وقفت عند مفترق طرق ، كان عمري ١٦ عاما ، في تلك اللحظة جاءني خاطر أن اختار أن أكمل حياتي بعيدا عن أي انخراط فعلي في مجريات الانتفاضة ، كنت افكر بأنانية فردية ، مشبعا بتخيلات تقول لي بإمكاني النجاة منفردا، بعد أن أصنع مستقبلي العلمي والمهني بيدي ، ولأن الانتفاضة كانت مفصلا تاريخيا في حياة شعبي، وجدت نفسي منخرطا فيها دون إرادتي ، فجميع الأحداث في وقتها كان يكفي لكي يقتل كل تلك التخيلات، ويعيدها سيرتها الأولى، فخيارات الأفراد وتمنياتهم تذوب في لحظة المسارات التاريخية المفصلية ولا يبقى لها أي أثر، ويبقى نداء مكبرات الصوت في اذني وهي تدوي في الأفق وفي كل اتجاه "لا مجال للتراجع " حاضرة وهاجة حتى هذا الوقت ، وكأن صاحب الصوت سامحه الله يحذرنا من العودة إلى الوراء ، كأن في الوراء بحر الظلمات ، كان بإمكاننا التراجع خطوة إلى الوراء بعد أن تقدمنا خطوات إلى الأمام ، لو تدري يا صاحب الصوت ماحل بي من وجع ومن آلم ، لأعطيتني رخصة في التراجع خطوة أو خطوتين.

مضت خطواتي في الانخراط في مهمات الانتفاضة منقوصة بفعل غياب الانتماء التنظيمي والأيديولوجي الحقيقي المبنى على قناعة، مع أنني كنت موجودا وفاعلا في أحد التنظيميات على "سبيل الإعارة " فوفق العرف العائلي والعشائري السائد، الناس في التنظيم على دين آبائهم أو أخوتهم أو أبناء عمومتهم حتى يهتدوا لتنظيم آخر وفق قناعتهم فيحل لهم ويحلون له.

هذا اصطلاح أطلقه على حالتي في وصف تلك اللحظة، صحيح أنه لم يكن حاضرا في ذهني في ذلك الوقت ولكنه يفسر وضعيتي بشكل دقيق، فأنا من داخلي لم أكن في لحظة نضج تسمح لي بحرية الاختيار، فأنا "المعار" وقتها، أعيش مشاكل وهموم التنظيم الذي انتمي اليه على سبيل الإعارة، وفي نفس الوقت أشعر في داخلي أن مكاني ومكانتي ليس هنا وبالمناسبة ولا هناك ايضا.

ومع تسارع الأحداث اليومية لم يعد سؤالي الداخلي يمتلك فاعلية إنه سؤال مكبوت غير مسموح له الحضور، فيما زمن لا "مجال للتراجع" حاضرا يجب كل تلك الأسئلة، وأصبحت أنا من يراه الناس لا ما اراه وأتمناه، متقمصا شخصية هي التي أرادتني دون أن تطلب إذني، ففي الانتفاضة وديمومتها تصبح الأسئلة الفردية ومحاولة الإجابة عليها لحظة ترف لا مكان لها في القاموس، ولا مكان لها امام صخبها، فالكل فيها متشوق للحظة النهاية لحظة النصر العصية على التحقق هي الأخرى.

على الحاجز أكدس الفزع والخوف

لطالما أصبت بفزع الحاجز العسكري منذ اليوم الأول للانتفاضة وحتى هذا الوقت، الوقوف على الحاجز يعني لي أن الزمن توقف عندي، عشتها في لحظة التنقل بين مدن الضفة واريافها، بعد أن انتزعت مني هويتي " البرتقالية " التي كانت تمنح لسكان الضفة الغربية وقتها ولا أدري اليوم أي لون هوية يحملون، ومنحني الاحتلال هوية خضراء بديلا عنها، مكتوب فيها "ممنوع الدخول / الخروج من إسرائيل" وبصدق كنت اسأل نفسي أين أنا إذا؟ إذا كنت وفق قوانينهم لا بداخل ولا أنا بخارج، فاين أنا؟ كانت البطاقة الخضراء تمنح لنشطاء الانتفاضة للحد من تنقلهم، فعلى الحواجز سيتعرض صاحبها للضرب والتوقيف والتحقيق الميداني، وهذا ما كان يحدث معي طوال حملي لتلك البطاقة، أذكر أن المحقق قد كتب بالحبر على هويتي "تتجدد حتى نهاية الانتفاضة " حملتها معي حتى اللحظات الأخيرة قبل سفري إلى الأردن بعد أشهر قليلة من مؤتمر مدريد، أربع سنوات من عمر انتفاضة الحجارة وأنا أحملها في جيبي، لقد كانت أقسى من عقوبة الاعتقال وعقوبة الإصابة بالرصاص التي اختبرتها.

في اليوم ما قبل الأخير لي في فلسطين ، كنت أحضر أمتعتي وأغراضي وأوراقي استعدادا للسفر ، قصدت مدينة جنين لشراء بعض الحاجيات واستخراج تصريح السفر ، وعندما انتهيت ، أردت العودة إلى قريتي ، وأنا على بعد أمتار قليلة من السيارة التي كان من المفترض أن تقلني ، طوقني عشرات الجنود والقوا القبض علي ، واقتادوني إلى أسفل احد البنايات، هناك لم توجه لي اي أسئلة، فقط اللكمات والركل والضرب ، لم أشعر كم فات من الوقت ، فتحت الضرب المتواصل يشعر كل من هو في حالتي بفقدان الإحساس بالزمن ، حتى صرخ الضابط المسؤول عن الجنود بي ، طالبا مني العودة من حيث أتيت، في أسفل البناية شاهدت أكثر من ثلاثة معتقلين مقيدين ينزفون الدم ، فقلت في نفسي حالي أفضل من حالهم ، فحمدت الله على ما ابتلاني .

على الجسر المعلق معلقا معه

هناك على الجسر الخشبي الذي اسمته فيروز في إحدى أغانيها جسر العودة وأنا أعبره باتجاه الضفة الشرقية لنهر الأردن، كنت أظن أن زمن الحاجز والهوية قد ولى دون رجعة وكان كل ذلك أضغاث أحلام، لقد بدأ الحاجز أكثر إشراقا من ذي قبل، بعد أن أبى أن يفارقني منذ أن أصبح حاضرا في عقلي أكثر من حضوره المادي، حاجز معار أيضا.

في الطريق إلى الشام

كانت تحضرني توقعات عن التجربة الحياتية التي سأخوضها من جديد خارج حدود الوطن. على شباك صالة المسافرين الذاهبين إلى دمشق ، وقفت لساعات طويلة وأنا أحاول إقناع موظف الجوازات في الجانب الأردني من الحدود، أن أوراقي سليمة ولم ينتهي الأشكال إلا في لحظات الفجر الأولى لليوم التالي ، بعد أن سمح لي بالعبور إلى سوريا، والتي تحولت إلى كابوس حقيقي لم يخطر على بالي ، فكل من التقيتهم في دمشق كانوا يتلون على مسمعي قائمة من التعليمات والتي تصب جميعها في خانة " عدم الكلام " والمقصود أن لا أبوح بآرائي السياسية ، الأقرباء والمعارف والأصدقاء الجدد كلهم تقصدوا أن يلزموني بمعيار الصمت ، سنتين قضيتهما منتقلا بين دمشق وحلب في حالة هلع دائم ، خوفا من أن أمسك بالجرم المشهود "متحدثا"

وكنت أسأل نفسي لسنوات عن سبب هذا الإجماع في تقديم نصيحة عدم الكلام من قبلهم ، حتى اهتديت إلى إجابة وهي نظرية تعميم الخوف وتقنينه وترشيده ، حتى تصبح على صورتهم ، لقد فعلوا النصيحة بهدف أن تصبح مثلهم وأن لا تشذ عن القاعدة التي رسموها لأنفسهم، فالخوف يعمم وينتقل كالمرض المعدي فيما الشجاعة أخت صاحبها وصنعته التي لا تفارقه، ففي بلد يمنع فيه إبداء الرأي يصبح الخوف مقدمة لتبرير الصمت ، وتشريع الغياب الذي يوازي الموت وما أصعب أن تبتلى بداء الصمت الذي طوقني من كل جانب ، حتى أنني عجزت عن دخول قاعات الدرس في جامعة حلب ، فقط بعض الزملاء الأكراد التقطوا هواجسي وقرأوني جيدا بحدسهم الصائب، بعد أن شاهدوا لحظات الصمت الطويلة التي كنت أقضيها منفردا في ساحات الجامعة ، بعد أن صنعت لنفسي زنزانة متخيلة أحملها معي أربي بها الصمت والخوف.

لم تكن الصداقة التي جمعتني بهم سوى صداقات" القلق الوجودي المشترك " قبل أن تجمعنا الجامعة بأسوارها، ولم تكن تخلوا تلك التجربة من مغامرات ، أخطرها زيارة حي الشيخ مقصود ليلا ، بعيدا عن أعين العسس ، كنا نتشارك في نفس الحرفة عبر فن التخفي والتنقل وكل له تجربته الخاصة.

يوم يممت شطر بيروت

،قبل أيام من اتفاق اسلو انتقلت إلى بيروت لمتابعة دراستي الجامعية ، ولم يمضي وقت على وجودي في بيروت سوى أسبوعين خرجت في تظاهرة من ضاحية بيروت الجنوبية نحو بيروت رفضا لهذا الاتفاق وعند جسر المطار انهمر علينا الرصاص كالمطر وسقط العشرات من الشهداء والجرحى ، عادت لحظة الانتفاضة من جديد، تغير المكان ولم يتغير الواقع رصاص ودم ودموع لحظات لا تستطيع التعبير عنها .

أكثر من عشر سنوات قضيتها في لبنان دون أن أحمل هوية أو إقامة، بعد أن دخلت "خلسة" وفق قوانين البلد، تماما كما تسللت في بطاقة الاحتلال، فلا أنا بداخل ولا أنا بخارج، وبالمناسبة كانت السلطات اللبنانية تطلق سنويا ما تسميه "تسوية الوضع" عبر بيانات معلنة ولجميع المخالفين لنظام الإقامة مهما كانت جنسياتهم، مع استثناء غير معلن يخص الفلسطينيين أمثالي، ويمر هذا المنع عبر تعليمات إدارية لموظفيها في مكاتبهم، لهذا لم أتمكن من الحصول على الإقامة، مع أنني حاولت .

أمضيت سنوات امر على الحواجز المنتشرة في كافة طرقات لبنان ، ولا حيلة لي سوى البطاقة الجامعية التي كانت بديلا عن الهوية والإقامة، أذكر أكثر من مرة أني تعرضت للتوقيف على الحاجز بعد أن عجزت البطاقة الجامعية أن تكون بديلا عن الهوية ، والتي كنت أتلاعب في تاريخ إصدارها بعد ان أنهيت تحصيلي الجامعي ، عبر إضافة سنة جديدة ثم أعيد تغليفها من جديد، وفي كل مرة كانت اللحظة الأخيرة تكون الفارقة وأخرج من المأزق دون جهد ، فقط تعب الحاجز ولم أتعب بعد ، تذكرت أحد الأصدقاء الفلسطينيين الذي عايش نفس حالتي، حينما صعد على سطح الجامعة الأمريكية التي يدرس بها تحت المطر وبدأ يناجي ربه ويدعوه بصوت عال ، طالبا الحصول على إقامة بعد أن سدت بوجهه كل الطرق ، كان أشجع مني بعد أن قام بفعل الصراخ ، لقد بحث عن حلول غيبية ، فيما أنا بقيت مكتفيا القول في سري 'سانجوا ولو بعد حين" .

وحتى أكون صادقا في بيروت شعرت أني نضجت اكتملت، فيها تعرفت على نفسي التائه ورتقت بعض الثقوب، وأصلحت بعض نوافذ روحي التالفة، وحملت معي خيباتي المؤجلة.

العودة إلى دمشق مرة أخرى

خرجت من بيروت قبل شهر من اندلاع حرب تموز في العام ٢٠٠٦ على نية الاستقرار في دمشق، ولم أكن أدري أن سورية قد تبدلت في غيابي وأصبحت تطلب الإقامة من الزائر العربي، أربع سنوات قضيتها محاولا استخراجها وهي متمنعة في أدراج الموظفين البيروقراطيين، بعد أن حملت ورقة تفيد بأن إقامتي "قيد الانجاز" وبعد أن خرجت إلى النور، كتب عليها غير مسموح له بالعمل

بخط واضح وباللون الأحمر حتى لا تختلط الأمور على أي أحد ويقوم بتوظيفي، ومكتوب عليها أيضا في تبرير سبب إعطائها" المصلحة العامة " وكان السؤال الذي طرحته على نفسي وقتها مصلحة من؟ بعد ان علمت أن كل حرف وكلمة كتبت فيها بطاقة الإقامة هي محاولة للقفز عن القوانين المحلية والدولية ، فالإقامة السورية لم تكن تجدد ، كانت تعطى لأول مرة في كل مرة ، وبالمناسبة أصبحت اليوم تجدد كل ثلاثة أشهر لفلسطيني الضفة وغزة ، بقيت على هذا الحال حتى جاء" ربيع العرب" وأصبحت سوريا ساحة حرب لا تنتهي ، وجاء الحاجز الذي طالما كنت أخشاه ، ما بين الحاجز والحاجز نصب حاجز آخر ، كل الواقفين على تلك الحواجز يشعرونك بأنك أول الواصلين ، أحيانا كنت انتظر حتى يتم ما يسمى "التفييش " أي البحث في السجلات إذا كنت أحد المطلوبين لهم ، أذكر أن صاحب الحاجز ذكرني مرة مبتسما أنه بقي شهرين على نهايتها، أما الإقامة فأصبحت لديها شروطها الجديدة التي تسري على الفلسطينيين دون غيرهم من الجنسيات ، وهي خضوع صاحبها للاستجواب في كل سنة عبر أسئلة هدفها معرفة تموضعك ، ولأني بطبعي أحمل القلق الوجودي ويحملني، فهناك صعوبة في معرفة تموضعي ، فكل إجاباتي لم تكن تشير لهم أين أتموضع ، ومع هذا فكانت الليلة تعدي على خير كما يقول إخوتنا المصريين ، لكن بقي هاجس الخروج من دمشق حاضرا طوال فترة حرب "الأخوة الأعداء"، سنة ونصف السنة وأنا انتظر إضافة ابنتي على جواز السفر ، أما ابني الذي ولد أيضا في دمشق فقد برزت تعقيدات في أوراقه بعد أن فقدنا بيان ولادته ، حيث منع من السفر وأصبحنا مطالبين نحن أمام الدولة السورية إثباتات قانونية انه ولد في دمشق مع العلم انه يحمل جواز سفر وإقامة، وعند سؤالنا عن أرشيف الأحوال المدنية لاستخراج بيان الولادة تم إجابتنا أن الأرشيف احترق ، في تلك اللحظة انتابني خاطران الأول أنني أورثت أبنائي قلق الهوية والثاني كيف لدولة أن تستمر وهي لا تستطيع المحافظة على أرشيف مواليدها؟

في الخاطر الأول أولادي بدئوا يسألوني هل نحن فلسطينيين سوريين أم فلسطينيين أردنيين ام فلسطينيين، أم ماذا؟ وحتى هذه اللحظة لا أملك جوابا لهما .

اما في الخاطر الثاني فقد تيقنت أن سورية بعيدة جدا عن الخلاص.

في يوم سفرنا عبر مطار دمشق، وكان آخر عهدي بهذا البلد، سألني موظف الجوازات سؤال خبيث ماذا تفعل في بلادنا؟ وأنا على يقين أن سؤاله الاستفزازي جاء وحضر، لأني لم أقدم له الرشوة نظير ختمه للجوازات، لم أجبه ولم أنظر نحوه، فالموظف الذي تحضر فيها بلاده، عندما تغيب الرشوة لا يستحق أن تنظر إليه، وقبل لحظات من صعود الطائرة، حاول رجال الأمن سرقتي أثناء تفتيشي، بحجة مخالفتي للقانون لأني أحمل النقد الأجنبي، جميعهم تسلحوا بالقانون الذي يفصلونه على مقاسهم، حتى لا نسميهم لصوص الوطن.

في التجربة التركية

انتقلنا إلى تركيا وحط بنا الرحال في مدينة إسطنبول، كانت الرحلة مؤقتة ومحط طريق إلى أوروبا ولكنها لم تكتمل، لم يمضي على استقرارنا في تركيا ٦ أشهر حتى وقع الانقلاب الذي فشل، في ساعاته الأولى كان الخوف يسيطر على الجميع لكنه كان باديا على جموع المشردين العرب الذين استقروا فيها، بعد حرائق بلدانهم.

سرت الأمور وحملت معها تعقيدات جديدة ، صحيح أنني حصلت على إقامة، إلا أني فشلت في استخراج إقامة للأولاد، بفعل خطأ ارتكبه أحد العاملين في المكاتب العربية والتي تقوم بدور الوسيط في استخراج الموعد ، وفي هذه الحالة أصبح من الواجب الخروج بالأطفال من البلد والعودة مرة أخرى، استمر حال الانتظار ثلاث سنوات والأطفال بدون الإقامة، وعند سفري بهم والعودة ، استطعت استخراج الإقامات لهم ، لكن بعد أشهر قليلة زاد التدقيق على نظام الإقامات وتم رفض إقامتي، وانا حتى هذه اللحظة أعيش في هذا البلد دون إقامة ، فقط كل ما أحمله معي الآن ورقة من دائرة الهجرة تفيد انني أنهيت عامين كاملين من التوقيع الشهري وبانتظار أن يحين دوري للموافقة على إقامة إنسانية تمنح عادة لأمثالي الذين يحتار بهم "السيستم" المعمول به في هذا البلد ، والذي يداوي جراح المنكوبين مثلي ، الذين هم على خانة بلا وطن يعودون إليه ، كل تلك الاجراءات تدار من خلال مؤسسات مدنية لا أمنية كما في بلداننا العربية وهذا ما يعزيني ويخفف عني عبأ القلق والسؤال .

في الطريق

وفي الطريق طريق الحياة أسأل نفسي بعد أن بلغت من العمر أربعا وخمسين عاما، كم عليّ من الوقت الانتظار، حتى أصبح إنسانا عاديا لا يبتلى بالصمت ولا بالهوية ولا بالإقامة ولا بالفزع ولا بالخوف الدائم ولا بالنصائح الخاطئة، أم أن هذا طموح أعلى من واقعي؟ واسأل نفسي بعد كل تلك المعاناة سؤال ماذا لو لم أكن فلسطينيا، ماذا سأختار؟ إذا كان يحق لي الاختيار، والغريب انه بعد كل تلك المدة التي انقضت على نفس المنوال، ما يزال الجواب واحد لا يتبدل ولا يتغير، سأكون نفسي، واحمل معي كل هذا القلق دفعة واحدة، وربما أكملت " لها" الرسالة ولو حفرا على عرجون نخل ربما، ولم يتبقى لي سوى أمنية واحدة أن أعبر الجسر عائدا لأكمل سيرتي الأولى كما بدأت وأضيف عليها هواية التنزه تحت المطر.