منذ أكثر من أربعة عقود، تعيش العلاقات بين الولايات المتحدة الأمريكية والجمهورية الإسلامية في إيران حالة من الصراع المركب الذي يتجاوز الخلافات الثنائية ليطال أمن الشرق الأوسط بأكمله. ورغم تعدد جولات التصعيد العسكري والسياسي، فإن الطرفين كانا ينجحان في كل مرة في تجنب الانزلاق إلى حرب شاملة، مكتفيين بإدارة الصراع ضمن حدود محسوبة. غير أن التطورات الأخيرة تشير إلى أن المنطقة تقف أمام مرحلة أكثر حساسية، حيث تتداخل الحسابات العسكرية مع الاعتبارات السياسية والاقتصادية والإقليمية بصورة غير مسبوقة.
فالولايات المتحدة تنظر إلى إيران بوصفها قوة إقليمية تسعى إلى توسيع نفوذها عبر شبكة من الحلفاء في المنطقة، كما تعتبر أن برنامجها النووي والصاروخي يمثل تحديًا مباشرًا لمعادلات الأمن الإقليمي. وفي المقابل، ترى إيران أن السياسات الأمريكية تستهدف احتواء دورها الإقليمي وإضعاف قدرتها على حماية مصالحها الاستراتيجية، ولذلك تعتمد سياسة الردع وبناء أوراق القوة العسكرية والسياسية.
ورغم ارتفاع مستوى التهديدات المتبادلة، فإن قرار الحرب الشاملة ليس قرارًا بسيطًا لأي من الطرفين. فالولايات المتحدة تدرك أن أي مواجهة واسعة قد تؤدي إلى اضطراب أسواق الطاقة، وتهديد الملاحة الدولية، وتوسيع دائرة الاشتباك لتشمل عدة جبهات في الشرق الأوسط. كما أن إيران تدرك أن الدخول في حرب مفتوحة مع القوة العسكرية الأكبر في العالم سيحمل أثمانًا اقتصادية وعسكرية وسياسية باهظة.
ومن هنا، يبدو أن السيناريو الأكثر ترجيحًا يتمثل في استمرار سياسة "الضغط المتبادل"، من خلال العقوبات الاقتصادية، والضربات المحدودة، والرسائل العسكرية، والحرب الاستخباراتية، دون الوصول إلى مواجهة مباشرة واسعة النطاق، إلا إذا وقع خطأ في الحسابات أو حدث تطور استثنائي يفرض واقعًا جديدًا على الطرفين.
ولا يمكن إغفال الدور الذي تلعبه القوى الدولية الأخرى، مثل روسيا والصين، وكذلك المواقف الأوروبية، إذ تسعى هذه الأطراف إلى منع انفجار إقليمي قد ينعكس سلبًا على الاقتصاد العالمي وأمن الطاقة والاستقرار الدولي. كما أن العديد من دول المنطقة تجد نفسها أمام تحدي تحقيق التوازن بين علاقاتها الاستراتيجية مع واشنطن ومصالحها السياسية والاقتصادية مع طهران.
إن أخطر ما يميز الأزمة الحالية هو أنها لا تقوم فقط على توازن القوة العسكرية، وإنما أيضًا على توازن الإرادات السياسية. فكل طرف يحاول فرض معادلة ردع جديدة دون أن يتحمل مسؤولية إشعال حرب لا يمكن التنبؤ بنتائجها.
وفي المحصلة، يبقى الشرق الأوسط رهينة معادلة دقيقة؛ فالتصعيد مستمر، لكن الحرب الشاملة ليست قدرًا محتومًا. وقد تشهد المرحلة المقبلة جولات جديدة من الضغوط والتوترات، تتخللها قنوات تفاوض غير معلنة، في محاولة لإدارة الصراع بدلًا من حسمه. إلا أن بقاء بؤر التوتر مفتوحة يجعل أي حادث عسكري غير محسوب قادرًا على تحويل أزمة سياسية إلى مواجهة إقليمية واسعة، بما يحمله ذلك من تداعيات على الأمن والاستقرار والاقتصاد العالمي.

