Menu

مجزرة تل: حين يدفع الأعزل ثمن دفاعه عن نفسه"

عمر فارس

بوابة الهدف

في قرية تل جنوب غرب نابلس، سقط أمس أربعة شهداء من عائلة رمضان، هم فاروق وإبراهيم وجواد وعمران، برصاص مستوطنين هاجموا منازلهم وأحرقوا أشجارهم وأطلقوا النار بشكل عشوائي على الأهالي، في مشهد يتكرر يومياً في الضفة الغربية لكنه تجاوز اليوم كل الخطوط الحمراء. لم يكن الأهالي في قرية تل يستعدون لمواجهة عسكرية، بل كانوا في بيوتهم حين اقتحمهم مستوطنون مسلحون بحماية مباشرة من جيش الاحتلال، فأطلقوا الرصاص الحي على كل من تحرك، وحولوا البلدة إلى منطقة عسكرية مغلقة وفرضوا طوقاً أمنياً على مدينة نابلس بالكامل، بينما سقط الجرحى والقتلى في الشوارع دون أن تتوقف آلة القتل. في خضم هذه المجزرة، تمكن شاب فلسطيني من انتزاع سلاح أحد المستوطنين وأطلق النار دفاعاً عن نفسه وعن أهله، ما أدى إلى مقتل مستوطن وإصابة آخرين، لكن الرواية التي روجتها وسائل الإعلام العبرية حاولت اختزال المشهد برمته في "عملية فردية" تجاهلاً لحقيقة أن الهجوم بدأ باقتحام المستوطنين للمنازل وإطلاقهم النار أولاً، وأن الرد الفلسطيني لم يكن سوى دفاع مشروع عن النفس في مواجهة اعتداء مسلح ممنهج.

هذه المجزرة ليست حادثة معزولة، بل هي حلقة في سلسلة طويلة من الإرهاب الاستيطاني المنظم الذي يستهدف الفلسطينيين في كل قرية ومدينة، فمنذ مطلع العام الجاري وحده، ارتقى 82 شهيداً في الضفة الغربية، 21 منهم برصيد المستوطنين، بينما سجلت المنظمات الحقوقية أكثر من 1260 هجوماً استيطانياً بمعدل ستة هجمات يومياً، شملت إحراق المزارع وسرقة المواشي وتكسير الزجاج وترويع النساء والأطفال، وكلها تتم تحت أنظار جيش الاحتلال الذي يوفر الغطاء والحماية للمستوطنين بل ويشاركهم أحياناً في تنفيذ الهجمات. في الأربع والأربعين ساعة الأخيرة وحدها، تعرضت ثلاث قرى فلسطينية لهجمات متزامنة، بينها قرية تل التي شهدت أمس نزوح عائلة بأكملها بعد أن دمر المستوطنون منزلهم وأحرقوا ممتلكاتهم، وكأن هناك خطة ممنهجة لتهجير الفلسطينيين من أراضيهم وتقطيع أوصال الضفة الغربية إلى كانتونات منعزلة لا تستطيع الصمود أمام زحف المستوطنين المدججين بالسلاح والمدعومين من الحكومة الإسرائيلية الأكثر تطرفاً في تاريخ الكيان.

المشهد في تل يعيد إلى الأذهان مشاهد التهجير والنكبة، حيث يحرق المستوطنون الأشجار التي زرعها الأجداد، ويقتلون الآباء والأبناء، ويحاصرون القرى ويقطعون عنها الماء والكهرباء، ثم يخرجون بعد ذلك في بيانات رسمية يتحدثون فيها عن "أعمال شغب" و"عنف متبادل"، متناسين أن الفلسطيني في قرية تل لم يخرج من بيته إلا حين دخل المستوطنون إليه بالسلاح، وأنه لم يقتل مستوطناً إلا بعد أن رأى أربعة من أبناء عائلته يصرعون أمام عينيه، وأنه لم ينتزع سلاحاً إلا حين أيقن أن لا أحد سيحميه سوى نفسه في مواجهة جيش يحمي القتلة ويراقب المشهد من بعيد. إن ما يجري في الضفة الغربية ليس صراعاً بين طرفين متساويين، بل هو عدوان يومي يمارسه مستوطنون متطرفون ضد شعب أعزل، بدعم من دولة محتلة تمتلك أحدث الأسلحة وأقوى جيوش المنطقة، وتحت غطاء صمت دولي مريب يتغاضى عن الجرائم بحجة "حق إسرائيل في الدفاع عن نفسها"، بينما يدفع الفلسطينيون الثمن دماءً وأرضاً وكرامة.

إن صمت المجتمع الدولي وتخاذل المنظمات الحقوقية أمام هذه المجازر اليومية يشجع المستوطنين على المزيد من الإجرام، ويدفع الفلسطينيين إلى خيار الدفاع عن النفس كحل أخير في مواجهة آلة قتل لا تعرف الرحمة، فكلما سقط شهيد دون أن يتحرك العالم، شعر المستوطنون بأنهم فوق القانون، وكلما أحرقت شجرة دون أن يُعاقب فاعلها، ازدادوا جرأة على ارتكاب المزيد من الفظائع، حتى أصبحت حياة الفلسطيني في الضفة الغربية لا تساوي أكثر من رصاصة طائشة تخرج من سلاح مستوطن لا يحاسب على جرائمه، بينما يبقى الفلسطيني وحيداً في مواجهة إرهاب منظم يحاصره من كل اتجاه، ويبقى السؤال المعلّق في الهواء: كم قرية أخرى يجب أن تحترق، وكم عائلة أخرى يجب أن تُباد، حتى يرفع العالم صوته عالياً ويقول كفى؟