لم تعد الاعتداءات التي ينفذها المستوطنون في الضفة الغربية تُقرأ بوصفها أحداثاً متفرقة أو انفجارات غضب محلية، بل باتت تشكل نمطاً متكرراً يكشف عن تحول نوعي في إدارة الصراع على الأرض الفلسطينية. فالمشهد الذي شهدته بلدة تل جنوب غرب نابلس، وما سبقه ولحقه من هجمات في دير جرير شرق رام الله، يعكس انتقال المشروع الاستيطاني من سياسة التوسع التدريجي إلى سياسة إعادة تشكيل الجغرافيا الاجتماعية الفلسطينية عبر العنف المنظم، في ظل خطاب سياسي إسرائيلي أكثر تطرفاً، وحماية عسكرية مباشرة للمهاجمين.
وتشير المعطيات الميدانية إلى تصاعد غير مسبوق في وتيرة اعتداءات المستوطنين خلال عام 2026، إذ ارتقى منذ مطلع العام 87 فلسطينياً في الضفة الغربية، بينهم 26 شهيداً قتلوا مباشرة برصاص المستوطنين، فيما أصيب مئات آخرون خلال هجمات استهدفت القرى والبلدات الفلسطينية. وتعكس هذه الأرقام انتقال الجماعات الاستيطانية من دور المساندة إلى فاعل رئيسي في إنتاج العنف الميداني، بما يجعل الاعتداءات جزءاً من سياسة ممنهجة لإعادة تشكيل الجغرافيا والديمغرافيا الفلسطينية، وليس مجرد أحداث أمنية متفرقة.
المستوطنون كأداة تنفيذ... والجيش كضامن للنتائج
في علم الاجتماع السياسي يُستخدم مفهوم "عنف التوكيل" (Proxy Violence) لوصف الحالات التي تعتمد فيها الدولة على فاعلين غير رسميين لتنفيذ أهداف يصعب تحقيقها بصورة مباشرة. وهذا المفهوم ينسجم إلى حد بعيد مع ما يجري في الضفة الغربية.
ففي أحداث بلدة تل، بدأ الهجوم باقتحام عشرات المستوطنين أطراف البلدة، وإطلاق الرصاص وإحراق الممتلكات والاعتداء على السكان، قبل أن يتدخل جيش الاحتلال، ليس لوقف الاعتداء، وإنما لتأمين المهاجمين وفرض طوق عسكري على المنطقة وإعاقة وصول الإسعاف والسكان إلى مواقع المواجهة. ويتكرر المشهد ذاته في دير جرير وسنجل وترمسعيا وكفر مالك وغيرها من القرى، بما يكشف عن تقسيم وظيفي واضح؛ فالمستوطنون يخلقون الوقائع الجديدة على الأرض، بينما تتولى المؤسسة العسكرية تثبيت هذه الوقائع ومنع الفلسطينيين من تغييرها.
هذا النمط يحقق للاحتلال عدة أهداف في آن واحد؛ فهو يقلل الكلفة السياسية المباشرة للعنف، ويمنح الحكومة مساحة للادعاء بأن ما يجري هو "احتكاكات بين مدنيين"، في حين أن النتائج الميدانية تخدم مشروعاً سياسياً واحداً يقوم على توسيع السيطرة على الأرض الفلسطينية.
من السيطرة الأمنية إلى تفكيك المجتمع الريفي
تكشف الاعتداءات الأخيرة أن الهدف لم يعد يقتصر على فرض السيطرة الأمنية، بل يمتد إلى إعادة تشكيل المجتمع الفلسطيني نفسه، وخاصة في الريف.
فالقرية الفلسطينية ليست مجرد تجمع سكاني، بل تمثل وحدة اجتماعية واقتصادية متماسكة، ترتبط فيها الأرض بالإنتاج الزراعي والروابط العائلية والهوية الوطنية. ومن هنا يصبح استهداف القرى أكثر من مجرد هجوم أمني؛ إنه استهداف للبنية الاجتماعية التي تحفظ الوجود الفلسطيني على الأرض.
فإحراق الحقول، وتخريب شبكات المياه، ومنع المزارعين من الوصول إلى أراضيهم، وسرقة المواشي، وقطع الطرق الزراعية، كلها أدوات تهدف إلى إنهاك المجتمع الريفي اقتصادياً. ومع تكرار الاعتداءات ترتفع كلفة البقاء، ويصبح الانتقال إلى المدن خياراً يفرضه الواقع لا الرغبة، وهو ما يحقق هدفاً استيطانياً قديماً يتمثل في إفراغ المناطق الريفية من سكانها الفلسطينيين دون اللجوء إلى عمليات تهجير جماعية مباشرة.
إنه ما يسميه علماء الاجتماع "التهجير الصامت"؛ حيث يتحول الضغط الاقتصادي إلى وسيلة لإحداث تغيير ديمغرافي طويل الأمد.
صناعة الخوف بوصفها سياسة
لا تستهدف الاعتداءات الضحايا المباشرين فقط، بل تسعى إلى إنتاج أثر نفسي يمتد إلى المجتمع الفلسطيني بأكمله.
فالهجمات غالباً ما تقع في ساعات الليل أو أثناء وجود المزارعين في أراضيهم، وترافقها عمليات إطلاق نار، وإحراق للمنازل والمركبات، واعتداءات جسدية، بما يخلق حالة من الرعب الجماعي. وفي علم الاجتماع تُعرف هذه الحالة بإنتاج "الصدمة الجماعية"، حيث يتحول الشعور بالخطر إلى جزء من الحياة اليومية.
وعندما يخشى المزارع الوصول إلى أرضه، أو تتردد العائلة في السكن قرب المناطق المهددة، فإن المشروع الاستيطاني يكون قد حقق جزءاً من أهدافه دون أن يفرض سيطرته المباشرة على الأرض.
كما تؤدي هذه الحالة إلى إضعاف ما يسميه علماء الاجتماع "الكفاءة الجمعية"؛ أي قدرة المجتمع على تنظيم نفسه والدفاع عن مصالحه، ليحل محلها الانكفاء الفردي والبحث عن النجاة الشخصية، وهو ما يسهّل استفراد القرى واحدة تلو الأخرى.
الخطاب السياسي... شرعنة مسبقة للعنف
لا يمكن فصل تصاعد اعتداءات المستوطنين عن التحولات التي شهدها الخطاب السياسي الإسرائيلي خلال السنوات الأخيرة.
فالتصريحات الصادرة عن وزراء في الحكومة الإسرائيلية، والتي دعت إلى التعامل مع قرى الضفة الغربية بالطريقة ذاتها التي جرى التعامل بها مع مناطق في قطاع غزة، لا تؤدي وظيفة إعلامية فقط، بل تنتج ما يعرف في علم الاجتماع بـ*"التجريد الإنساني" (Dehumanization)*، أي تحويل الفلسطيني إلى تهديد مجرد، وليس إنساناً يتمتع بحقوقه.
هذا الخطاب يخفض الكلفة الأخلاقية للعنف داخل المجتمع الإسرائيلي، ويمنح المستوطنين شعوراً بأنهم يتحركون ضمن غطاء سياسي وقانوني، كما ينعكس على أداء الجنود الذين باتوا يتعاملون مع حماية المستوطنين باعتبارها جزءاً من مهمتهم الأمنية.
وبذلك يصبح الخطاب السياسي شريكاً في إنتاج العنف، لا مجرد مبرر له.
الاقتصاد السياسي للتهجير
تكشف الاعتداءات المتكررة أن الاستيطان لا يعتمد فقط على القوة العسكرية، بل يستخدم أدوات الاقتصاد لإعادة تشكيل الواقع.
فاستهداف المواسم الزراعية، وإحراق أشجار الزيتون، وتخريب الآبار، ومنع الرعاة من الوصول إلى المراعي، يضرب مصادر دخل آلاف العائلات الفلسطينية. ومع استمرار هذه الاعتداءات تتراجع الجدوى الاقتصادية من الزراعة، وتزداد معدلات الفقر والهجرة الداخلية.
وبهذا يتحول الاقتصاد إلى ساحة مواجهة موازية، يصبح فيها إفقار المجتمع الفلسطيني وسيلة لتقليص وجوده على الأرض، دون إصدار قرارات تهجير رسمية.
السلطة الفلسطينية... شلل بنيوي أم أزمة وظيفة؟
تثير أحداث تل ودير جرير سؤالاً متكرراً داخل المجتمع الفلسطيني: أين تقف السلطة الفلسطينية؟
قراءة المشهد من منظور سوسيولوجي تشير إلى أن الأزمة تتجاوز مسألة ضعف الإمكانات، لتلامس خللاً بنيوياً مرتبطاً بطبيعة الدور الذي نشأت عليه السلطة. ففي ظل غياب الولاية الأمنية على معظم مناطق الاحتكاك، والقيود التي فرضتها الاتفاقيات السياسية، تبدو قدرة المؤسسة الرسمية على التدخل محدودة.
غير أن استمرار هذا الواقع يوسع الفجوة بين المجتمع ومؤسساته، ويولد شعوراً متزايداً بأن القرى تُترك لمواجهة اعتداءات المستوطنين بإمكاناتها الذاتية. ومع تكرار المشهد يتراجع حضور الدولة في الوعي الشعبي باعتبارها جهة للحماية، ويحل محله الاعتماد على المبادرات المحلية والعائلية.
لماذا يتركز الاستهداف في الريف؟
إذا كانت المدن الفلسطينية تمثل مراكز الإدارة والخدمات، فإن الريف يشكل المجال الحيوي للمشروع الاستيطاني.
ولهذا يتركز الضغط على القرى المحاذية للبؤر الاستيطانية أو الواقعة في المناطق المصنفة (ج)، حيث تسعى إسرائيل إلى خلق واقع ديمغرافي جديد يسمح بضم هذه المناطق مستقبلاً.
ومن هنا يمكن فهم الهجمات الأخيرة باعتبارها جزءاً من سياسة طويلة الأمد تستهدف تقليص الحضور الفلسطيني في المناطق المفتوحة، وإحلال المستوطنين مكانه تدريجياً، عبر أدوات أمنية واقتصادية واجتماعية تعمل بالتوازي.
ماذا تقول الأرقام؟
تكشف الإحصاءات أن تصاعد العنف لم يعد استثناءً، بل أصبح اتجاهاً عاماً. فإلى جانب استشهاد 87 فلسطينياً منذ مطلع عام 2026، بينهم 26 برصاص المستوطنين مباشرة، شهدت الضفة الغربية مئات الاعتداءات التي طالت المنازل والمركبات والأراضي الزراعية، إلى جانب اقتلاع الأشجار، وإحراق المحاصيل، ومنع الوصول إلى الأراضي، وإقامة بؤر استيطانية جديدة.
وتؤكد هذه المؤشرات أن العنف لم يعد موجهاً ضد الأفراد فحسب، وإنما ضد البيئة الاجتماعية والاقتصادية التي تضمن بقاء الفلسطيني في أرضه.
ما العمل؟ من رد الفعل إلى الفعل المنظم
الإجابة عن هذا السؤال لا يمكن أن تقتصر على الدعوات العامة للصمود، لأن الصمود نفسه يحتاج إلى بنية تنظيمية تحميه.
وتبدأ هذه البنية بتطوير لجان حماية مجتمعية تعمل وفق آليات واضحة للإنذار المبكر والتنسيق بين القرى المتجاورة، بحيث لا تبقى كل قرية معزولة عند تعرضها للهجوم.
كما تبرز الحاجة إلى صناديق استجابة سريعة لتعويض المتضررين فوراً، لأن تثبيت المواطنين في أرضهم لا يعتمد فقط على الإرادة، بل أيضاً على القدرة الاقتصادية على إعادة البناء والاستمرار.
وفي الوقت نفسه، يصبح التوثيق القانوني والإعلامي ضرورة استراتيجية، بحيث تتحول كل جريمة إلى ملف موثق يمكن استخدامه في المحافل الدولية، إلى جانب دعم الاقتصاد الريفي وتشجيع الزراعة والاستثمار في المناطق المهددة، باعتبارها أدوات مقاومة تحافظ على الإنسان والأرض معاً.
خاتمة
تكشف أحداث تل ودير جرير أن الضفة الغربية تدخل مرحلة جديدة من الصراع، لم يعد العنف فيها مجرد وسيلة للردع أو العقاب، بل تحول إلى أداة لإعادة تشكيل المجتمع الفلسطيني نفسه. فالمستوطنون يتحركون بوصفهم قوة ميدانية تُنتج الوقائع، بينما توفر المؤسسة العسكرية والسياسية الإسرائيلية البيئة اللازمة لترسيخ تلك الوقائع.
وتؤكد حصيلة 87 شهيداً منذ مطلع عام 2026، بينهم 26 استشهدوا برصاص المستوطنين مباشرة، أن ما يجري يتجاوز الاعتداءات الفردية إلى سياسة ممنهجة تستهدف الإنسان والأرض والاقتصاد والنسيج الاجتماعي الفلسطيني في آن واحد.
ويبقى التحدي الأكبر أمام الفلسطينيين هو الانتقال من إدارة الأزمات إلى بناء منظومة مجتمعية قادرة على حماية الريف وتعزيز صموده، لأن المعركة الدائرة اليوم لا تتعلق فقط بالدفاع عن قطعة أرض، بل بالدفاع عن المجتمع الذي يمنح هذه الأرض معناها، ويحول البقاء عليها إلى فعل مقاومة يومي.

