لم يعد الحديث عن ضم المنطقة(C) من الضفة الغربية إلى دولة الكيان الصهيوني مجرد احتمال سياسي بعيد، بل أصبح جزءاً من مشروع إسرائيلي يجري تنفيذه على الأرض منذ سنوات، عبر التوسع الاستيطاني، ومصادرة الأراضي، وفرض القوانين الإسرائيلية على المستوطنات، وتقسيم الضفة إلى كانتونات معزولة، بحيث بات الضم الفعلي قائماً حتى وإن لم يُعلن رسمياً.
واليوم، ومع اللقاء المرتقب بين بنيامين نتنياهو والرئيس الأمريكي دونالد ترامب، يبرز سؤال لا يمكن تجاهله: هل سيطلب نتنياهو من ترامب الاعتراف بالسيادة الإسرائيلية على المنطقة (C) في الضفة الغربية، كما اعترف خلال ولايته السابقة ب القدس عاصمة "لإسرائيل"، وبالسيادة الإسرائيلية على الجولان السوري المحتل؟
قد لا يكون هذا السيناريو مؤكداً، لكنه ليس مستبعداً، فمن يعرف طبيعة المشروع الصهيوني يدرك أن هدفه لم يتغير يوماً: توسيع حدود الدولة "الإسرائيلية" وفرض الوقائع على الأرض، ثم البحث لاحقاً عن اعتراف دولي بها.
وما حدث في القدس والجولان يثبت أن الإدارة الأمريكية، عندما تتوافر الفرص، تستطيع منح إسرائيل غطاءً سياسياً لخطوات كانت تُعد سابقاً مخالفة للقانون الدولي.
والسؤال الأهم ليس: هل يريد نتنياهو الضم؟ فهذا الهدف لم يعد موضع نقاش، بل السؤال هو: ما الذي يمنعه من محاولة انتزاع اعتراف أمريكي جديد؟
هل ستقف الأنظمة العربية التي التزمت الصمت إزاء الاعتراف الأمريكي بالقدس والجولان في وجه خطوة كهذه؟ أم أنها ستكتفي ببيانات الشجب التقليدية، بينما تستمر علاقاتها السياسية والأمنية والاقتصادية مع دولة الاحتلال؟
وهل يواجه نتنياهو ضغطاً دولياً حقيقياً؟ العالم اليوم غارق في أزمات متلاحقة؛ من الحرب في أوكرانيا، إلى التوترات في الشرق الأوسط، وإعادة رسم موازين القوى الدولية، وفي ظل هذا الانشغال، قد يرى قادة الاحتلال أن اللحظة مؤاتية لفرض وقائع جديدة.
أما فلسطينياً، فلا تبدو الصورة مطمئنة، فالانقسام الداخلي، واستمرار حرب الإبادة، وتراجع دور المؤسسات الوطنية، والأزمة التي تعيشها السلطة الفلسطينية ومنظمة التحرير والفصائل، كلها عوامل قد تدفع حكومة الاحتلال إلى الاعتقاد بأن كلفة الضم ستكون محدودة.
إن المنطقة (C)، التي تشكل أكثر من 60% من مساحة الضفة الغربية، ليست مجرد مساحة جغرافية، بل هي العمق الاستراتيجي والاقتصادي للدولة الفلسطينية المنشودة، وتضم معظم الموارد الطبيعية والأراضي الزراعية والمعابر، وضمها يعني عملياً إنهاء أي إمكانية لإقامة دولة فلسطينية ذات سيادة.
لهذا، فإن القضية لم تعد تتعلق بما إذا كان حل الدولتين يواجه صعوبات، بل بما إذا كان قد انتهى فعلياً بفعل سرطان الاستيطان الزاحف، فالمشروع الاستيطاني لم يترك مساحة حقيقية لدولة فلسطينية قابلة للحياة، بل حوّل الضفة الغربية إلى جزر معزولة تحيط بها المستوطنات والطرق الإلتفافية والعسكرية.
وإذا أقدم نتنياهو على طلب اعتراف أمريكي بضم المنطقة (C)، أو حصل على ضوء أخضر للمضي في هذا الاتجاه، فلن يكون ذلك بداية مرحلة جديدة، بل تتويجاً لمسار طويل من الضم الزاحف الذي بدأ منذ احتلال الضفة الغربية عام 1967، وتسارع بصورة غير مسبوقة بعد توقيع إتفاقية أوسلو.
إن أصعب ما قد نواجهه ليس إعلان الضم بحد ذاته، بل اعتياد العالم على التعامل معه كأمر واقع، كما حدث مع القدس والجولان، وعندها لن يكون السؤال كيف نحافظ على حل الدولتين، بل كيف نعيد بناء المشروع الوطني الفلسطيني في مواجهة واقع سياسي جديد فرضته إسرائيل بقوة الاستيطان والدعم الأمريكي.
إن أخطر ما يمكن أن نفعله نحن الفلسطينيون اليوم هو مواصلة التمسك بمشروع سياسي أثبتت الوقائع أنه لم يعد قابلاً للتحقق، فبعد أن حوّل الاستيطان الضفة الغربية إلى جزر معزولة، وبعد أن أصبح الضم الزاحف سياسة إسرائيلية ثابتة، لم يعد السؤال كيف ننقذ حل الدولتين، بل ماذا بعد انهيار حل الدولتين؟
إن أي اعتراف أمريكي محتمل بضم المنطقة (C) لن يكون سوى إعلان رسمي لواقع صنعته إسرائيل على الأرض منذ سنوات، وسيشكل دليلاً إضافياً على أن الكيان الصهيوني يريد إفشال مشروع الدولة الفلسطينية المستقلة على حدود عام 1967 ولذلك، يصبح من الضروري إعادة طرح مشروع الدولة الديمقراطية الواحدة على كامل أرض فلسطين التاريخية، بوصفه رؤية سياسية واضحة للمستقبل، لا كردّ فعل على سياسات الاحتلال، وفي الوقت نفسه، ينبغي عدم الانجرار وراء السياسات الإسرائيلية التي تستهدف إجهاض إمكانية قيام الدولة الفلسطينية المستقلة، وفي المحصلة تعطيل أي أفق لحل ديمقراطي عادل، فالدولة الديمقراطية الواحدة ليست فكرة مستحدثة، بل كانت في بدايات الثورة الفلسطينية أحد أبرز مشاريعها السياسية، باعتبارها دولة يتعايش فيها الجميع على أساس المواطنة المتساوية، والمساواة الكاملة في الحقوق والواجبات، بعيداً عن الامتيازات القومية أو الدينية، بما يفتح الطريق نحو سلام عادل ودائم، وهي الصيغة الوحيدة القادرة على الجمع بين العدالة وحق الشعب الفلسطيني في وطنه التاريخي، وإنهاء نظام السيطرة والتمييز العنصري القائم.
من المؤكد ان الوقائع على الأرض دفنت عملياً إمكانية قيام الدولة الفلسطينية المستقلة، لإن سياسات الاحتلال القائمة على الاستيطان والضم والتطهير والتهجير تستهدف، بصورة ممنهجة، القضاء على أي إمكانية لإقامة دولة فلسطينية ذات سيادة، في انتهاك صارخ للقانون الدولي وقرارات الشرعية الدولية.
وفي المقابل، فإن هذه السياسات نفسها تعيد طرح السؤال التاريخي حول البديل السياسي، وهنا تعود إلى الواجهة فكرة دولة فلسطين الديمقراطية، بوصفها دولة يتساوى فيها جميع المواطنين في الحقوق والواجبات، بغض النظر عن الدين أو القومية أو العرق، وهي رؤية تختلف جذرياً عن الطروحات التي تسعى إلى تكريس "إسرائيل الكبرى" مع إبقاء الفلسطينيين مجرد سكان فاقدي الحقوق أو مواطنين من درجات أدنى تحت السيادة الإسرائيلية.
قد يستغرب البعض العودة إلى الحديث عن هذا المشروع في ظل حرب الإبادة والتهجير التي يعيشها شعبنا، حيث تبدو مهمة الصمود والبقاء هي الأولوية الوطنية الملحة، وهذا صحيح، لكن الشعوب التي تناضل من أجل حريتها لا تكتفي بمقاومة العدوان، بل تتمسك أيضاً برؤيتها السياسية للمستقبل، ومن هنا، فإن الدفاع عن الحق الفلسطيني لا يقتصر على مواجهة مخططات الاحتلال، بل يشمل أيضاً بلورة مشروع وطني ديمقراطي وعادل، يبقي الأفق السياسي مفتوحاً أمام الأجيال القادمة، مهما بلغت قسوة المرحلة الراهنة.

