الضفة الفلسطينية… سباق بين مشروع الحسم ومعركة البقاء
لم تعد الضفة الفلسطينية تعيش مرحلة تصعيد عابر، بل دخلت سباقًا مفتوحًا بين مشروع صهيوني يسعى إلى حسم الصراع على الأرض والهوية، ومعركة فلسطينية عنوانها البقاء الوطني والسياسي. إنه سباق مع الزمن؛ الاحتلال يسابق الوقائع الدولية والإقليمية لفرض حقائق لا رجعة عنها، بينما يجد الفلسطينيون أنفسهم أمام تحدي الحفاظ على الأرض، والوجود، ووحدة القضية قبل أن تتحول تلك الوقائع إلى أمر واقع دائم.
ففي الوقت الذي انشغل فيه العالم بحرب الإبادة في غزة، ثم بتداعيات الحرب على إيران واحتمالات المواجهة الإقليمية، كانت الضفة الفلسطينية تشهد عملية تغيير هادئة ولكنها عميقة. فمن الحصار الاقتصادي إلى التوسع الاستيطاني المتسارع، ومن القتل اليومي إلى تدمير مخيمات شمال الضفة وتهجير سكانها، تتكامل حلقات مشروع سياسي وأمني يستهدف إعادة رسم الجغرافيا الفلسطينية، وإفراغ فكرة الدولة الفلسطينية من مضمونها العملي.
في هذا السياق، لا يمكن النظر إلى ما جرى في قرية تل، جنوب غرب نابلس، بوصفه حادثًا منفصلًا. فالاعتداءات التي ينفذها المستوطنون، ولا سيما جماعات “فتية التلال”، لم تعد أعمالًا فردية أو انفلاتات أمنية، بل أصبحت جزءًا من سياسة ميدانية تسبق القرار السياسي وتمهد له. فالمستوطن يعتدي، والجيش يحمي، والحكومة تشرعن، ثم يتحول العدوان مع مرور الوقت إلى واقع جديد تفرضه القوة.
وخلال الأشهر الأخيرة ارتقى عشرات الفلسطينيين شهداء في اعتداءات نفذها المستوطنون أو خلال المواجهات التي أعقبتها، في ظل حماية مباشرة من جيش الاحتلال. وهذه ليست مصادفة، بل تعبير عن طبيعة الحكومة الإسرائيلية الحالية، التي جعلت من الاستيطان والضم الزاحف محورًا لبرنامجها السياسي. فالضفة الغربية لم تعد بالنسبة لهذا الائتلاف مجرد ملف أمني، وإنما ساحة الحسم النهائية لمشروعه الأيديولوجي.
ولهذا تتكامل إجراءات الاحتلال؛ توسيع المستوطنات، وشرعنة البؤر الاستيطانية، وشق الطرق الالتفافية، وربطها بشبكات المياه والكهرباء، وتأمينها بقوات الاحتلال، ليست سياسات متفرقة، وإنما أدوات مشروع واحد يقوم على فرض حقائق ميدانية تجعل أي تسوية مستقبلية فاقدة لمعناها.
وهذه ليست سياسة جديدة في الفكر الصهيوني. فمنذ سنوات الانتداب البريطاني اعتمدت الحركة الصهيونية سياسة “السور والبرج”، القائمة على إنشاء مستوطنة خلال ليلة واحدة ثم تحويلها، مع مرور الزمن وتحت حماية القوة، إلى حقيقة سياسية وجغرافية يصعب اقتلاعها. واليوم يعاد إنتاج الفلسفة نفسها بأدوات أكثر تطورًا؛ تبدأ ببؤرة استيطانية صغيرة، ثم تتحول إلى مستوطنة مكتملة البنية والخدمات، قبل أن تصبح جزءًا من الخريطة التي يسعى الاحتلال إلى فرضها باعتبارها حدودًا نهائية.
ومن هنا لا يمكن فصل التصعيد الأمني في الضفة عن الحسابات السياسية لليمين الإسرائيلي المتطرف، الذي يرى أن اللحظة الراهنة تمثل فرصة تاريخية لتصفية فكرة الدولة الفلسطينية، مستفيدًا من انشغال المجتمع الدولي بالأزمات الإقليمية، ومن حالة الانقسام الفلسطيني، ومن غياب ضغط دولي حقيقي يردع سياسات الاحتلال.
لكن الخطر لا يقتصر على مصادرة الأرض، بل يمتد إلى محاولة تفكيك المجتمع الفلسطيني، وإضعاف مؤسساته الوطنية، وإرهاق اقتصاده، وتحويل الحياة اليومية إلى معركة استنزاف دائمة. فمشروع الحسم لا يستهدف الجغرافيا وحدها، وإنما يستهدف أيضًا إرادة الفلسطيني في البقاء والصمود.
ولهذا فإن مواجهة هذه المرحلة لا يمكن أن تتم بردود فعل متفرقة أو بحسابات فصائلية ضيقة. فما يواجهه الفلسطينيون اليوم هو مشروع استراتيجي شامل، ولا بد أن يقابله مشروع وطني شامل، يقوم على وحدة القرار، ووحدة الميدان، ووحدة الهدف.
إن الحاجة باتت ملحة إلى تشكيل قيادة ميدانية وطنية موحدة، تستند إلى برنامج كفاحي جامع، يعيد توحيد طاقات الشعب الفلسطيني في مواجهة الاستيطان والمستوطنين وجيش الاحتلال، ويحول المقاومة الشعبية والسياسية والدبلوماسية إلى عناصر متكاملة في معركة واحدة.
فالتاريخ يعلمنا أن الاحتلال لا يكتفي بفرض الوقائع، بل يراهن على الزمن لترسيخها. وبينما يكتفي العالم غالبًا بالإدانة، تواصل إسرائيل البناء والتوسع، ويصبح ما كان استثناءً بالأمس حقيقة يصعب تغييرها اليوم.
لهذا فإن السؤال لم يعد ما إذا كانت الضفة الفلسطينية مقبلة على مواجهة كبرى، بل كيف يمكن الاستعداد لها. فالاحتلال بدأ بالفعل تنفيذ مشروع الحسم، بينما لا يزال الفلسطينيون مطالبين بحسم خياراتهم الوطنية. وفي سباق من هذا النوع، لا يكفي الدفاع عن ما تبقى، بل لا بد من المبادرة، واستعادة الوحدة الوطنية، وبناء استراتيجية شاملة تجعل من معركة البقاء بداية لإفشال مشروع الحسم، لا مجرد محاولة لتأجيل نتائجه.

